ظاهرة انتشار المدارس في قلب الأحياء السكنية مشكلة لا تؤرق أحدا بقدر ما تؤرق سكان تلك المناطق الذين لا يمارسون حياتهم الطبيعية إلا خلال العطل الرسمية وفترة ما بعد الظهر فهم يعيشون على وقع قرع الأجراس وضحكات الطلبة وصياحهم داخل الفصول وفي أروقة الساحات وخارجها، وتتفاقم المسألة عند تكدس حافلات نقل الطلاب من والى المدارس وتواجد عشرات السيارات لأولياء الأمور وأعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية التي تحتل المنطقة بكاملها دون أن تترك مساحة لسيارات أصحاب تلك المنازل التي غدت مواقف خاصة للمدارس التي تجاورهم. حالة المعاناة اليومية التي يعيشها سكان تلك المناطق اقتضت إجراء استطلاع عاجل للآراء اتخذ صفة «الضرورة القصوى».
مدرسة الغبيبية الثانوية للبنات تقع ضمن سلسلة من مجموعة مدار س خاصة تمتد على شريط مترام في منطقة الغبيبة فإضافة إلى مدرسة النور الدولية الخاصة والأهلية الخاصة والمدرسة الهندية والبيت السعيد الانجليزية تحيط البيوت والمحال التجارية هذه المدارس.المشهد العام عند الصباح والظهيرة يعطي للمتفرج إحساساً حقيقياً بعمق المأساة التي يعيشها سكان تلك المنطقة والتي تطال في بعض جوانبها طلبة تلك المدارس وعند سؤال المتضررين وإدارات المدارس نجد أن الأمور مبهمة وغير واضحة فطرفا العلاقة يجدان أنهما مظلومان ففي الوقت الذي يعتقد فيه ساكن المنطقة انه يدفع ثمن سوء تخطيط المباني وعشوائية البناء نجد إدارات المدارس تتعذر بأن فكرة مجمعات المدارس غير ناضجة في المنطقة حتى الآن ولا تزال المدارس متناثرة في مختلف المناطق التعليمية وهم ليسوا مخالفين لأي قانون إيجاري أو وزاري.
ويسرد لنا مبارك علي الخاجة الذي يقطن في المنزل الملاصق لأحد المدارس الخاصة ماساته حيث يقول تدب الحركة في أروقة المكان منذ السادسة صباحا معلنة بذلك بدء يوم من الأرق والفوضى والضوضاء التي تصيبه و أفراد أسرته بصداع لا يزول أبدا لأنهم ببساطة، كما يقول يعيشون مفردات اليوم الدراسي بأكمله بدءا من توافد الطلبة والمدرسين إلى الحرم المدرسي مرورا بطابور الصباح والإذاعة المدرسية التي تمثل كابوسا صباحيا وانتهاء بخروج الطلبة من المدرسة التي تمثل ذروة الأزمة إذ يصطف الطلبة في الزوايا متراشقين العبارات والنكات التي قد تصل إلى حد خدش الحياء والإساءة إلى الآخرين، مشيرا إلى أن مشكلة تكدس الحافلات والسيارات تجعل من الصعوبة بمكان إيجاد مكان ليس لوقف سيارة بل للمشي أو الخروج من المنزل حيث أتفاجأ بوجود حافلة قد لا تسمح لي بالخروج من باب المنزل إلا بشق الأنفس، معتبراً الحل لهذه الظاهرة الغير حضارية من وجهة نظره تخصيص مجمعات بعيدة عن الأحياء السكنية لتكون موقعا للمدارس.
وأوضح أن مجمع مدارس مويلح نموذج ناجح لمثل هذه الأفكار، داعيا الجهات المخولة في إصدار تصاريح البناء أن تضع في اعتبارها عند منح ترخيص لمدرسة ما لتكون قنبلة في وسط الأحياء السكنية ووضع الحي والمعاناة التي قد يتكبدها قاطنوه جراء ذلك.
* أحياء مأهولة بالسكان
أميرة محمد سعيد وتعمل موظفة إدارية في حضانة جنة المستقبل الخاصة يقتضي خروجي من المنزل والحي أكثر من نصف ساعة يوميا بسبب الازدحام الخانق الذي يتمركز في محيط المدارس التي تحيط بمكان سكني ولا ادري ما الحل مسلسل من العذاب اليومي نعيشه بسبب وجود المدارس حتى أنني أخاف عند عودتي التي تتزامن مع خروج الطلبة أن أسير بالمركبة لان بعض الطلاب ـ وقد حصلت معي ـ يتمازحون عند رؤيتي قادمة فيلقون بأنفسهم حول السيارة أو حتى يحاولون الجلوس على احد أطرافها.
وأضافت أن الكثير من الطلبة تنقصهم الكياسة في التعامل ويفتقدون لأصول الأدب والتعامل السليم مع المارة خصوصا من السيدات، مضيفة نحن لسنا ضد وجود المدارس بمحاذاة المساكن لأنه من غير المعقول أن تكون في مناطق بعيدة عن الحياة لكن أن تكون متغلغلة في وسط الأحياء السكنية خاصة عالية الكثافة أمر غير مقبول لأنه لا يمكن للطرفين التعايش والانسجام معا لان التعليم يلزمه بيئة خاصة تختلف عن تلك الموجودة في الأحياء المأهولة بالسكان.
* دائرة التخطيط
سلطان خاتم رئيس قسم تخطيط المباني التعليمية في الشارقة أكد أن المنطقة لا تعمل إلا حسب مخططات دائرة التخطيط والمساحة في الشارقة ولكن سلطة المنطقة تكمن في توزيعها حسب حاجة المناطق وعدد الطلبة التابعين لها، مشيرا إلى أن وجود بعض المدارس بمحاذاة الأحياء السكنية أمر صحي وله أهدافه المتمثلة في إبعاد الطلبة عن الشوارع الرئيسية وخطورة التواجد بقربها وإزالة المشقة عن كاهل الأسر في إقصاء أبنائهم إلى أماكن بعيدة، وما يترتب عليها من صعوبات، مضيفا المدارس الحكومية القديمة موزعة بنظام دقيق ووفق إحصائيات مدروسة كما أن هذه الظاهرة بعيدة عن مدارسنا خاصة أن المباني الجديدة لبعض المدارس في مناطق واحدة كالقراين التي تجمع مدارس حكومية وخاصة أيضا كالعروبة والنوف الثانوية التي تعد مواقع هادئة وبعيدة عن الضوضاء والصخب.
* إشعاع حضاري
من جانبه قال محمد الخولي معلم لغة عربية في مدرسة العلا الخاصة في الشارقة يجب أن تكون المدارس بعيدة كل البعد عن المناطق السكنية لان الإشكاليات كثيرة منها الازدحام المروري الذي يصل حد الاختناق إضافة إلى الإزعاج الذي يتسببه الطرفين مقترحا وجود مجمعات خاصة بالمدارس.
وأكد طارق شيخ إسماعيل مدير مدرسة النور الدولية أن المدارس يجب أن تكون كالمساجد في كل الأحياء السكنية لا أن تكون مقصاة في أماكن بعيدة فهي ليست مصانع أو معامل بل محاضن تربية وتخريج أجيال وهي رافد للمعارف والعلوم، والإقصاء لا يخدم العملية التعليمية بل أن المدارس التي تتخذ مواقع لها في إطراف المدينة تعاني من انعدام طمأنينة الأهل لسلامة أبنائهم في حال وقوع أي شيء كما أن التواصل بين الطرفين يكون مفقود بسبب بعد المكان.
نورا الأمير


