قضايا الميدان التربوي كثيرة وهمومه وآماله متجددة فهي كالبحر الذي لا تنضب مياهه فقليلاً نجده هادئاً بفعل عوامل مناخية مستقرة ألمت بالميدان وتارة نجده هائجاً متمرداً بفعل عوامل مناخية متقلبة اعتاد عليها الميدان، ومن خلال هذه المساحة الحرة من الرأي نسلط الضوء على جميع هذه القضايا من خلال طرح متجدد يعتمد على الأسلوب الساخر دون أن يخلو من المضمون الهادف من خلال حوار بين من أشخاص معنيين بمشاكل الميدان يطرحون خلاله وجهات نظرهم المختلفة ويخرجون في النهاية بحلول ملائمة لها.

انتهز (محمد) و(أحمد) الطالبان بالصف الثامن عشر حالة الركود التي سيطرت على المدارس في الأسبوع الأول من الفصل الدراسي الثاني وتجاذبا أطراف الحديث حول حول النظام الجديد للثانوية العامة.فـ (محمد) يعتبر النظام الجديد متميزا وساهم في تغيير فكر الطلبة وأعاد علاقة الود المفقودة بينهم وبين المدرسة بينما يجد (أحمد) أن النظام الجديد لم يضمن العدل في تقييمهم وترك الاعتبارات الشخصية تتدخل في عمل بعض المدارس ما يخل بمبدأ تكافؤ الفرص بين الطلبة.

محمد: أعتقد يا أحمد أن نظام الثانوية العامة الجديد ساعدنا بالتعرف بصورة أكثر واقعية على مستوانا الحقيقي في مختلف المواد من خلال الاختبارات الشفوية والتحريرية التي تعرضنا لها على مدار الفصل الدراسي الأول التي مكنتنا من تحسين مستوانا في المواد التي لم يحالفنا الحظ في تحقيق نتائج جيدة فيها خلال هذه الاختبارات، وهو ما انعكس بالإيجاب على أدائنا للامتحانات الفصلية.

أحمد: أنت تتحدث كما لو كان الفصل الدراسي الأول امتد لأكثر من خمسة أشهر، يا أخي هل وجدت وقتاً كافياً للحكم على مستواك كما تقول وهل اختبار مدته 10 دقائق يستطيع أن يدلك على نقاط الضعف والقوة في مستواك!!.

محمد: هذا حديث الطلبة المتكاسلين الذين ينظرون للأمور بمنظور ضيق فأنت مشكلتك الرئيسية في الضغط الذي تعرضت له خلال الفصل الدراسي الأول فما الذي تنتظره في هذه المرحلة التعليمية الحرجة التي تحدد مستقبلك المهني، هل ما يرضيك أن تتكاسل على مدار العام الدراسي وتتذكر أنك في الثانوية العامة قبل الامتحانات بشهرين لتبدأ في مراجعة مناهجك للدخول في امتحان واحد يتحدد على ضوئه نتيجتك النهائية، فما بالك إذا تعرضت لظرف طارئ قبل أحد الامتحانات فهل كنت ستهلل للنظام القديم كما تفعل الآن.

أحمد: أجدك مبالغاً في الدفاع عن هذه التجربة الجديدة لذا سأطرح عليك سؤالا أتمنى أن تجيب عنه بصراحة، ما هو ضمانك لنزاهة المدارس في احتسابها لدرجاتنا في أدوات التقويم المستمر كالاختبارات الشفوية والتحريرية والمشاريع والتقارير والبحوث التي تمثل 50% من نتيجتنا النهائية، وهل القائمون على المدارس تحول جميعهم فجأة إلى ملائكة كي نضمن عدالتهم في احتساب درجاتنا؟.

محمد: أجدك مبالغا في وجهة نظرك وأختلف معك بشدة فوزارة التربية والتعليم وهي المسؤولة الأولى عن النظام التعليمي المطبق في الدولة فنجاحه يعزز من موقفها وفشله يطيح بها، أعطت الثقة للمدارس ومنحتها العديد من الصلاحيات وأعطت المسؤولية للمناطق التعليمية كي تقوم بدور رقابي على المدارس، ألا تكفيك جميع هذه الاحتياطات للتأكد من وجود عدل في تقييم الطلبة؟ وهنا اشتعل أحمد غيظا من دفاع محمد المستميت عن النظام الجديد.

أحمد: اسمح لي أنت تتكلم بهذه البساطة لأنك في مدرسة خاصة وحصولك على درجاتك في أدوات التقويم المستمر مضمونه وأداءك للامتحانات الفصلية داخل مدرستك يوفر لك عوامل (مساعدة) تتيح لك تحقيق نتيجة متميزة بالنهاية وهو ما تريده مدرستك من أجل أن تبدأ في دعاياتها في وسائل الإعلام المختلفة رافعة شعار (طريقك للتفوق) لاستمالة الطلبة إليها وزيادة أرباحها من خلال امتصاص دخول أولياء الأمور عن طريق الرسوم المبالغ فيها التي تفرضها عليهم.

محمد: هذا هو كلام الجاهلين الذين لا هم لهم سوى الهجوم بدون أي مبرر منطقي فهل تعتقد أن المدارس الخاصة - التي لا جدال على تفوقها الساحق على قرينتها الحكومية - يمكن أن تجازف بسمعتها من أجل اجتذاب الطلبة إليها، فهذا كلام عار من الصحة وفي حال تحدثنا عنه بشكل أكثر واقعية فإنه يتعلق أيضا بالمدارس الحكومية التي قد تلجأ إلى (التفويت) لطلابها من اجل أن تثبت تفوقها على المدارس الخاصة وحسب وتعزز من موقفها أمام الوزارة.

وهنا احتدم النقاش بين أحمد ومحمد والسبب المدارس الحكومية والخاصة.

أحمد: أنا لا اسمح لك أن تقول هذا الكلام.

محمد: ولا أنا عليك أن تتحدث بشكل منطقي.

وتصادف مع هذه المشادة الكلامية مرور صديقهم سعيد وهو طالب بالثانوية العامة في أحد مراكز تعليم الكبار.

سعيد: شو مالكم يا أخواني ما سبب هذه النقاش المحتدم؟

أحمد: يا سعيد هل ترى أن النظام الجديد للثانوية العامة به أية ايجابيات؟

محمد: يا سعيد هل ترى فيه سلبيات؟

سعيد: نظام جديد للثانوية .. أي نظام جديد يا إخواني!!.

أحمد: نظام التقويم المستمر الذي حل بديلاً عن النظام القديم الثانوية العامة.

سعيد: لا أدري شيئاً عما تتحدثون عنه.

محمد منفعلاً: يا أخي النظام الجديد.. يا سعيد ما هي الامتحانات التي دخلتها منذ أيام فهذه كانت امتحانات الفصل الدراسي الأول وفقاً لنظام التقويم المستمر للثانوية العامة.

سعيد: أيعقل هذا .. ما اعرفه أننا في الثانوية العامة أصبحنا ندخل امتحانين واحد في الفصل الدراسي الأول وآخر في الفصل لثاني فهل هذا ما تقصدونه.

أحمد: أرى يا سعيد أن تذهب إلى ما كنت ذاهب إليه ولا تأتي ثانية حتى وإن وجدتنا نتعارك بالأيدي أنا ومحمد فحديثك جعلنا نعتقد أننا نتكلم (باللغة الصينية).

سعيد منزعجاً: حسناً سأذهب ولن أتدخل لكما في أية مشكلة بعد ذلك.

وواصل سعيد طريقه وهو يتمتم بكلمات ما هذه المواقف الذي تضعنا الوزارة فيها كان يجب أن تعرفنا أنه يوجد نظام جديد للثانوية العامة بدلاً من التعرض لهذه المواقف المحرجة!!.

وعاد الحديث إلى الهدوء مرة أخرى إلى محمد وأحمد.

محمد: لنكن واقعيين فهذا النظام أصبح أمراً واقعاً وعلى الجميع أن يكيف أموره للتعود عليه وأنا اتفق معك في وجود بعض السلبيات إلا أن هذه الأمور سرعان ما ستزول تباعاً ونلمس بوضوح مزاياه.

أحمد: اتفق معك أيضا في أنه أصبح أمراً واقعاً وأتمنى أن يحقق النجاح المأمول لان ذلك سيعود علينا.

وتصافح أحمد ومحمد واتفقا على عدم الحديث في هذا الموضوع الشائك مرة أخرى.. وفجأة وجدا شخصا يركض عليهما مسرعاً ويناديهم.

أحمد: إنه سعيد

محمد: نعم سعيد ماذا به وماذا يريد منا؟

سعيد: انتظروا لقد تذكرت .. عرفت ما تقصدونه بالنظام الجديد للثانوية العامة أليس هذا هو نظام جديد ستطبقه وزارة التربية والتعليم علينا في الخطة الخمسية القادمة.

أحمد ومحمد بصوت واحد : اذهب يا سعيييييييد.

نتلقى مقترحاتكم حول أي قضية ترغبون في مناقشتها عبر الموقع الإلكتروني.

أحمد جمال

bayan@albayan.ae