الحوادث المرورية خطر محدق قد يدفع بمستقبل أبنائنا الطلاب إلى المجهول، فالإحصاءات الصادرة عن هيئة الطرق والمواصلات في دبي تشير إلى أن عدد ضحايا الحوادث المرورية من الطلبة خلال العام الماضي 2006 في دبي وحدها بلغ 243 طالباً وطالبة منهم 19 حالة وفاة، وأرجع تربويون السبب الرئيسي في ذلك لعدم وجود الوعي الكافي من الطلبة بالمخاطر التي تنتظرهم جراء عدم التزامهم بآداب الطريق أو القيادة بتهور خاصة بالنسبة لطلبة المرحلة الثانوية الذين يكون الاندفاع هو السمة الغالبة على تصرفاتهم ما يؤدي بهم إلى عواقب وخيمة بنهاية المطاف.

وحذر اختصاصيون من الآثار النفسية السلبية التي يتعرض لها الطلبة جراء التعرض لحوادث مرورية، مؤكدين على أن تأخر التأهيل النفسي للطلبة لما بعد الحادث يترك آثاراً سلبية عليهم كاضطرابات النوم أو الخوف المزمن أو الانعزال يصعب التغلب عليها بعد ذلك، كما حذروا من مغبة ردود الفعل الخاطئة التي يظهرها الأهل لأبنائهم حال التعرض لحادث مثل البكاء أو الصراخ في وجههم لما لها من توابع وآثار نفسية سلبية تؤثر على مستقبل الأبناء.

صرخات الطلبة

سنحتاج إلى حراسة أبنائنا في كل خطوة يخطونها كي نتجنب تعرضهم لحوادث على أيدي متهورين، بهذه الكلمات بدأت والدة الطالب أمان خان (13 عاماً) حديثها بعد أن أصبح ابنها طريح الفراش في مستشفى راشد في دبي عقب تعرضه لحادث دهس في منطقة (ديرة) في شارع أبوهيل (عند تقاطع جمعية الاتحاد التعاونية).

وعن تفاصيل الحادث قال أمان: كنت ذاهباً لشراء بعض احتياجات المنزل وأعبر الطريق من منطقة عبور المشاة وفوجئت بسيارة دفع رباعي مسرعة تجاهي وتصدمني ولم أدر ما حدث بعدها إلا بعد أن استعدت وعيي في المستشفى لأجد أن الحادثة أثرت على قدمي اليمنى وتم تركيب بعض الدعامات الصلبة في ركبتي كي استطيع السير عليها مجدداً وتعرضت لكدمات عديدة في الوجه والرأس ومناطق مختلفة من جسدي.

وقالت والدة أمان منفعلة إن الحادثة أثرت على قدرة ابنى في بادئ الأمر على السير والسمع وحتى الإبصار نظراً لقوة الارتطام فشهود العيان الذين كانوا موجودين في موقع الحادث قالوا إن السيارة التي صدمته كانت تسير على سرعة 100كم ـ الساعة على الأقل وبعد أن صدمته حاولت الفرار إلا أن بعض السيارات التي كانت أمامها منعتها من الهروب.

وقال الطبيب المعالج لحالة أمان إن الحادث تسبب في كسور مضاعفة في الساق والركبة اليمنى، مما أوجب إجراء عملية له لتركيب بعض الدعامات الصلبة حتى يستطيع السير على قدميه وتعود لحالتها الطبيعية، كما أصيب بكدمات عدة أشدها في عينه اليمنى، مشيراً إلى أن علاج الكدمات وحالة فقد التوازن التي لدى أمان لن يستغرق وقتاً طويلاً

وانما أسبوعين على الأكثر، لكن حالة قدمه ستأخذ شهراً على الأقل كي يستطيع التحرك عليها بشكل جيد. وأضاف ان التأهيل النفسي للطالب لما بعد الحوادث المرورية لا تقدمه المستشفيات بالصورة اللازمة، فالدور الأهم هو معالجة الأضرار الجسدية التي حدثت للضحية، مؤكداً على أهمية مراكز التأهيل النفسي لما بعد الحوادث لما لها من أهمية كبيرة في تأهيل الطالب مجدداً لممارسة حياته بشكل طبيعي.

مريم المري طالبة في الصف الثامن بمدرسة الكويت الأساسية تعرضت لأكثر من حادث مروري شكلت بداخلها منذ الصغر «عقدة نفسية» لا تزال تلازمها إلى الآن، تمثلت بكرهها للخروج من المنزل وركوب المركبة خاصة إذا كان طريقها يتجه إلى نفس المكان الذي وقع به الحادث منذ زمن، مؤكدة أن ما تفعله لحظة وجودها في هذا المكان هو الإكثار من قراءة الآيات القرآنية، وحال وجودها بالمركبة بجانب والدتها وفي لحظة كانت المركبة تسير بسرعة عادية ينتابها الشعور بالقلق والخوف وتسابقها كلمات بضرورة التخفيف من السرعة خشية التعرض لحادث آخر أشد خطورة يعرضهم للكثير من المصاعب والأهوال.

وأوضحت أن أهلها وصديقاتها كان لهما الدور الأكبر في التخفيف عنها جراء الخوف والقلق الداخلي الذي لا يزال ينتابها إلى الآن من آثار الحوادث المرورية وذلك من خلال اتباعهم لأساليب تبعث بداخلها الطمأنينة بحيث تنسى بهم خوفها الداخلي.

أما الطالبة بالصف التاسع حورية أحمد فتعرضت لحادثين مروريين أفقداها الثقة بالنفس وبالآخرين وغرسا بداخلها التردد وعدم الرغبة في تعلم السياقة في المستقبل ، موضحة أن «الشارع» أصبح بمثابة الشبح لها خاصة وأنه يشهد يومياً العديد والعديد من الحوادث المرورية التي تخلف ضحايا، لافتة إلى الآثار التي غرسها الحادث بداخلها في البداية وما سببه لها من شرود ذهني سواء في المنزل أو في الفصل الدراسي،

حيث قلل من تركيزها أثناء شرح المعلمة وخفض من مستوى تحصيلها، موضحة أن أبرز الأفكار التي كانت تمر بمخيلتها وتفكيرها وسببت لها هذا الشرود الذهني هو ما المصير الذي كان سيصيبها في حال إذا كان الحادث المروري أقوى، كما أنها لا تزال تكره الخروج كثيراً من المنزل خوفاً من جلوسها في المركبة لأنها تسارع بالصراخ في حال كانت المركبة سريعة وهو ما يربك قائد السيارة ويؤثر على تركيزه خلال السياقة.

وأدت الحوادث المرورية الخمسة التي تعرض لها ماجد أحمد الطالب بالصف العاشر في مدرسة العالم الجديد إلى إصابته بمرض السكري، حيث تعرض لخمسة حوادث مختلف منها من كان خطيراً ونجا منه بأعجوبة حين انقلبت السيارة التي كان يرتادها وهو في سن الخامسة. وأوضح أن هذه الحوادث لا تزال تمثل له كابوساً مزعجاً لحظة التفكير فيها وهو ما دفعه إلى التقليل من خروجه من المنزل إلا أنه بدأ يتأقلم تدريجياً على الوضع الحالي محاولاً أن يضرب بخوفه عرض الحائط من خلال حرصه على تعلم السياقة وقيادة الدراجات مع أصدقائه.

أما مريم حسين طالبة في الصف التاسع الأساسي في دبي فتعرضت مؤخراً لحادث مروري مفاجئ غرس بداخلها إلى الآن الخوف والرهبة ما انعكس سلباً على قدرتها على التركيز أثناء شرح المعلمة في الفصل، الأمر الذي أدى لانخفاض درجاتها في الامتحانات، كما أن الأحلام المزعجة لم تكد تفارقها وتشكل لها دائماً التوتر والعصبية،

إلا أنها تحاول جاهدة التغلب على هذه الحالة المزعجة من خلال قراءة الكتب التي تتحدث عن الحوادث المرورية والنصائح المتواجدة فيها من أجل تجديد الأمل بداخلها مع التزامها بحضور المحاضرات التي تتحدث عن أمور المرور والحوادث وغيرها، والاستماع إلى نصيحة والدتها التي كان لها الدور الكبير في غرس الراحة النفسية، والحد من الآثار السلبية التي يمكن أن تزيد من الخوف الداخلي.

التأهيل النفسي

وقال أحمد إبراهيم طالب بالصف الثاني عشر إنه رغم مرور سبعة أعوام على الحادث الذي تعرض له وأدى إلى وفاة أحد أصدقائه المقربين إلا أنه ما زال يعاني نفسياً جراءه، فسيناريو الحادث وتبعاته ما زال يدور في مخيلته وخلف لديه أضراراً نفسية بالغة، مؤكداً على أهمية إنشاء مراكز متخصصة للتأهيل النفسي لما بعد الحادث، وشدد على أن الآثار النفسية الناجمة عن الحوادث المرورية قد تفوق بمراحل الآثار الجسدية التي تعرض لها الضحايا، مشيراً إلى أنه وعقب تعرضه لهذا الحادث أصيب بعقدة نفسية من السياقة وفي حال خرج بالسيارة فإنه يرفض السياقة بنفسه ويفضل الجلوس على المقعد الخلفي.

ريم. أ طالبة بالصف الحادي عشر وهي ضحية لحادث مروري أدى إلى وفاة والدها بينما أصيبت هي بجروح وتم إنقاذها، تقول إنه رغم مرور سبعة أعوام على هذا الحادث البشع فإنها مازالت تعاني منه نفسياً وجسدياً ما دفعها إلى اللجوء إلى طبيب نفسي وما زالت مستمرة في العلاج حتى الآن، مشيرة إلى أن علاجها بعد الحادث اقتصر فقط على نقلها إلى احد المستشفيات وتقديم العلاج اللازم لها من الأضرار الجسدية التي لحقت بها،

مؤكدة على أن غياب التأهيل النفسي لضحايا الحوادث المروية يؤدي إلى الإصابة بأضرار نفسية بالغة تحتاج إلى سنوات للتغلب عليها خاصة إذا كان الأمر يتعلق بطلبة يمكن أن تؤثر هذه الانعكاسات السلبية على مشوارهم العلمي، مشددة على أن الأمر يحتاج إلى إعداد نفسي فوري عقب التعرض للحادث المروري خاصة بالنسبة لفئة الطلبة الذين قد يعانون من أضرار نفسية بالغة تؤثر عليهم في المستقبل خاصة وتعيق طريقهم بصورة ما.

ثريا حمد عيسى مديرة مدرسة الكويت الأساسية للبنات في دبي تحدثت عن آثار الحوادث المرورية على الطلبة من موقع منصبها وأيضاً كولية أمر تعرض أبنائها الخمسة لحوادث مختلفة بعضها كان خطيراً، وقالت إنه من واقع التجربة التي عايشتها تعتبر الحوادث المرورية عاملاً رئيسياً للتأثير السلبي على درجة التحصيل العلمي لدى الطلبة في المدرسة وعلى تصرفاتهم في المنزل، مشيرة إلى أن أبناءها تعرضوا لحوادث مرورية خطيرة تركت العديد من الآثار السلبية لديها وأفقدت الثقة بالنفس والقدرة على التركيز، وعانت كثيراً من أجل مساعدتهم في استعادة ولو القليل من ثقتهم بأنفسهم.

وأشارت إلى أن الخوف والرهبة يعدان أبرز الآثار السلبية التي لازمت أبناءها جراء الحوادث المرورية التي تعرضوا لها، مشيرة إلى أن الخوف من الخروج من المنزل أول الآثار السلبية التي كانت ملموسة عليهم بالإضافة إلى قلقهم الدائم من تواجدهم في المركبات،

إلى جانب قلة النوم وكثرة الأحلام المزعجة، وظهور الكثير من الأمراض الأخرى التي كانت نتيجتها الخوف من الحادث كمرض السكري وضغط الدم خاصة أن ابنها البالغ من العمر 16 سنة أصيب بالسكري بعد تكرار تعرضه للحوادث المرورية البالغ عددها خمسة بدءاً من أن كان في عمر الخمس سنوات، مضيفة كذلك إلى شرود الذهن عند التواجد في الفصل الدراسي وقلة التركيز الذي يؤدي بهم في النهاية إلى انخفاض المستوى التحصيلي في المواد الدراسية مع التوتر والعصبية الزائدة من ضوضاء الطريق.

وأشارت إلى أن الحلول المناسبة التي لا بد من أن يقدمها كل المحيطين بهؤلاء الطلبة سواء من الأهل أو الأصدقاء أو المدرسة بأن يجتهدوا في تقديم النصائح والقصص الواقعية للكثير من النماذج الأخرى التي تعرضت لهذه الحوادث لأخذ العبرة منهم، وإدخال عنصر الفكاهة من خلال الدرس، مع تقوية الوازع الديني بأن الإنسان معرض لأمور أشد خطورة تتطلب منه معايشة الواقع دون التقوقع في المشكلة، إضافة إلى ضرورة التواصل مع الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين في المدرسة من أجل متابعة الطالب وإدراك مدى التحسن في الحالة النفسية.

ولطلبة المرحلة الأساسية «الحلقة الأولى» خصوصية مختلفة عن الطلبة من المراحل العليا لاسيما أن درجة تأثرهم للحوادث المرورية تكون أكبر قد تمتد إلى سنوات طويلة هذا ما أوضحته مريم الجسمي مديرة مدرسة حصة بنت المر الأساسية للبنات في دبي والتي تجد أن المرحلة الأساسية الأولى يتم من خلالها اكتساب مهارات عديدة يعتمد عليها الطالب في المستقبل، مشيرة إلى أنه في حال تعرض هؤلاء الطلبة الصغار للحوادث المرورية فإنهم لن يتمكنوا من الاعتماد على ذاتهم لصغر سنهم

إضافة إلى أنهم سيبتعدون لفترات طويلة عن المدرسة الأمر الذي يؤدي بهم إلى فقدان الكثير من الدروس المهمة والمفيدة خاصة في حال عدم تواجد البديل سواء من الأهل أو المعلمات اللواتي لن يتمكن من إعادة الدروس من جديد لضيق الوقت المحدد أمامهن. وتطالب مديرة مدرسة حصة الأساسية من الجهات المعنية بشؤون المرور بتكثيف حملات التوعية لما بعد الحادث للميدان التربوي من خلال إلقاء الضوء على كيفية عمل الإجراءات اللازمة والطرق المناسبة التي ينبغي اتباعها مع الطلبة بعد وقوع الحادث،

مشيرة إلى أن الحملات التي تنظمها الجهات المعنية في المدارس تختص بالتوعية المرورية فقط، موضحة مدى أهمية وجود الاختصاصي النفسي والاجتماعي في المدارس اللذين يساهمان في الحد من وطأة التأثيرات السلبية على الطلبة الصغار من خلال التعاون مع أولياء الأمور والمعلمات في المدرسة من أجل الظهور بنتائج ايجابية تفيد الطلبة.

وشدد إبراهيم الملا مدير مدرسة معاذ بن جبل بالشارقة على ضرورة وجود مراكز للتأهيل النفسي للطلبة ضحايا الحوادث المرورية خاصة وأنها تخلف لدى العديد منهم آثاراً نفسية سيئة تؤثر على تحصيلهم العلمي وقدرتهم على استكمال مشوارهم بعد ذلك، مشيراً إلى أن تحقيق الاستقرار والأمان للطالب يعد مطلباً عاماً لمواصلة تحصيله العلمي بنجاح.

وقال الملا إن الحافلات المدرسية تعد أحد الأسباب الرئيسية في زيادة معدل الحوادث المرورية بين الطلبة، موضحاً أن التدني الواضح فيها وتحولها إلى ما يشبه العلب المغلقة للطلبة وعدم تمتعها بالمواصفات اللازمة التي تدفعهم إلى اللجوء إليها لتحمل مشقة الذهاب إلى المدرسة، جميع هذه العوامل أدت وطبيعة الحال إلى اعتمادهم على الذهاب بسيارات خاصة بهم ومعها يبدأون في تعلم سلوكيات غير سوية في السياقة تؤدي في نهاية المطاف إلى هذه الحوادث المرورية.

إضاءة

دعا تربويون إلى تشديد الإجراءات المتعلقة بالحصول على رخصة قيادة خاصة بالنسبة للطلبة في المراحل العمرية المتقدمة التي يكون فيها الاندفاع مسيطراً على تصرفاتهم ويتسبب في وقوع العديد من الحوادث المرورية، بينما حذر اختصاصيون نفسيون من التأهيل النفسي الخاطئ أو التأخر في تأخير الطلبة مصابي الحوادث خاصة طلبة المرحلة التأسيسية.

التأهيل بعد الحادث

قالت فعاليات تربوية إنه في الوقت الذي يوجد فيه اهتمام كبير من جانب الجهات المختصة بتنظيم حملات توعية بمخاطر القيادة المتهورة وأهمية الالتزام بقواعد المرور والعقوبات المشددة بحق المخالفين بالإضافة إلى استعراض نماذج مختلفة للضحايا، نجد هناك عدم اهتمام بعرض برامج لتوعية مصابي الحوادث المرورية وأهلهم بالإجراءات التي يجب أن يتخذونها لتلافي أية اضطرابات نفسية قد يتعرضون لها وتؤثر على مستقبلهم العلمي.

واعتبر أطباء نفسيون وجود مراكز متخصصة لتأهيل الطلبة لما بعد الحوادث المرورية ضرورة ملحة في ظل الحاجة للتأهيل النفسي الفوري للطالب عقب وقوع الحادث كي يتمكن من مواصلة حياته بشكل طبيعي

أحمد جمال ومنال خالد