مخطيء من يعتبر أن الفتيات مازلن يطالبن بحقوقهن، ففتاة اليوم قد حصلت عليها، بل وأصبحت تطالب بما كان بالأمس كماليات يمكن الاستغناء عنها، وتوفيرها عبر أناس ووسائل أخرى، بدلاً من أن تقوم هي بعملها، والإلمام بكافة تفاصيلها، بهدف توفير الوقت والجهد بل والمال على ذويها.

وتتصدر كماليات الأمس وأساسيات الحاضر، موضوع القيادة وامتلاك سيارة خاصة بالفتاة سواءً أكانت طالبة عاملة أو حتى أما، ففي الماضي كان الأهل والزوج هم القائمون على تلبية هذه الحاجة للفتاة، وبعدها حل السائق «الدريول» ليقوم بهذه الأعباء، بعد أن انشغل الأهل والزوج بملهيات الحياة، وهنا كانت بداية انتفاضة الفتاة التي دخلت حلبة تعلم القيادة، وحصلت على سيارتها الخاصة.ومع تكرر التجربة وانتشارها تشعب الموضوع ودخل نطاق الرفاهية والمظهرة، فبدأت الفتيات يتباهين بنوعية السيارة وسرعتها، في حين مازالت نسبة لا بأس بها، تناضل للحصول على الرخصة وقيادة أي سيارة كانت بغض النظر عن نوعيتها وقدمها، في ظل رفض الأهل لهذه الظاهرة، وعدم استيعابهم لحاجة بناتهم لها.

تقول معصومة عباس طالبة السنة الثالثة بكليات التقنية العليا أنها حصلت على الليسن منذ عام، وتقوم باستخدام سيارة شقيقتها بصورة دائمة لقضاء مشاويرها المختلفة سواءً أكانت للدراسة أو للخروج مع صديقاتها، أو حتى لقضاء حاجيات الأهل، وتوصيل والدتها حيثما تريد، وهو ما تقوم فيه اغلب الأوقات، خصوصاً مع اعتماد والدها عليها بصورة كاملة في هذه الأمور.

دريولية البيت

وتؤكد معصومة على هذه النقطة بل وتضيف أن والدها لا يعتمد على إخوانها الشباب ممن يقودون السيارات، لعدم تواجدهم الدائم في المنزل وحتى إن توجدوا فإن الأصابع تتجه إليها لتؤدي هذه الأمور، مما جعل الاعتماد عليها كاملاً بل وزائداً.

وتتفق فاطمة زويد طالبة كلية التقنية مع معصومة في هذه النقطة، وتشير إلى أنها أصبحت «دريولية» البيت لاعتماد عائلتها عليها بصورة كلية، فبالرغم من اعتراض والدها في بداية الأمر ولمدة طويلة على دخولها مدرسة القيادة وامتلاك سيارة، إلا انه حالياً سعيد جداً وراض عن قيادتها للسيارة كل الرضا، خاصةً بعد المشاكل التي عانوا منها من «الدريولية» القدامى لديهم، وعدم تفرغ والدها التام لتلبية احتياجاتهم وتنقلاتهم في السيارة.

وتبين فاطمة مدى التغيير الذي حدث في فكر عائلتها بعد تجربتهم معها، وممانعتهم حصولها على الرخصة كونها الفتاة الكبرى، لدرجة أنها تتوقع أن لا يعارض والدها تعلم أخواتها للقيادة كما فعل معها، لتأكده من خطأ نظرته القديمة، التي أثبتت أعمالها له وللبيت مدى مغالطتها، فقد أصبحت سيدة نفسها وتتحمل أعباء تلبية حاجياتها المختلفة بل وحاجيات العائلة.

استقلالية أكثر

وعن مدى التغيرات التي أحدثتها قيادة السيارة، ذكرت طالبة التقنية بأن واقع اعتمادها على نفسها في قضاء حاجياتها، وكذلك اعتماد عائلتها عليها، قد جعلها شخصية أكثر استقلالا وقوة، فأصبحت أكثر ثقة بنفسها وأجرأ في التعامل، وهو الأمر الذي لاحظه الكثيرون في شخصيتها الجديدة، كما زادت ثقة أهلها بها، سواء من ناحية الخروج أو الدخول، فأصبح رأيهم في هذه العملية استشارياً وأخلاقيا لا فرضياً كما كان في الصغر.

وعلى نفس الصعيد تؤكد سماح منذر طالبة السنة ثالثة صيدلة أن قيادة السيارة واعتمادها على نفسها، بل واعتماد أهلها عليها زاد من ثقتها بنفسها وثقتهم بها، وهو الأمر الذي انعكس بطريقة قيادتها للسيارة، فلا يرهبها الطريق أو نظرات الشباب التي تتهم المرأة بقلة المعرفة بقيادة السيارة، فتقود بكل ثقة وتسرع في مجال السرعة وتقللها في وقتها.

وحول اعتماد عائلتها عليها في قضاء حاجياتهم، تشير سماح إلى أن الاعتماد شبه كامل لدرجة انه أصبح «وجعة راس»، وتتطلع إلى أن تتم شقيقتها أعوامها الثمانية عشرة ليسمح لها بتعلم القيادة، وتخفيف هذا الحمل عنها، خاصة وان أهلها حريصون على هذه الخطوة مع كل أبنائهم، لإيمانهم بأنها تخلق شخصية مستقلة وقيادية للفرد.

وترى ريم عبد الله طالبة السنة ثالثة ترجمة لغة إنجليزية، أن هناك أموراً أخرى تخلقها قيادة السيارة وامتلاكها للفتاة، مثل الإحساس بالحرية، حيث تعتبر السيارة ملجأً مستقلاً للشخص ينطلق به حيثما يشاء، فهو المحرك والمفتاح له من خلال إرادته لا إرادة الغير.

عزيزة البسيطة

وتصر ريم أن نوعية السيارة وطرازها لا يهم مادامت تؤدي الغرض منها، وتعتبر عزيزة «سيارة ريم» في منتهى الروعة بنظرها بالرغم من قدم طرازها وموديلها الغير معروف، فما دامت تؤدي الغرض منها وتوصلها وتعيدها من الجامعة، والأهم أنها تغنيها عن خدمات الآخر وانتظار تفرغه لها، فهي تستحق كل تقدير بل وإعجاب منها.

وترى خلود وليد سنة أولى آداب انجليزي أن السيارة كلما كانت فخمة وشبابية لفتت الانتباه، وكانت أكثر راحة، فإذا أتيح لها الحصول على سيارة فهي ستشتري سيارة بي ام دبليو موديل العام، وتعتزم أن تتعلم القيادة هذا العام لإيمانها بأهمية القيادة للفتاة.

وتشاركها الرأي عائشة سالم التي تتعلم القيادة حاليا، وتتمنى أن تقتني سيارة «سبورتية»، «بنوتية»، وبالتأكيد سريعة، لان هذه المميزات في سيارة الفتاة تحقق طموحاتها من حيث الثقة بالنفس ولفت الانتباه، وترفض عائشة أن تقود سيارة قديمة لأنها لا تلبي طموحاتها.

مع و ضد

تقول أم يوسف أنها ضد أن تقود الفتاة السيارة أو أن تحصل عليها، لأن هذا هو عمل الرجال، وعلى الرجل أن يتحمل مسؤولياته لا أن يلقيها على ظهر المرأة، وتعلل رفضها السماح لبناتها بتعلم القيادة، بأنها لاحظت أن الفتيات اللواتي يمتلكن سيارة ويقدن، متحررات جدا ومنفتحات، ومجتمعنا محافظ ولا يرضي بمثل هذه التصرفات.

وتضيف أنها تتخوف أيضا على بناتها من شبح العنوسة، حيث ترفض بعض العائلات المحافظة أن تخطب لأبنائها من الفتيات اللواتي يقدن السيارة، وقد قام ابنها بهذا العمل، حيث طلب من خطيبته قبل إتمام مشروع الخطبة أن تترك القيادة، لأنه يرفض أن تقود المرأة السيارة وتخرج من المنزل، لذلك فهي تستبق الأحداث، ولن تعرض بناتها لهذا الموقف لأنها رفضته من الأساس.

ويرفض عبد العزيز حميدان هذه الفكرة بتاتاَ بل ويستغربها في مجتمع اليوم، حيث انه والد لثلاث بنات وثلاثة أولاد كبراهن فتاة تعلمت القيادة قبل إخوانها الأولاد، واعتمدت واعتمدنا عليها في قضاء حاجياتنا وحاجياتها، ولم اندم يوماً على هذه الخطوة، بل بالعكس قمت بتعزيزها من خلال تعليم ابنتي الثانية للقيادة، وشراء سيارة لها كانت معها ومعنا عوناً كبيراَ، وأنا انتظر أن تكبر ابنتي الصغرى لأقوم بما قمت به لأختيها الكبيرتين.

وحول أخطار حصول الفتاة على السيارة، أصر حميدان أن هذه الأخطار هي نفسها التي تواجه الشباب والمتعلقة بأخطار الطريق، وهنا يأتي دور إتباع إرشادات وتعليمات القيادة السليمة، كما أن الفوائد التي تحصل عليها الفتاة من قيادتها تطغى على أي سلبيات، فمن خلال ملاحظته للتغيرات التي حلت على بناته في حياتهن، يؤكد أن مرحلة السيارة وقيادتها قد أثرت بصورة ايجابية جداً عليهن، حيث قللت من اعتمادهن الزائد عليه، فأصبحن أكثر انفتاحاً وجرأة بعد أن كن خجولات ومنغلقات.

رباب جبارة: