أيها الجد.. هل وقعت ذات مرة خلال العام الأخير؟ هذا سؤال أساسي، يتعين على طبيبك أن يطرحه عليك بشكل دوري اعتبارا من سن الـ 65 . ذلك أن 30% من كبار السن يتعثرون في المشي مرة واحدة سنويا على أقل تقدير و50% من هؤلاء يعاودون الكرّة مرة أخرى بعد وقت قصير، في حين يحتاج 26% منهم إلى مساعدة نفسية حتى يعودوا للسير على أقدامهم من جديد، لكن الأدهى من كل ذلك إنما يكمن في أن هذه السقطات هي أول أسباب الوفاة والعجز لدى هذه الفئة العمرية العزيزة على قلوبنا جميعا.

انهض وامش، فالأمر لا يتعلق بمعجزة وهذا الأمر الذي يأمرك به طبيبك لا يرمي إلا للتحقق من حالة جهازك الحركي، فالأمر يتعلق باختبار خاص بسن الشيخوخة يهدف إلى تقويم كيفية عمل نظام التوازن في الجسم وهيئة حركتك أثناء السير ومستوى أداء جسدك الوظيفي وكيف تتنقل وتتحرك وبأي سرعة وإذا ما كنت تأتي بحركة ما تعرقلك. للتيقن من كل ذلك سيكون كافيا النهوض عن الكرسي الذي تجلس عليه لكن من دون الارتكاز على اليدين، سر ثلاثة أمتار ودر وعد إلى الجلوس. إذا قمت بكل هذا في أقل من 20 ثانية ستكون قد تجاوزت الاختبار بنجاح، لكن إذا تجاوزت هذه المدة فهذا يعني أنك بحاجة إلى دعم أو أن هناك أمرا مريبا، فمن الممكن أن يكون جسمك قابل للإصابة بالضرر عندما يتعثر المرء أثناء سيره ويقع على الأرض، علما بأن هذا الخطر يطال سنويا ثلث الأشخاص الذين تجاوزوا عمر الـ 65 عاما. وهذا النوع من التعثرات يشكل أحد أعراض سن الشيخوخة الأكثر شيوعا، والشيخوخة المتزايدة في المجتمع تجعل من السهل ملاحظة الزيادة في عدد الأشخاص الذين يشكون منها.

الاختصاصيون يوضحون هذا الأمر بصورة لا لبس فيها : أمام أي سقطة لا مكان للامبالاة. فإذا أخذنا المجتمع الإسباني كعينة في هذا الميدان، سنجد أن الأطباء المتخصصين في أمراض سن الشيخوخة يدقون ناقوس الخطر من زيادة حالات التعثر ومن عدم التعامل معها بالصورة المناسبة سواء من قبل الأشخاص المعنيين أنفسهم أو الذين يحيطون بهم، حيث تحذر بيلار ميسا وهي طبيبة متخصصة تعمل في مستشفى لأمراض الشيخوخة وعضو في مجموعة التعثر في سن الشيخوخة وعلم الشيخوخة في المجتمع الإسباني؛ تحذر قائلة : إن الوقوع على الأرض يعد إشارة تحذيرية يمكن أن تترجم الوضع الهش للشخص الكبير في السن، الذي يجب دراسة أسبابه ويمكن أن يكون المظهر الأول لمرض تبدأ تداعياته بالاكتئاب ولا تنتهي بالالتهاب في حالات كثيرة.

هذه التعثرات تشكل مشكلة صحية يعترف بها وتدرس في كل مرة أكثر من سابقاتها جراء التبعات والتعقيدات التي تترتب عليها وهي ليست من توافه الأمور : 20% من أصحاب العثرات بحاجة إلى رعاية صحية، 10% منها تسبب أضرارا لا يستهان بها. فعلى سبيل المثال، فإن ما بين 4% و6% منها تؤدي إلى الكسر في عظم الفخذ، الذي يحتضنه الورك. ويشكل هذا النوع من الضرر أحد الأسباب الرئيسية للبقاء في المنزل وعدم الحركة والعجز لدى الناس المتقدمين في السن.

أما النفقات الصحية والاجتماعية التي تولدها، فإنها ليست تافهة كذلك، فضلا عن أن هذه الحالات يمكن أن تكون سببا للموت، حيث يقدر بأن هذا الحادث يسبب حوالي 20 حالة وفاة من بين كل 100 ألف من السكان الذين تجاوزت أعمارهم الـ 64 عاما، وذلك انسجاما مع بيانات لدراسة تحليلية أجريت في إقليم كتالونيا عام 2001.

وحتى لو تبين أن الحادثة انتهت من دون أضرار جدية، فإن نصف الذين يتعرضون لها لديهم صعوبة في النهوض و10% منهم يبقون ممددين على الأرض لأكثر من ساعة. لكن لهذه التجربة تأثيرا ضارا على المستوى النفسي، وتوضح الدكتورة ميسا أن الكثيرين يفقدون الثقة ويرفضون السير أو الخروج والعناية المبالغ بها من الأقارب، الذين يميلون عادة إلى عدم السماح لقريبهم الكبير في السن بأن يفعل أي شيء، الأمر الذي يمكن أن يفاقم حالة فقدان الاستقلالية.

وكخطوة أولى لمراقبة حالات التعثر هذه، فإن الأخصائية ترى أنه يتعين على الطبيب العام أن يسأل مرضاه الكبار في السن سنويا حول إذا ما كانوا قد سقطوا أرضا، وهو سؤال لا بد منه للتعويض عن النقص في إدراك الخطر الذي عادة ما نجده عند المتأثرين بهذا الحادث، إذ أن غالبيتهم لا يأتون على ذكرها أثناء مراجعتهم للطبيب.

وتضيف: يعتبرون ذلك أمرا عاديا وملازما لسن الشيخوخة. ويعلمون أن لديهم نقصا في النظر أو السمع أو الإحساس بالتوازن، لكنهم لا يعيرون ذلك اهتماما وكذلك الأمر بالنسبة لأقاربهم. وهو أمر يشبه ما حدث مع حالات فقدان الذاكرة. فنحن ندرك الآن أنها يمكن أن تكون إشارات تحذيرية لوجود حالة مرضية على غرار الزهايمر.

هذا الوضع أدى منذ بضع سنوات إلى رفع شعار في المراكز الصحية يقول بضرورة طرح هذا الاستفسار بشكل منتظم على جميع المرضى الذين بلغوا الـ 75 عاما من عمرهم، حسب ما يؤكده إنريكي مارتن وهو عضو في مجموعة العناية بكبار السن التابعة للرابطة الإسبانية لطب العائلة. لا بل إن الاهتمام المتزايد بعارض سن الشيخوخة وبمستوى المساعدة الأول الذي يجب أن يقدم في هذه الحالة قد دفع الجهات المعنية في اسبانيا إلى تضمينه في محتويات الدراسة الإلزامية الخاصة بالأطباء الجدد.

ومع ذلك، فإن العادة لم تعمم بعد، لكنها تنتشر بصورة تدريجية، على حد تعبير هذا المتخصص الذي يشارك في إعداد كتيّب للتدابير الوقائية والنصائح التي يتعين على الأطباء تطبيقها بهذا الخصوص.

فهذا السؤال البسيط قد يساعد في تدارك حالات ترنح جديدة والدراسات تثبت أن واقع تجربة سقطة ما يعتبر عنصر خطر واضح لتعرض الشخص المعني لحالة سقوط أخرى على المدى القصير وهناك تقدير بأن احتمالات العودة إلى التعثر من جديد تتضاعف بعد ملامسة الأرض لأول مرة.

ولذلك إذا جاءت الإجابة على السؤال بالإيجاب، فإنه ينصح بإجراء تقويم متكامل للمريض لتحديد ما هي العوامل التي سهلت وقوع الحادث.

المهمة بسيطة، فهذه الظاهرة تحدث في معظم الحالات جراء تداخل عدة تطورات. ومن بين العوامل العديدة التي يمكن الاستشهاد بها يبرز ما يسمى العوامل الجوهرية القائمة بذاتها والعوامل البيئية المحيطة والتي يبرز من بينها تناول أربعة أصناف من الأدوية أو أكثر، والتبدلات نفسها الخاصة بالعمر ارتباطا بالأطراف والحركة والتوازن وحالة القدمين والسمع والبصر وكذلك الأمراض المزمنة ( القلبية والعصبية العضلية) والمستفحلة (الاكتئاب وحتى الالتهاب).

وفيما يتعلق بمخاطر الوسط المحيط، فإنه من المعروف أن معظم الحوادث يقع في المنزل وفي الأمكنة المغلقة، مثل الحمام وغرفة النوم والمطبخ. 10% منها يحدث على السلالم خصوصا في حالة الصعود رغم أن الأخصائيين يعتبرون أن أهم العوامل مرتبطة بأصل الحادث.

ومن أجل التنبؤ بحوادث مستقبلية، فلا بد من دراسة حالة كل مريض على حدة لتحديد مكمن الخطر ومعرفة أي العوامل يمكن أن تتدخل ويجب أن يشارك في هذا العمل متخصصون في ميادين عدة، من الأطباء إلى المساعدين الاجتماعيين يتكفلون بتقويم المخاطر البيئية المحيطة في منزل الشخص المتضرر.

وهناك بحث أجري حديثا يقدم مفاتيح عدة يمكن أن تسهل مهمة التشخيص وتساعد على التكهن بطريقة بسيطة من هم المرضى المعرضون بصورة أكبر للسقوط من دون الحاجة إلى إخضاع الجميع للتقويم الشامل. وهذا العمل نشرته مؤخرا مجلة جورنال أوف ذا أميركان ميديكال أسوسييشن وهو يحدد ستة عوامل كامنة لخطر السقوط ويقوم بتحليل كل منها، وهي انخفاض الضغط بصورة حادة عند النهوض الذي عادة ما يصاحبه دوار، فقدان حدة البصر أو القوة العضلية، وجود اختلالات في السير، استخدام أدوية عديدة ووجود صعوبة في القيام ببعض النشاطات الاعتيادية و المعاناة من مشكلات إدراكية.

ترجمة: باسل أبو حمدة