بعد أن بقيت وحيدة عقب انتقال ولدها إلى المدينة الجامعية لجامعة كورنيل الأميركية منذ شهور قليلة، لم تجد جانيت هاتشيسون سبيلا للاطمئنان عليه سوى استخدام الموقع الإلكتروني للجامعة.وعلمت هاتشيسون من خلال الموقع أن ولدها دان سيحتاج إلى بعض الملابس الشتوية الإضافية. وبعد ذلك ضغطت على صفحة قسم الكيمياء الخاصة بالجامعة لتطلع على قائمة المناهج التي سيتعين عليه الاختيار منها.
و فجأة وعلى غير المتوقع وجدت هاتشيسون عبارة مكتوب عليها «مرحبا أمي... إنها كاميرا الجامعة». وبدون تفكير طفقت الأم الشغوفة برؤية ابنها تحرك فأرة الكمبيوتر لتضبط الكاميرا على أعلى برج بارنز الواقع في قلب الجامعة وتُقربها من مقاعد الجرانيت المجاورة لمطعم الحرم الجامعي.
وبدون تردد طلبت دان على هاتفه المحمول وأرشدته كي يقف في المكان الذي تستطيع فيه رؤيته من خلال الكاميرا.
ولم تتمالك هاتشيسون نفسها من الفرحة عندما رأت ولدها أمام عينها على شاشة الحاسوب مرتديا زي الجامعة وبتسريحة شعره الجديدة ملوحا بيديه إلى أمه، راسلا إليها سيلا من القبلات. تقول هاتشيسون: «الأمر بالفعل كان غير متوقع أن أراه بهذه الطريقة. يا له من أمر مفرح بالتأكيد أن أراه جيدا وبصحة ممتازة داخل أروقة الجامعة».
لقد شاع استخدام كاميرات الانترنت داخل حرم الجامعات الأميركية منذ ما يقارب عقدا من الزمن، حيث اعتادت تلك الكاميرات بث صور مباني الجامعة للطلاب المتقدمين حديثا وكذلك للخريجين الذين يتوقون إلى حياة الجامعة ثانية.
غير أن جامعة كورنيل انضمت هذا العام إلى عدد قليل من الجامعات التي تركب كاميرات الانترنت بين أروقتها بشكل مختلف يُمكن ولاة الأمور من رؤية أولادهم وهم يتولون التصرف في حياتهم لأول مرة من دون مساعدة من أحد.
بالنسبة لهؤلاء الأمهات فإن مثل تلك الكاميرات تمنحهم دقائق من الطمأنينة على أن أطفالهم لا يزالون يعتنون بأنفسهم وبمظهرهم الخارجي وبصحتهم.
وعندما ظهر دان، الذي يبلغ من العمر 18 عاما أمام الكاميرا لأول مرة، قالت له أمه والابتسامة تعلو وجهها: «أخيرا قمت بقص شعرك!!!»
وعلى الرغم من أنه لا يُطلق عليها «كاميرات الأمهات»
إلا أن الكاميرات التي تستخدمها بعض الجامعات مثل جامعة تاوسون في ماريلاند وكلية وايتمان في والا والا بواشنطن دي سي تتيح للمستخدمين رؤية كل صغيرة وكبيرة في الأحرام الجامعية، من ثم فإن الأمهات أصبحن أكثر الفئات استخداما لها. والمواقع الإليكترونية في جامعة ريدلاندز في ولاية كاليفورنيا وجامعة أوهايو ويسليان تتيح لزوارها تحكما كاملا في عدسات تلك الكاميرات التي تكون غالبا معلقة فوق أسطح المباني وتتمتع بخاصية «الزووم» التي يمكن من خلالها رصد أنشطة الطلاب عن قرب.
يقول كريس كارسون، رئيس شركة كامبوستورز، وهي شركة تتخذ من مدينة مين مقرا الأميركية لها وتعمل في مجال تنظيم الخدمات الإلكترونية في الكليات والجامعات: «لقد أصبح هناك مجتمع طلابي مهتم بشدة بهذا التطور التقني وأصبح الطلاب ينظمون أوقاتهم كي يتجمعوا أمام تلك الكاميرات لرؤية ذويهم».
وتتزامن تلك الظاهرة مع ظهور شرائح من الطلبة أكثر ارتباطا بعوائلهم من الأجيال السابقة. وأحد أسباب زيادة عدد أفراد هذه الشريحة من الطلاب، وفقا لباربرا هوفر، وهي عالمة نفسية في كلية ميد لبري في ولاية فيرمونت الأميركية، هو الانتشار غير المحدود لوسائل الاتصال، من هواتف خليوية وبريد إليكتروني ورسائل نصية، إلخ، وبأسعار في متناول الجميع.
غير أن هناك سببا آخر أهم من وجهة نظرها، ألا وهو «أن الأهالي أصبحوا شغوفين بشدة بمتابعة استثماراتهم. فهم قد أنفقوا أموالا طائلة على أولادهم حتى يصلوا لتلك الجامعات، ومن ثم فإنهم يريدون متابعة كل صغيرة وكبيرة في حياة أولادهم التعليمية».
وكان رون ستيفني، وهو نائب رئيس العلاقات الجامعية في جامعة ريدلاندز قد قام بتركيب ما أطلق عليه وصف «الكاميرا المسدس» فوق مدينة الطلبة في 2004 وكان الغرض منها خدمة الخريجين، لكنه سمع بعد ذلك أن الآباء هم الذين يبحرون عبر المواقع الإليكترونية لرؤية أبنائهم في أماكن دراستهم.
يقول ستيفني ضاحكا: «في الواقع نحن نصف بعض الآباء الآن بأنهم «الآباء الهليكوبتر»، لأنهم دائما يحلقون فوق الجامعة من خلال تلك الكاميرات. لم يعد من الغريب أن تسير في أروقة الجامعة وتسمع الطلبة وهم يستخدمون هواتفهم النقالة ويقولون: مرحبا أمي أنا خرجت الآن من محاضرة اللغة الانجليزية وذاهب الآن لأتناول الغداء، هل ترينني بوضوح؟!»
وعلى الرغم من أن هناك مئات الأحرام الجامعية التي تتيح استخدام كاميرات الانترنت، إلى أن عدد الاحرام التي تمتلك كاميراتها خاصية تقريب الصورة يظل قليلا وذلك بسبب مخاوف من سوء الاستخدام ودعاوى الخصوصية. يقول كارسون: «إذا كان هناك بعضهم من يفعل فعلا جنونيا من أفعال المراهقين، فإن آخر شيء يمكن أن يتمناه المرء وقتها هو أن يكون هناك أحد من عائلته يشاهده».
غير أن هناك عددا كبيرا من المسؤولين لا يأبه بمثل تلك الأمور التي تثار حول الخصوصية، حيث يقولون إن مثل تلك الكاميرات مركبة في أماكن عامة بالكلية ولا يجري تسجيل مقاطع الفيديو التي ترصدها.
ولوحظ أن عدد الذين يستخدمون هذا الكاميرات من الأمهات في زيادة مطردة، حيث تشير كاري سانزون، المسؤولة عن نظام المراقبة في جامعة كورنيل، إلى أن كاميرا الجامعة تُستخدم بما يتراوح بين 50000 و60000 مرة في الشهر الواحد من قبل الآباء والأمهات الذين يرغبون في مشاهدة أبنائهم في الكلية، الأمر الذي يجعل منها أكثر الصفحات الإلكترونية زيارة في موقع الكلية على الشبكة العالمية.
ولا شك أن الرسائل الإلكترونية الواردة لموقع الكلية تبين مدى النجاح الذي حققته تلك التقنية كما يتضح من خلال متابعة أولياء الأمور. تقول إحدى الأمهات في رسالة بعثت بها إلى الجامعة: «أنا بالفعل أحب تلك الكاميرا. إنها حقا رائعة، وذلك على الرغم من أن ابني لم يتصل بي من خلالها إلى مرة واحدة طوال فصل دراسي كامل!»
حاتم حسين

