أقضايا الميدان التربوي كثيرة وهمومه وآماله متجددة فهي كالبحر الذي لا تنضب مياهه فقليلاً نجده هادئاً بفعل عوامل مناخية مستقرة ألمت بالميدان وتارة نجده هائجاً متمرداً بفعل عوامل مناخية متقلبة اعتاد عليها الميدان، ومن خلال هذه المساحة الحرة من الرأي نسلط الضوء على جميع هذه القضايا من خلال طرح متجدد يعتمد على الأسلوب الساخر دون أن يخلو من المضمون الهادف من خلال حوار بين من أشخاص معنيين بمشكلات الميدان يطرحون خلاله وجهات نظرهم المختلفة ويخرجون في النهاية بحلول ملائمة لها.
دخل المعلمان «أبو العز» و«سعيد» إلى الفصل الدراسي الثاني وهمومهما تسبق خطواتهما في طريقهما صوب المدرسة فبعد الاجازة البسيطة التي حصلا عليها بعد فصل دراسي شاق لم يعتادا عليه من قبل بدءا مشوارهما لاستكمال رحلة العذاب التي تأخذ منهما أكثر ما تعطيهما.
وفي طريقهما للمدرسة الذي يفضلان أن تكون وسيلة الموصلات التي تقلهم إليه هي أقدامهما، لظروف استثنائية دفعتهما لذلك فهما لا يستطيعان تحمل «لسعة» التاكسي، كما يريدان أيضاً الحفاظ على ضغط الدم لديهما على معدله الطبيعي بتجنب التعرض لزحام الطريق الذي يحتاج إلى شخص بمواصفات «لوح الثلج» وليس إنسانا طبيعيا تجري في عروقه الدماء.
بادر أبوالعز بالحديث لسعيد قائلا:أعتقد أن هذا هو عام الحسم بالنسبة للمعلمين يا سعيد؟.
سعيد: ماذا تعني بذلك؟.
أبوالعز: بالطبع أقصد زيادة رواتب وحوافز المعلمين خاصة بعد تأكيدات وزير التربية والتعليم على وجود دراسة بالتنسيق مع وزارة المالية لإعادة النظر في كادر المعلمين ومن المنتظر قريباً أن يتم الإعلان عنها.
سعيد: عليك أن تضع أكثر من خط تحت كلمة «قريبا» فربما تعني شهرا، شهرين، سنة، أو سنين، فقريباً في عرف وزارة التربية لها معنى مختلف، فالعديد من الوعود سمعنا عنها وكانت دائما مقرونة بكلمة قريباً، ولعل أبرز دليل على ذلك الأقاويل التي صدرت بإعادة النظر في بدل السكن للمعلمين كي تتوافر لهم حياة كريمة إلا أنه لا يدخل حيز التطبيق حتى الآن.
أبوالعز: صدقت يا أخي، أعتقد أن السكن يمثل العائق الأكبر بالنسبة لنا نحو تطوير أدائنا فعن نفسي قبل بدء امتحانات الفصل الدراسي الأول بشهر كنت مهدداً وأسرتي بالطرد من المنزل بعد قرار صاحب البناية (الموقر) برفع الإيجار بدون سبب مقنع وبشكل لا أقدر على تحمله.
سعيد: وعلى الرغم من جميع هذه الضغوط التي وصلت إلى حد تهديد استقرارنا الأسري إلا أننا نقوم بعملنا على الوجه الأكمل من منطلق ايماننا العميق بحساسية المهنة التي نمتهنها على اعتبار أنها تؤثر في تربية أجيال سيكونون في المستقبل القريب السواعد التي تعزز مسيرة البناء في هذا الوطن.
وفى طريقهما تصادف مرور جارهما في السكن «أسعد» خلال توجهه لعمله.
أبوالعز: مرحباً يا أسعد إلى أين ذاهب ؟.
أسعد: إلى عملي بعد ان التحقت مؤخراً بوظيفة في أحد البنوك الوطنية.
سعيد: تعمل في بنك، ولكن على علمي أنك خريج احدى كليات التربية ومن المفترض أن تعمل مثلنا في مهنة التدريس.
أسعد: التدريس!!.. هذه آخر مهنة أفكر فيها على وجه الإطلاق.
أبوالعز: لماذا ؟
أسعد: يمكن أن تنظروا إلى حالكما وفي هذه الحالة ستعرفون سبب ابتعادي عن هذه المهنة فأنا في عملي أحصل على راتب مجز وأكون فقط ملتزما بدوام من الفترة من الثامنة صباحاً وحتى الواحدة ظهراً فلماذا أتعب حالي بالانضمام إلى هذه المهنة الشاقة؟!.
أبوالعز: أصبت بالفعل فنحن المعلمون أهلكتنا الزيادة المطردة في نصاب الحصص، بالإضافة إلى الأعباء الإضافية التي تفرض علينا خلال فترة الامتحانات مثل الملاحظة في اللجان وتصحيح أوراق الامتحانات ورصد الدرجات.
سعيد: ربما نجد يوماً المعلم مطالب فيه بالحضور قبل بداية الحصة من أجل ترتيب الصفوف للطلبة.
اسعد: ليكن الله في عونكما وأحمد الله أنى نفدت من هذه المهنة الشاقة.
وهنا استأذن أبوالعز سعيد في الحديث إلى أسعد على انفراد وقال له بصوت خافت: هل لك أن تبحث لي عن فرصة عمل في البنك الذي تعمل فيه!!.
ونفس الحال تكرر مع سعيد حيث قال لأسعد: أرجوك يا أخي أن تساعدني على الخروج من هذه المهنة الصعبة والالتحاق بالعمل في أي وظيفة أخرى.
وهنا نظر أسعد إلى سعيد وأبوالعز بشفقة في الوقت ذاته واستأذنهما في الانصراف وقال وهو يتمتم بكلمات قائلا: هل يعقل أن يكون هذا هو حال المعلمين وهل سيأتي يوم يمكن أن نجد فيه المدارس تستجدي عطف المعلمين من أجل العمل لديها، فليكن الله في عون أبنائنا.
وعاد الحديث مرة أخرى إلى سعيد وأبوالعز
سعيد: أتدرى يا أبوالعز أننا لم نلفت إلى شيء في غاية الأهمية في هذه الفترة.
أبوالعز: ما هو؟
سعيد: تعلم أن أسماءنا لا تتفق مع الظروف التي نعيش فيها فأنا «سعيد» ولكن السعادة لم تطرق بابي الا نادراً منذ أن التحقت بهذه المهنة.
أبوالعز: وأنا مع أن اسمي أبوالعز إلا أنني لا أرى أي وجه «للعز» في الأحوال المعيشية الصعبة التي أعانى منها.
وهنا صاح سعيد في وجه أبوالعز قائلا: علينا أن نسرع لقد أخذنا الحديث ولم يتبق على انطلاق طابور الصباح سوى دقائق معدودة ولم نصل بعد للمدرسة.
أبوالعز: أسرع يا أخي علينا أن نصل في موعدنا.
وهنا طوى سعيد وأبوالعز حديثها مؤقتاً وأخذت خطواتهما تسابق الزمن من أجل اللحاق بموعد عملها فلن تثنيهما ظروفهما عن أداء عملهما على الوجه الأكمل، ومازال الأمل يداعبهما في أن يكون 2007 هو عام الحسم بالنسبة للمعلمين.
تعليقات
أثارت قضية العدد السابق حول النظام الجديد للثانوية العامة ردود فعل واسعة من الطلبة ووصلت «للجيل» آراء مختلفة عديدة نوجزها في عدد من النقاط:
- هناك حاجة ماسة لتعديل نسبة النجاح من 60% إلى 50%.
- طلبة تعليم الكبار والمنازل يطالبون بنظام للثانوية يلائم قدراتهم المحدودة في التحصيل العلمي.
- ضرورة الاستفادة بالشكل المثالي من طول مدة الفصل الدراسي الثاني لمحاولة تلافي أخطاء الفصل الأول
أحمد جمال:

