ربما كانت مناقشة المؤلف لاقتحام فكرة الحداثة وتجلياتها للعالم العربي والانعاكسات الناتجة عن هذا الاقتحام، وبصفة خاصة على الأجيال الشابة هي أهم ما في هذا لكتاب، ولكنها في الوقت نفسه الجزء الأكثر إبرازا لأفضل ما في الكتاب وأسوأ ما فيه في آن والذين تابعوا بحب وتعاطف مناقشة العديد من المؤلفين لفكرة الحداثة، وانعكاساتها في المجتمع الياباني بصفة خاصة والمجتمع الصيني إلى حد ما، سيدهشون حيال مناقشة المؤلف في هذا المنعطف من كتابه لهذه الفكرة، فلن نجد في أي موضع من هذه المناقشة تحليلاً لمراحل التنوير في المجتمع العربي، ولا إلقاء للضوء على التغييرات في مجالات التعليم والإدارة وآليات التحديث عبر بناء المؤسسات، وهو ما يشكل الحد الأدنى لأي مناقشة جادة للحداثة في أي مجتمع، لكن ذلك لا يمنع أن المؤلف يطرح أفكاراً واسئلة وملاحظات جديرة بالتوقف عندها طويلاً.
لعل أول ما يلفت نظرنا في مناقشة المؤلف للحداثة وتأثيراتها على المجتمع العربي أنه لم يقم، من الناحية المنهاجية، بتعريف ما يقصده بالحداثة، وبالتالي تركنا لنفهم أن الحداثة هي.. الحداثة. ومن الناحية العملية، فإن مناقشته لها على امتداد الفصل في ضوء هذه الهفوة المنهاجية تكاد تدفعنا إلى الاعتقاد بأنه يقصد بالحداثة مجمل الأدوات التي يقدمها العصر من وسائل اتصال وأجهزة إعلام وسيارات وطائرات.. الخ. بينما نعرف جميعا أن هذا كله لا يعدو أن يكون التجليات المادية للحداثة، أو الشكل الأكثر وضوحاً لعملية الإنتاج في صورتها الحديثة، وهو ما يجعلنا نتحدث عن جانب جد محدود من مفهوم الحداثة بمعناه الصحيح. ولهذا فليس عجيباً أن تقرأ للمؤلف قوله في صدر الفصل إن الحداثي هو العولمي، ونحن معتادون على الاعتقاد بأن الحداثي لابد أن يعادل الغربي. وفي صفوف العرب فإن هذه الفكرة توضع موضع التساؤل، وغالباً ما يتم رفضها.
الشباب العربي والحداثة... يشير المؤلف إلى أنه ربما كان من الطروحات التي يبادر الشباب العربي الذين يقل عمرهم عن 15 عاماً إلى عدم الموافقة عليها أن عام 1991 يعد بمثابة السور الخلفي للحداثة في العالم العربي. ونحن جميعاً نعرف أنه في ذلك العام تم تحرير الكويت، غير أن المؤلف يربط ذلك العام أيضا بتمزق أسطورة مناعة ما يطلق عليه «طبقات ذوي الثياب الكاكية» بفعل التدخل الأجنبي، وتبدد عدم الانحياز مع انتهاء الحرب الباردة، وتجمد قصة الوحدة العربية مع مشاركة بعض الجيوش العربية في الائتلاف الدولي الذي أخرج الجيش العراقي من الكويت. وكان الغزو العراقي للكويت في حد ذاته قد أدى إلى شرخ حاد تحت سطح الجليد الذي يحمل النظام العربي الإقليمي بكامله. وفي هذا العام نفسه، أي 1991، حدث ما يسميه المؤلف ببروز نبض جديد في القصة القديمة، أي بروز نزعات سياسية جديدة تطرح التساؤل في مجمل الوضع العربي بكامله وتحاصره بعلامات الاستفهام. وهنا يلوم المؤلف بشدة القيادات السياسية في الغرب التي ينصب اهتمامها على الشرق الأوسط بفعل العديد من العناصر، لأنها عجزت عن إدراك مدى عمق التأثير الإسلامي في المجتمعات العربية، وبالتالي لم توفق في استشراف التطورات التي حدثت عندما وضعت هذه المجتمعات في وضعية أقرب إلى حالة حصار.
وهو يوسع دائرة اللوم لتشمل الأنظمة العربية التي يقول إن استجاباتها للتطورات طوال التسعينات كانت استجابات ميكانيكية وآلية، تصدر عن أذرع المؤسسات الأمنية، من دون أي أفق أو عمق سياسي حقيقي على الإطلاق. هكذا فإنه مع مطلع الألفية الثالثة، وعلى امتداد السنوات الأولى منها، أطل لغز في العالم العربي لم تلمحه الإ عيون قلة من الخبراء والاختصاصيين، فالعرب الذين عرفوا بخلفياتهم الاجتماعية التقليدية وعاداتهم وأعرافهم والذين لم يكن يبدو أنهم مؤهلون بصفة خاصة للإبحار في مسالك العالم الحديث، سرعان ما تبين أنهم بارعون على نحو فذ ويقظون أشد اليقظة في غمار الاستفادة من الإمكانات الجديدة الهائلة التي يتيحها الاتصال الفوري والسفر الميسر. وعلى امتداد جانب كبير من القرن العشرين كان البعض في الغرب قد نظروا إلى القبائل العربية باعتبارها جماعات على الهامش، لا تجتذب إلا قلة يخامرها الحنين، وهي تستحضر ذكريات أيام تي. إي لورنس والثورة العربية لكنها تظل بعيدة عن إثارة الاهتمام الغربي للشؤون الدولية المعاصرة، ثم تبين أن أبناء هذه الجماعات قادرون على البروز في التواصل مع التقنية الجديدة والتحرك بفعالية عبر القارات على امتداد العالم.
وضاعف من تأثير هذا البعد أنهم بدأو قادرين على التعاون، على صعيد العمل والحركة، مع كثيرين ممن لا ينتمون بشكل مباشر إلى سياقهم الثقافي، حيث مدوا جسور التعاون المكثف مع مصريين وسودانيين وجزائريين وكثيرين غيرهم.
والأمر المدهش، هكذا يشير المؤلف، أن هؤلاء كانوا قادرين على تشكيل تحالفات تقفز عبر المسافات والحواجز لتتجاوز الهوية العربية، وبالتالي أوجدوا صلات عمل مع شيشان وأوروبيين وأفارقة وباكستانيين وعناصر أخرى أكثر إيغالاً في الشرق.
المنطقة الرمادية
بينما يجد القارئ نفسه في منتصف الفصل الذي عقده المؤلف عن الحداثة، فإنه لا يملك إلا أن يتساءل: أين التناول المنطقي والطبيعي والحتمي لأي تحليل عن الحداثة في أي مجتمع على وجه الأرض والذي يدور حول عناصر من قبيل التعليم والإدارة والمؤسسات؟
من المؤسف أننا لن نجد شيئاً من هذا كله، في التحليل إيغالاً في الحديث عما يسميه المؤلف بالمنطقة الرمادية.
لكن ما هو المقصود بالمنطقة الرمادية على وجه الدقة؟
المنطقة الرمادية، بحسب رؤية المؤلف، هي تلك المسافة الممتدة بين المسلمين المعنيين بالقضايا العامة والمتطرفين.
وهو يسلم بأن النفوذ المتزايد للتيار الإسلامي في القضايا العربية العامة هو موضوع للحوار لا تنقصه الحساسية، ولكنه على الرغم من ذلك موضوع شائع ومألوف، والناس يدركون أن المنخرطين في هذا التيار منظمون ولا تنقصهم الفعالية، ومشروعهم قد يكون إستراتيجياً وغير واضح المعالم، ولكنهم يجيدون معالجة التكتيكات في السياسة والقانون والتعليم.
ولكن ما الذي يحدث لدى دخول قوى العولمة على هذا المشهد؟
يرى سير مارك الين أن العرب الذين نشأوا في الفترة منذ عام 1991 ربما نظروا إلى قوى العولمة باعتبارها شيئاً عادياً في التسعينات وخاصة في مجال ثورة الاتصالات عبر الانترنت والهواتف النقالة والبث الفضائي، وأولئك الذين كانوا أكبر سناً من ذلك بقليل سبحوا في التيارات الجديدة بسهولة مدهشة، وأعطى للنزوع العربي للانطلاق في جماعات والاستعداد الطبيعي للتواصل والقدرة على التعامل عبر آفاق عميقة انطلاقا وقوة جديدين.
وأضيئت العولمة الجزئية القائمة بالفعل في العالم العربي من خلال الإمكانات التقنية، وأصبح السفر الدولي أيسر مثالاً وأرخص تكلفة، وتقلصت مخاطر الفراق الناجمة عنه بفعل الهاتف النقال، ووجد العالم العربي، على الرغم من إنجازاته المتواضعة بالمعايير العالمية في الوصول إلى التقنية الكمبيوترية، حيث لا يزيد معدل مستخدمي الكمبيوتر فيه على 7% وهو معدل يقل عن نظيره في إفريقيا ما دون الصحراء ـ وجد نفسه متصلاً بعضه بالبعض الآخر.
«الجزيرة» نموذجاً
يشير المؤلف إلى أن النموذج الدال على هذه المرحلة هو إنشاء قناة «الجزيرة» الفضائية في الدوحة التي استوعبت في طاقم العاملين كوادر صحافية وإعلامية وتقنية من مختلف أرجاء العرب، وتم عبرها بث كل ما يعني لهم توصيله إلى الشارع العربي.
هذه «الهايدبارك» العربية الفضائية ألقت ضوءاً شاحباً وبارداً على الجهود التي بذلتها المحطات التلفزيونية العربية الأخرى، وعلى امتداد المدن العربية أطلت أجهزة التقاط ارسال لا يخضع ـ من الناحية العملية ـ لأي نوع من الرقابة أو التوجيه.
هكذا أصبحت للعرب قناتهم التلفزيونية الفضائية، التي تبدي استعدادا لبث ما لا يسمح ببثه عبر القنوات التي تسيطر عليها الحكومات كما أنها لها مرجعيتها وحجيتها، والأمر الأكثر إثارة للاهتمام أنه عبر برامجها تتم مناقشة وجهات نظر لا تفتقر إلى العمق، ويتاح للجمهور أن يطل عبر الهاتف وفي برامج الدردشة، الأمر الذي كفل لها رواجاً فريداً حقاً.
في ضوء هذا التوجه لم يكن من المدهش أن يتم الإعراب عبر «الجزيرة» عن كراهية نظام صدام حسين وفي الوقت نفسه رفض العملية التي قادتها الولايات المتحدة وأفضت إلى الإطاحة به في 2003 وكذلك الإعراب عن عدم الثقة فيمن يدعون بالإرهابيين وفي الوقت نفسه الاهتمام بطروحات شخصيات من قبيل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري.
وأدت البرامج المخصصة للمرأة وللأطفال إلى طرح الاهتمام بهذه الشرائح من المجتمع العربي في المجال العام بطريقة جديدة تماماً، الأمر الذي أفضى إلى إدخال تغييرات على الصحف والجرائد وأجهزة الإعلام الوطنية العربية.
تقدم العولمة للفرد نظرة صقر محلق إلى العالم وقدرة هذا الصقر على التركيز بصورة فجائية على التفاصيل، وشعور الفرد بالاختيار يتم توسيع نطاقه وكذلك الميل إلى الملاحظة والحكم.
ثيسجر يعلن دهشته
يلفت المؤلف نظر القارئ إلى أن المشكلات الديمغرافية المتفاقمة التي يعاني منها العالم العربي توجد مشكلات بطالة بالغة الخطورة بالنسبة للشباب، ومن يواجهون صعوبة في الحصول على عمل يبادرون إلى الحديث من خلال مشكلة كلية وما يتعلق بها من احصاءات، ليس في بلدهم وحده وإنما على المستوى الإقليمي كذلك، وذلك للإعراب عن احباطهم، وهناك انتقال لافت للنظر في الخطاب حول العديد من الموضوعات التي تعد مكونات لأجندة سياسية يجري تشكيلها حالياً.
ويبادر المؤلف إلى الإشارة إلى أن الرحالة والمتعرب المعروف ويلغرد ثيسجر قد تأثر كثيراً بتجربته بين ظهراني عرب الربع الخالي على نحو ما حدثنا في كتابه الشهير «الرمال العربية». وقد اعتاد القول إن كل شيء يقدره، باستثناء مجموعة كتب بالطبع، تستوعبه حقيبة توضع على رحل ناقة، وقد أراد السفر خفيفاً في الحياة، وهذا ما كتب له في نهاية المطاف على الرغم من أنه حافظ على ارتباطه العميق بكل ما هو تقليدي.
وقد كان ثيسجر يعرب عن وجهة نظر مفعمة بالفهم والتعاطف لاندراج العرب في العالم الحديث وما قدمه لهم.
غير أن ما أدهش ثيسجر قد تمثل في السرعة التي لحق بها العالم الحديث بالعرب واكتسحهم. ولم يكن الرحالة الشهير على قيد الحياة في الأول من سبتمبر عام 2004 عندما لقي أربعة أشخاص حتفهم في التدافع الكاسح الذي حدث لدى افتتاح متجر حديث لسلسلة «إيكيا» الشهيرة في جدة، غير أن المؤلف يشير إلى أن ثيسجر لو كان على قيد الحياة في ذلك الحين لما كان هذا النبأ قد أدهشه.
ويقول المؤلف إن رجلاً من وجهاء العرب كانت له وجهة نظر مماثلة لتلك التي تبناها ثيسجر قد زاره في لندن، وأبدى امتعاضه الشديد من رؤية فتى عربي يمضي في الشارع وقد وضع هاتفاً نقالاً على كل أذن من أذنيه.
ويحيلنا المؤلف إلى كتابه الذي أصدر عن الصيد بالصقور في شبه الجزيرة العربية في عام 1978، حيث فصل القول في السهولة التي يبادر العرب بها إلى معانقة الجديد والمستحدث، وعقب على ذلك بالقول إن امتلاك سيارة من طراز مرسيدس، على سبيل المثال، لا يعني دخول المجتمع الذي أنتج هذه السيارة، ويشير إلى أن السنوات التي انقضت بين إصدار كتابه ذاك وإهدار كتابه «العرب» أكدت وجهة نظره في هذا الشأن.
الكثير من العرب ينظرون إلى التقنية المستوردة من العامل الخارجي باعتبارها ثمرة دانية القطوف تلتقط من دون جهود يذكر، ولا تشكل بالنسبة لمن يلتقطونها معضلة أو تبعة أخلاقية. ومن هنا فإن شراء الأجهزة التي توفر العمل وتتيح الراحة مسألة مألوفة تماماً.
تحديات فكرة الحداثة
هذا الذي طرحه سير مارك ألين لا يمكن إلا أن يثير دهشتنا إلى أبعد الحدود، وفي اعتقادنا إنه ليس إلا انعكاساً للخطأ المنهاجي المبكر الذي وقع فيه في صدر هذا الفصل والمتمثل في عدم طرح تعريف واضح ومحدد ودقيق للمقصود بما هو حداثي.
فهل سرعة معانقة العربي لما هو حداثي تتمثل حقاً في شرائه للأجهزة والمعدات والمنتجات التي يقدمها عصر الحداثة؟ هل الحداثة يجسدها هذا الفتى الذي أثار حنق ذلك الوجيه العربي في أحد شوارع لندن عندما وضع هاتفاً نقالاً على كل أذن من أذنيه ومضى يتحدث ذات اليمين وذات الشمال؟
هل الحداثة حقاً هي شراء السيارات وإبرام صفقات المعدات المتطورة والأسلحة؟
إن الإجابة لن نجدها عند المؤلف وإنما سنجدها في سيرة الحياة الذاتية للمعلم والرحالة والمترجم العظيم يوكيتشي فوكدزاوا الذي يلفت نظرنا إلى أن اليابان لم تتغير إلا بعد أن تغير العقل الياباني، تغير التعليم، تغيرت الإدارة، تغيرت آلية التنمية، وعملية بناء المؤسسات، وإذا كانت تجربة التحديث اليابانية الأولى قد وصلت إلى طريق مسدود لأن البنية الفكرية التي قادتها ما كان يمكن إلا أن تصطدم بنهاية نفق مظلم، فإن تجربة التحديث اليابانية الثانية جديرة بأن نتابعها وندرس تجلياتها وتطوراتها.
أياً كان الأمر فإن المؤلف يسلم بأن فكرة الحداثة في العالم العربي لها تحدياتها.
ليكن، ولكن ما هي هذه التحديات بالضبط؟ وكيف يمكن للعرب التصدي لها؟
من المؤسف حقاً أن سير مارك ألين لا يفصل القول في الرد عن هذه النوعية من الأسئلة، وإنما هو يكتفي بالقول إنه إذا لم يتم التعرف ـ طواعية ـ على هذه التحديات أولاً، فإن عواقبها لابد لها من أن تفرض نفسها، وعلى وجه السرعة، في مجتمعات العالم العربي.
وهو لا يتردد في الإعراب عن اعتقاده بأن استجابة العرب لما هو حداثي هي استجابة غير متوازنة، فالثقة القائمة والبراعة وخاصة في صفوف الشبان العرب يمضيان جنباً إلى جنب مع رؤية تحديث بأن التغيير ليس موضع ترحيب، سواء بالنسبة للتيارات الإسلامية أو بالنسبة للأنظمة التي تضيق ذرعاً، لأسباب خاصة بها بالاستيعاب الأوثق للعولمة وتأثيراتها.
وبالنسبة للجانبين معاً، في تحليل المؤلف، فإن نتائج التدخل الخارجي يمكن أن تبدو كارثية بكل المعايير، فالفريق الأول يرى في الأفق فرص صراع دراماتيكي جديد، والفريق الثاني يرى التهديد الذي يمثله قيام الآتين من الخارج بتغيير قواعد اللعبة.
ووسط هذه الضجة الكبرى الجديدة التي تجتاح المنطقة فإن الشباب والشرائح القابلة للاختراق ترى ضغوطاً فردية جديدة وبعداً عن اليقين على مستوى الاقتصاد الكلي. وبالنسبة للجميع، فإن تجربة العراق وماضيه القريب ومستقبله الذي يحفه الغموض تعد رمزا لما يجري في زماننا.
عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين



