يقدم المؤلف في ختام تناوله لقضية الهوية والعنف ما يعتبره رؤية توفيقية تقوم على أساس التبادل الحضاري بين الأمم وهو ما يعني من وجهة نظره ضرورة تغيير النظرة الجامدة إلى ما يعتبره الكثيرون الطبيعة الغربية للعولمة والتي ينظر إليها على أن لها دوراً مدمراً في الكثير من الأحيان.

وعلى ذلك يقرر خطأ التشخيص القائل بضرورة مقاومة عولمة الأفكار لأنها تتضمن تغريبا معتبرا أن ذلك إنما يعكس نظرة إقليمية ضيقة ويقوض جوانب التقدم في العلوم والمعارف. ويتطرق إلى التنوع الثقافي في المجتمعات والذي يمكن أن يتحول إلى ميزة ايجابية إذا ما تهيأت الظروف الملائمة للتعايش بين الثقافات المختلفة ويمكن من جهة أخرى أن يكون وصفة للدمار والحروب والمآسي. ويتساءل عما فعلته الدول الغنية من أجل مكافحة الفقر والمرض والجهل في بلدان العالم الفقيرة ويخلص إلى أن الدول الرأسمالية العالمية لا تهتم بإرساء الديمقراطية بقدر ما تهتم بتوسيع الأسواق لسلعها ومنتجاتها.يقول أماراتيا سين إننا إذا وضعنا العلاقات الثقافية والفكرية المتبادلة في تاريخ العالم في الاعتبار فإن سؤال ما هو غربي وما هو غير غربي سوف يكون من الصعوبة تحديده.

مشيراً إلى أنه في واقع الأمر فإن أوروبا كانت ستكون أكثر فقرا من الناحية الاقتصادية والثقافية والعلمية لو أنها قاومت العولمة للرياضيات والعلوم والتكنولوجيا القادمة من الصين والهند وإيران والعالم العربي في بداية الألفية الثانية وسوف ينطبق هذا في الاتجاه المعاكس في هذه الأيام. ومن هنا يصل المؤلف إلى التأكيد على أن رفض عولمة العلوم والتكنولوجيا على أساس أنها استعمارية غربية سوف يكون قرارا خاطئا ومجحفا لأن العالم بأسره يمكنه الاستفادة من عملية الأخذ والعطاء الفكري.

ثم يشير إلى أن المحتجين المناهضين للعولمة ينتمون إلى عدة معسكرات مختلفة وبعض خصوم العولمة الاقتصادية ليس لديهم أدنى مشكلة مع عولمة الأفكار ووجهة نظرهم التي تحتاج لمزيد من الانتباه لا يمكن رفضها على أساس أن عولمة العلوم والأفكار قد قدمت الكثير من الإنجازات الإيجابية للعولمة الاقتصادية التي يمكن رؤيتها في أجزاء مختلفة من العالم ولا يمكن أن نخفق في رؤية الاقتصاد العالمي وقد جلب الرخاء المادي لمناطق مختلفة من العالم مثلما هو الحال في اليابان والصين وكوريا الجنوبية وبدرجات متفاوتة في أماكن أخرى من العالم.

إن من الصعوبة تصديق أن تقدم ظروف المعيشة للفقراء عبر العالم يمكن أن يكون أسرع إذا منعناهم من الاستفادة من المزايا العظيمة للتكنولوجيا وفرص التجارة والتبادل التجاري وأيضا المزايا الاجتماعية والاقتصادية للعيش في مجتمعات مفتوحة لا مغلقة. وتنشد الشعوب في الدول المحرومة الحصول على ثمار التكنولوجيا مثل استخدام الأدوية المخترعة حديثا وخصوصا لعلاج الأيدز وهذه العقاقير الجديدة غيرت حياة مرضى الإيدز في أميركا وأوروبا وهم يطلبون منافذ أكبر للأسواق في الدول الغنية من أجل الحصول على مجموعة واسعة من السلع من السكر حتى المنسوجات ويريدون صوتا أعلى واهتماما أكبر في شؤون العالم.

التقدم التكنولوجي

يشير المؤلف إلى أن التحديات العملية التي تواجه عالم اليوم تشمل إمكانية الاستفادة من المزايا الهائلة للعلاقات الاقتصادية والتقدم التكنولوجي والفرص السياسية بطريقة تحقق مصالح المحرومين والمهمشين والضحايا. ويوضح أن هذا لا يعني في الواقع نبذ العلاقات الاقتصادية ولكن يعني الاستفادة القصوى من المزايا الهائلة للعولمة. وبالرغم من المصطلحات التي تختارها حركات مناهضة العولمة فإن الموضوع الرئيسي يجب أن يرتبط بالوجود الحقيقي للظلم العالمي والفقر وعدم المساواة أكثر من وجود الثمار المزعومة للاستغناء عن العلاقات.

ترى ماذا عن الفقر وعدم المساواة العالميين؟ إن الأسئلة التوزيعية التي تصور تلميحا أو تصريحا مواقف المحتجين المناهضين للعولمة تقول أن المشكلة الرئيسية هي أن الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا. وهذا بأي تقدير لا ينطبق بشكل موحد على الكافة حتى بالرغم من وجود عدد من الحالات وخصوصا في أميركا اللاتينية وأفريقيا .

حيث يحدث هذا فعلا. ولكن القضية الجوهرية هي ما اذا كانت هذه هي الطريق المستقيم لفهم القضايا الرئيسية للعدل والمساواة في الاقتصاد العالمي اليوم. على الجانب الآخر نجد أن المتحمسين للعولمة غالبا ما يفندون القول بأن الفقراء في العالم يزدادون فقرا مشيرين إلى الفقراء الذين يشاركون في التجارة والتبادل التجاري .

وأنهم لا يزدادون فقرا بل على العكس من ذلك تماما، ونظرا لأنهم يزدادون غنى من خلال اشتراكهم في الاقتصاد العالمي لذلك لا يمكن أن نصف العولمة بأنها غير عادلة للفقراء. وعلى ذلك يكون السؤال وفقا لمنطق هؤلاء : اذا كان الفقراء يستفيدون فما هي المشكلة إذن؟

وبدوره يتساءل المؤلف: ولكن هل هذا هو السؤال الصحيح لتوجيهه. ويجيب : أقوم بالرد بأنه مطلقا ليس كذلك. ويوضح وجهة نظره قائلاً: إن هناك مشكلتين في النظر إلى موضوع الظلم وعدم المساواة: الأولى هي الحاجة للاعتراف بأن كثيراً من الناس يجدون صعوبة كبيرة في الدخول إلى الاقتصاد العالمي، ومن هنا فإن التركيز على تلك الحفنة التي تستفيد من المشاركة بفوائد في التجارة، إنما يغفل وجود مليون مستبعد آخرين من هذه الأنشطة مضيفا أن هذا الاستبعاد يمثل مشكلة توازي نفس درجة الأهمية للإدراج غير العادل في التجارة العالمية.

وعلاج مثل هذا الاستبعاد يكمن في تحولات جذرية في السياسات الاقتصادية المحلية مثل توفير فرص أكبر للتعليم الأساسي والعناية الصحية والقروض الصغيرة بالمنزل، فضلا عن أن الأمر يتطلب أيضا تغيير السياسات الدولية في الأقطار الأخرى وخصوصا الأكثر غنى. ومثال ذلك فإن الدول الأكثر تقدما من الناحية الاقتصادية يمكن أن تحدث فرقا جوهريا اذا ما رحبت بواردات المنتجات الزراعية والمنسوجات القادمة من الدول النامية.

الاهتمام بالمهمشين

ثم يشير المؤلف إلى وجود العديد من الصعوبات على الصعيد العملي ومن ذلك مثلا ما يذكره من أن هناك أدلة عديدة على أن الرأسمالية العالمية تهتم أكثر وأكثر بالأسواق من اهتمامها مثلا بإرساء الديمقراطية أو التوسع في التعليم العام أو تحسين الفرص الاجتماعية للمهمشين في المجتمع.

ويذكر في معرض التأكيد على هذه الرؤية أن الشركات متعددة الجنسيات تقدم أولوياتها في الإنفاق العام في دول وبلدان العالم الثالث في اتجاه إعطاء الأفضلية لراحة طبقة المديرين والعمال المتميزين على حساب القضاء على الأمية المنتشرة على نطاق واسع أو الحرمان الصحي أو المعوقات الأخرى التي تقف عقبة كؤود في طريق الفقراء. وعلى هذا يرى أنه ينبغي علينا أن نواجه ونتناول تلك الروابط العكسية الملحوظة في أميركا اللاتينية وأفريقيا وأيضا أجزاء من آسيا. إن نواحي عدم المساواة والظلم المستمرة في الاقتصاد العالمي مرتبطة بشكل وثيق بالفشل المؤسسي الذي يجب التغلب عليه.

لقد تمت مناقشة هذه المشكلات العديدة في المؤلفات ومع ذلك فإن بعضا من هذه القضايا يتطلب اهتماما أكبر في المناقشات العامة بشكل يفوق ما يحدث حتى الآن، ومن ذلك موضوع العمولات الدولية وخاصة في مجال تجارة الأسلحة والذي يرى أنه يتسبب في بوس شديد واستمرار الحرمان أيضاً.

ويدعو المؤلف إلى تحسين الترتيبات المحلية معتبرا ان ذلك يمكن أن يكون ذا تأثير كبير في الطريقة التي تؤثر بها العولمة على الناس والذين يشاركون في عملية التبادل العالمي فعلى سبيل المثال نجد قوى المنافسة تؤدي إلى إزاحة الكثير من المنتجين التقليديين من وظائفهم ولا يستطيعون أن يعثروا على وظائف جديدة بسهولة .

وذلك بالدخول في مشروعات جديدة ترتبط بالاقتصاد العالمي وذلك إذا كانوا أميين وغير قادرين على قراءة التعليمات واتباع المطالب الجديدة لضبط الجودة وكذلك اذا كانوا مرضى مما يؤثر على حركتهم وإنتاجيتهم. ومع مثل هذه المعوقات يكون هؤلاء قد ذاقوا ألم العصا بدون تذوق طعم الجزرة وعلاج هذه العوائق يتمثل في تطوير التعليم وإنشاء شبكة أمان الرعاية الصحية فالعولمة الاقتصادية لا تعني فتح أسواق جديدة فقط.

مكافحة الفقر

ينطلق المؤلف بعد ذلك ليؤكد على أهمية مكافحة الفقر في العالم مشيرا إلى أن هناك اتجاها متزايدا في السنوات الأخيرة لتعزيز سياسات القضاء على الفقر على أساس أن هذه هي الطريقة الأضمن لمنع الاضطرابات والقلاقل السياسية. وفي تأييد لهذا الاتجاه يقرر أن بناء السياسة العامة دولية ومحلية على مثل هذا الفهم سوف يحظى بقبول كبير.

إننا اذا وضعنا في الاعتبار القلق العام بشأن الحروب والاضطرابات في الدول الغنية في العالم فإن التبرير المباشر يكمن في القضاء على الفقر ليس من أجله فقط ولكن من أجل السلام والهدوء في العالم وهو الأمر الذي يثير جدلا حول الفائدة الشخصية لمساعدة المحتاجين ويقتضي هذا الجدل تخصيص المزيد من الموارد للقضاء على الفقر لدواعي سياسية أكثر منها أخلاقية.

وفي تقديم لأمثلة عملية على رؤاه بشأن ضرورة ما يمكن اعتباره نوعا من التكافل العالمي من أجل الحد من التأثيرات السلبية للتطورات العالمية يشير المؤلف إلى أن إهمال طاعون أفريقيا اليوم يمكن أن يكون له تأثير طويل المدى على السلام العالمي في المستقبل. متسائلا: ماذا فعل العالم وخصوصا الدول الغنية في الوقت الذي يتعرض ربع سكان قارة أفريقيا للانقراض بالأوبئة كالإيدز والملاريا وغيرها من الأمراض.

التوعية والهوية

يشير المؤلف إلى أن ما يسميه الطرق البديلة للاستجابة لحالات الظلم ومعنى عدم المساواة يمكن أن تتنافس مع بعضها البعض لشد انتباه الناس هذه الأيام فنجد أن التشخيص الدقيق يحفز على البحث عن مساواة عالمية ويمكن أيضا أن يكون مادة تغذي قضية الثأر العالمي.

الأمر حسبما يرى يتوقف على كيفية تناول موضوع الهوية في تقييم تأثيرات عدم المساواة العالمية والاتجاه الشائع، وفقا له، إنما يتمثل في غرس السخط على مدركات الإذلال الماضية أو الخلافات الحالية وهو الأمر الذي يراه قائما على مستوى بعض الحركات الإسلامية. غير أنه يضيف أن هذا لحسن الحظ ليس هو الطريق الوحيد الذي يمكن من خلاله أن يتم تناول حالات عدم المساواة العالمية وحالات الإذلال الماضية والحالية وإنما هناك طرق أخرى يشير إلى أن من بينها:

أولا، يمكن أن تأتي الاستجابة البناءة لحالات عدم المساواة العالمية من خلال الفهم الكامل للموضوعات الحقيقية والاتجاهات المحتملة للعلاج. وثانيا من خلال الدور البناء الذي يمكن أن تقوم به العولمة نفسها وليس فقط من خلال الرخاء الذي يمكن الوصول إليه.

ثم ينتقل المؤلف إلى الإشارة إلى أن الطلب على الثقافات المتعددة قوي في عالمنا المعاصر ولقد تم تحفيزه من خلال مجموعة من السياسات الاجتماعية والثقافية والسياسية وخصوصا في أوروبا الغربية وأميركا وليس هذا بالأمر المدهش لأن التواصل العالمي المتزايد والهجرات الكثيفة قد وضعا الأنماط المتنوعة من الثقافات المختلفة مجاورة لبعضها البعض.

إن القبول العام لمقولة «أحب جارك» ربما يكون من منطلق أنك كنت تحيا نفس نوع ونمط الحياة التي يحياها جارك ولكن هذه الأيام يتطلب ذلك من الناس أن يهتموا بأنماط الحياة المتنوعة لأقرب الناس إليهم فطبيعة العولمة للعالم المعاصر الذي نعيش فيه لا تسمح بتجاهل الأسئلة الصعبة التي تثيرها الثقافات المتعددة.ويضيف المؤلف :

إن موضوع هذا الكتاب: أفكار الهوية وعلاقتها بالعنف في العالم مرتبط إلى حد كبير بفهم طبيعة ومزايا وتأثيرات الثقافات المتعددة وهنا أقول بوجود اتجاهين متميزين للثقافات المتعددة أحدهما يركز على تطوير التنوع كقيمة في حد ذاتها والاتجاه الآخر يركز على حرية الرأي واتخاذ القرار ويحتفل بالتنوع الثقافي إلى الحد الذي يرى معه أن القرار يكون حرا كلما أمكن اتخاذه من الأفراد المشاركين.

إن إحدى القضايا الرئيسية يجب أن تكون كيفية النظر لبني الإنسان هل يجب تصنيفهم من ناحية التقاليد الموروثة وخصوصا الديانة التي يرثونها عن آبائهم وأجدادهم أم من ناحية المجتمع الذي يتصادف ويولدون فيه ويحصلون من خلاله على هوية لا اختيار فيها لتكون لديهم أولويات تلقائية على انتماءاتهم التي تشمل السياسة والمهنة والطبقة والنوع واللغة والأدب والبيئة والمشاركة الاجتماعية وغير ذلك من الصلات العديدة، أم يجب فهمهم على أنهم أشخاص لهم انتماءات عديدة وارتباطات وأن عليهم أن يحددوا الأولويات بناء على اختيارهم هم بأنفسهم من خلال تحمل مسؤولية اختياراتهم المدروسة؟

يشير أماراتيا سين إلى أن جهود بريطانيا في الخمسينات من القرن الماضي كانت مؤثرة في استيعاب الثقافات المختلفة وكانت المسافة التي قطعتها في هذا السياق طويلة بشكل استثنائي. ويقرر أن التشجيع الذي حظي به التنوع الثقافي كان له إسهامات عديدة في حياة البشر فلقد ساعد بريطانيا على أن تصبح مكانا شيقا بشكل استثنائي من عدة نواح من حيث متعة الحصول على غذاء متعدد الثقافات والأدب والرقص وفنون كرنفال نوتنج هيل، نجد بريطانيا تقدم لشعبها من كل الخلفيات المختلفة الكثير ليحتفل به.

وكذلك فإن قبول التنوع الثقافي وكذا توفير حقوق التصويت وخدمات عامة لا تمييز فيها وأمان اجتماعي جعل من السهل أن يشعر جميع الناس من أصول مختلفة أنهم ليسوا أغرابا. ومع ذلك فمن الجدير بالذكر والتذكر أن قبول أنماط الحياة المتنوعة وأولويات ثقافية متباينة لم يكن دائما أمرا سهل المنال في بريطانيا.

لقد كان هناك طلب دوري ولكنه ملح بأن يتخلى المهاجرون عن أنماط حياتهم التقليدية ويتبنون أنماط الحياة السائدة في المجتمع الذي هاجروا اليه. لقد كان هذا الطلب دائما ما يضع في الاعتبار نظرة تفصيلية للثقافة ويشمل ذلك الموضوعات السلوكية الدقيقة والتي يفسرها جيدا اختبار الكريكيت الشهير الذي اقترحه القائد السياسي للمحافظين لورد تيبيت. يشير هذا الاختبار إلى أن المهاجر المتكامل يبتهج لإنجلترا في مقارنات الاختبار مع الموطن الأصلي له ـ باكستان مثلا ـ عندما يقوم الجانبان باللعب معا.

ثم يشير أمارتيا سين إلى قضية هامة تتعلق بالفصل بين الثقافات المتعددة ويتساءل: هل وجود تنوع الثقافات والتي ربما تمر الواحدة أمام الأخرى وكأنها السفن تبحر في جوف الليل يعتبر حالة ناجحة من تعدد الثقافات؟ ويشير إلى أنه نظرا إلى أن بريطانيا تقف حيرى ما بين التفاعل والعزلة فإن الفصل بينهما يعد على قدر كبير من الأهمية وسيكون له تأثير كبير على الإرهاب والعنف.

ومن هذه النقطة يشير إلى أن هناك،حسبما يرى، أوجه تشابه كبيرة بين المشكلات التي تواجهها بريطانيا هذه الأيام وتلك التي واجهتها الهند البريطانية والتي كان المهاتما غاندي يرى أنها تلقى تشجيعا من منطلق النظرة الرسمية التي كانت تقول إن الهند مجموعة من المجتمعات الدينية ولذلك فإنه عندما جاء غاندي إلى لندن لحضور مؤتمر المائدة المستديرة الهندي بناء على دعوة الحكومة البريطانية في 1931 وجد أنه أسند إليه لجنة تقوم على أساس طائفي وصفت بأنها لجنة الهيكل الفيدرالي وقد استاء غاندي من وصفه بأنه المتحدث باسم الهندوس مع وجود وفود تمثل النصف المتبقي من سكان الهند وذلك وفقا لاختيار رئيس الوزراء البريطاني آنذاك.

وأصر غاندي على القول بأنه على الرغم من أنه هندوسي إلا أن الحركة السياسية التي يقودها هي حركة شاملة وليست حركة تستند إلى مجتمع بعينه وأن لها مؤيدين من كافة الديانات الموجودة في الهند. وما يسعى المؤلف إلى التأكيد عليه هنا هو الإشارة إلى إمكانيات التعايش السلمي وسط أفراد يعكسون ثقافات متعددة حال توفير الأجواء المهيئة لذلك التعايش.

وفي الختام يتحدث المؤلف عن خبرة ذاتية يلمس من خلالها قضية العنف والهوية ، حيث يشير إلى أنه شهد مرارا عمليات قتل يذكر الأولى منها عندما كان في الحادية عشرة من عمره، وكان ذلك أثناء الاضطرابات العرقية عام 1944 وانتهت عام 1947 بتقسيم بلده إلى الهند وباكستان، يومها رأى رجلا ينزف بغزارة وارتمى أمام البوابة الرئيسية لمنزل أسرته طالبا بعض المياه والمساعدة وأسرع والده به إلى المستشفى حيث لقي ربه هناك. كان هذا الشخص هو «قادر ميا» الذي قتل في دكا المدينة الثانية بعد كلكتا وعاصمة شرق باكستان وفي ذلك اليوم قتل المئات من المسلمين والهندوس وهو ما تواصل يوما بعد يوم.

ثم يشير إلى أن العنف الطائفي الموجود هذه الأيام ليس بأقل حدة أو فظاعة مما كان قبل 60 عاماً فعندما سئل أحد الجنود الهوتو في اضطرابات عام 1994 قال إنه لا يرى نفسه روانديا أو أفريقيا أو إنسانا ولكن يرى نفسه من الهوتو الذين قدموا لقتل التوتسي في تلك الحرب التي استمرت عدة أيام وحصدت أرواح مليون نسمة في رواندا حيث كانت إبادة جماعية منظمة. ويقرر المؤلف : إن كل آمالنا أن نرى دولة عالمية ديمقراطية في المستقبل.

مضيفا : نحن لا نحتاج أبدا لأن نضع احتمال الديمقراطية العالمية في مخازن التبريد المحدودة. إن هذا ليس اختيار الكل أو لا شيء إن هناك دورا هاما للمبادرات التي يقوم بها الكثير من الأفراد المعنيين الذين يتحركون لجذب مزيد من الاهتمام للعدالة العالمية بما يتفق مع مقولة ديفيد هيوم منذ أكثر من 225 عاماً بأن حدود العدالة تنمو أكبر واكبر. يقول أماراتيا سين :

قد يزداد حنق وغيظ واشنطن ولندن من الانتقادات اللاذعة في شتى بقاع العالم لإستراتيجية التحالف في العراق تماما كما ستفزع شيكاغو أو باريس أو طوكيو من سب وقذف التجارة العالمية فيما يسمى بالاحتجاجات المناهضة للعولمة، غير أننا في كل الأحوال في حاجة ملحة في العالم المعاصر لأن نوجه الأسئلة ليس فقط بشأن سياسات واقتصاديات العولمة ولكن أيضا عن القيم والأخلاق والإحساس بالانتماء، وكل هذا يشكل مفهومنا عن العالم في ظل العولمة.

وفي الحقيقة يمكن أن تبدأ الهوية العالمية في أخذ ما تستحقها دون التخلص من ولاءاتنا الأخرى وكصبي في الحادية عشرة من عمري لم يكن بمقدوري أن أفعل الشيء الكثير لقادر ميا الذي رقد ينزف ورأسه مستقر في حجري، ولكني أتخيل عالما آخر بالإمكان الوصول إليه يمكننا فيه أن نؤكد معا على هويتنا المشتركة وينبغي علينا أن نتأكد أن عقلنا ليس مشطورا أفقيا.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق