لو كانا لا يزالان يتحدثان معا حتى الآن، ربما كان من الممكن أن يروي تشارلز كراوثهامر، أحد عتاة المحافظين الجدد، وفرانسيس فوكوياما، العالم السياسي الشهير الذي كان ينتمي للمحافظين الجدد في السابق، بالتفصيل ما دار في 10 فبراير 2004 أثناء حفل عشاء كان يحضره مُنظرو الجناح اليميني في فندق هيلتون واشنطن. في ذلك اليوم ألقى كراوثهامر خطابا عن السياسة الخارجية كان «نظريا إلى حد كبير».
أما فوكوياما، الذي كان يستمع للحديث، فقد بدا وكأنه في حالة خشوع ديني. يقول فوكوياما: «الخطاب تعامل مع الحرب على أنها نصر مطلق. لا أفهم لماذا كان الجميع يصفق للحديث بكل حماسة، على الرغم من أن الولايات المتحدة لم تعثر على أسلحة دمار شامل في العراق وتتورط الآن في مستنقع من العمليات المسلحة وتقريبا عزلت نفسها بالكامل عن بقية العالم».
وبدا أن انشقاقا قد حدث في قاعات الاجتماعات في فندق هيلتون حيث كان فوكوياما في واد وكل المستمعين الآخرين في واد آخر. وبعد ذلك بأيام خرج فوكوياما من حركة المحافظين الجدد. عالم السياسة في واشنطن صغير للغاية، ولذا فإن الصديقين السابقين كانا يلتقيان من حين لآخر بالصدفة. يقول فوكوياما، الذي يبلغ من العمر الآن 54 عاما، في لقاء أجراه معه، مؤخراً، في لندن مراسل صحيفة (غارديان)أوليفر بيركمان:( كنت دائما أقول له مرحبا عندما أراه. ولكنه دائما كان يحملق في وجهي دون رد. ومن ثم فإنني افترضت أنه لا يريد التحدث معي).
منذ تلك الليلة وفيما تعمقت الكارثة في العراق، نشأ جدار من الصمت والغيبة وتناقل الشائعات بين منظري المحافظين الجدد الذين في يوم ما أجمعوا على حث الرئيس بوش على شن الحرب. يقول فوكوياما في مقدمة جديدة لكتابه «ما بعد المحافظين الجدد»: «غير أن لا حزب المحافظين ولا البيت الأبيض تعلم أي درس مما حدث». ويضيف فوكوياما إن دعم أميركا لإسرائيل في لبنان قد أكد على حالة الهوس بالقوة الهائلة في عالم «ليست القوة العسكرية فيه بالأداة الجيدة التي ينبغي للدولة استخدامها ضد أطراف حرب أهلية تتحدث بالسياسة «على حد تعبيره.
المنطق ذاته ينطبق على الزيادة التي يريدها الرئيس في القوات المرابطة في العراق وما يجري من همس وغمز ولمز في واشنطن حول مهاجمة إيران. يقول فوكوياما في كتابه: «بعض المحافظين الجدد يصرون على أن إيران تمثل تهديدا أخطر من الذي كان يمثله العراق ويتجنبون حقيقة أن ما قاموا به في العراق هو الأمر الذي دمر مصداقية أميركا في العالم وقلص من قدرة واشنطن على اتخاذ إجراءات قوية ضد طهران».
وتخلي فوكوياما عن مدرسة المحافظين الجدد هو الموقف الأكثر جذبا للاهتمام في ضوء رفضه في الوقت ذاته التخلي عن موقف آخر اشتهر به بشدة ولا يزال يدافع عنه في مواجهة كل ما يقابله من محاولات للسخرية. هذا الموقف يتعلق بفكرة أن انهيار الشيوعية كان بداية ل«نهاية العالم «كما ورد في كتابه الشهير في 1992.
كانت تلك الفكرة بمثابة نظرية مناسبة للغاية للفترة التي طرحت خلالها وتم التعبير عنها بجرأة شديدة من قبل فوكوياما الذي اكتسب شهرة كبيرة بمجرد إثارتها. وقبل إثارة تلك النظرية كان العالم السياسي المولود في شيكاغو والذي تربى في مانهاتن يعيش بعيدا عن الأضواء، حيث أكمل دراسة الدكتوراه في هارفارد ثم عمل في وزارة الخارجية تحت قيادة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان وبعد ذلك تحت قيادة الرئيس الأسبق جورج بوش الأب حيث تخصص في الشؤون الأوروبية والشرق أوسطية.
ولو كان صاحب الفكرة شخصا آخر أقل تمسكا بمعتقداته من فوكوياما لكان قد اعترف أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر مثلت نكسة لنظرية نهاية التاريخ تلك. فبدلا من ذلك وفي غضون أسابيع من وقوع تلك الأحداث، قال فوكوياما إن ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر قد أكد نظريته التي ألمحت بأن التشدد الإسلامي هو عمل عسكري ناتج عن النجاح الكبير للديمقراطية الليبرالية والرغبة الشديدة في وجودها.
وأفادت رسالة وضع اسمه عليها وبعثتها مؤسسة مشروع القرن الأميركي الجديد، وهي الجماعة التي يقودها المحافظون الجدد، إلى الرئيس بوش أنه «حتى في حال عدم وجود دليل مباشر يربط بين العراق وبين ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر ، فإن أي إستراتيجية تهدف إلى التخلص من الإرهاب والأطراف الراعية له يجب أن تتضمن محاولة جدية للتخلص من صدام حسين في العراق».
غير أنه غيّر رأيه أثناء العام الذي سبق الغزو وذلك على الرغم من اتهام كراوثهامر له بأنه «بشجاعة غيّر موقفه بسبب أن الرأي العام قد تحول ضد الحرب». يقول فوكوياما إن الأمر الذي لم يؤمن به على الإطلاق هو فكرة بوش القائلة بأن كل مواطني الدول غير الديمقراطية يملكون توقا شديدا إلى نوع من الحرية سيفضي بدوره إلى نظام سياسي نشط بمجرد أن تتم إزاحة الدكتاتور الذي يحكمهم».
ويضيف في هذا الصدد: (لو كان هناك منهم من يقرأ بعناية ما كتبته عن نهاية التاريخ، فإنه كان سيدرك أنني لم أقل أبدا أن أي مجتمع موجود الآن يكون قادرا على خوض ثورة ديمقراطية والمضي قدما في التنمية الاقتصادية والنواحي الثقافية، كما أنني قلت إنه في حال وجود مجتمع لديه كل تلك الأحزاب المتشددة دينيا وغير الليبرالية، فإن هذا المجتمع بالتأكيد سيقابل مشكلات جمة».
ولكن ماذا عن أخطاء فوكوياما. وفي رده على السؤال : إذا كان يعتقد أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم تقوض نظرية نهاية التاريخ التي تبناها، فهل لم تقوضها ردة الفعل التي حدثت على تلك الهجمات عن طريق مضاعفة مشاعر كره الغرب؟ يقول فوكوياما ردا على السؤال: «أنا سأدلي بالاعتراف التالي الذي لا أراه تحولا بمقدار 180 درجة في موقفي: فعندما كتبت «نهاية التاريخ «لم أتوقع أن الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها القادة الأميركيون بتمسكهم بالقوة الأميركية يمكن أن تتسبب في مثل تلك المشكلات وتقوض شرعية المشروع الأكبر الذي كنا نسعى إليه. أنا لا أعتقد أننا لن نتخلص من تلك الأخطاء ولكن لا شك في أنه بسبب ما اتخذ من قرارات في واشنطن فإن الموقف أصبح أكثر سوءًا مما كان من المفترض أن يكون لولا تلك القرارات».
ويرى فوكوياما أن جزءًا من تلك الأخطاء يكمن في حجم الاعوجاج الذي كان موجودا في صميم منهج المحافظين الجدد، وهو الاعوجاج الذي لم يظهر على السطح قبل حرب العراق. إن السياسة الخارجية للمحافظين الجدد تنطلق من فكرة أن استخدام قوة الولايات المتحدة في الخارج هو خطوة ينبغي أن يكون لها بعد أخلاقي، وهو أمر يخالف مبادئ السياسة الواقعية لهنري كيسنجر.
وبعد تخليه عن حلفائه القدامى ، فإن العبء يقع الآن على فوكوياما كي يأتي بمعالجة أفضل للشؤون الخارجية. وفي كتابه الجديد «ما بعد المحافظين الجدد» يحاول فوكوياما أن يقوم بهذا الشيء. إنه يجاهد بقوة من أجل أن يمنع كارثة العراق من أن تصل بالناس إلى خلاصة مفادها أن الشؤون الداخلية للدول الأخرى لا يجب، على المستوى العسكري، أن يكون للغرب أي دخل فيها بأي حال من الأحوال. ويضيف فوكوياما أن معالجته الجديدة «لا تزال تولي أهمية كبيرة للتدخل الإنساني كبديل في أماكن مثل دارفور. وهنا الأمر لا يجب أن يكون مقتصرا على بلد دون الآخر ولا يجب أن يحدث بغباء وإنما ينبغي أن يتم من منطلق الاهتمام بكيفية تعامل الحكومات مع مواطنيها».
لقد صوّت فوكوياما لمصلحة جون كيري في 2004 ولكنه لا يعتقد أن المرشحين الحاليين لديهم ما يقدمونه للسياسة الخارجية. إذاً واشنطن تنتظر ملهما لها. فالعراق يتجه إلى مزيد من الانفجار الداخلي والمؤيدون السابقون للحرب يتجنبون الحديث عنها الآن. يقول فوكوياما: «بشكل عام يمكنني القول بأنني ما زلت على صداقتي مع كثير من المحافظين الجدد. نحن نتعامل مع الموقف عن طريق تجنب الحديث عن العراق».
ترجمة: حاتم حسين ــ عن: «غارديان»
