يعرج المؤلف أمارتيا سين في إطار الجزء الذي نعرض له في هذه الحلقة لعدد من القضايا الدولية المعاصرة التي تعكس خبرة اقتصادية عميقة وهو الجانب الذي يبرع فيه المؤلف بشكل أساسي فضلا عن النظرة الشمولية للقضايا الدولية كقضية العولمة بما لها وما عليها رغم أن أمارتيا يقدم العديد من الرؤى التي قد تلقى معارضة أو عدم اتفاق من جانب قطاع كبير من قرائه، على الرغم من نجاحه في تناول العديد من القضايا الشائكة بأكبر قدر من الموضوعية في الحلقة السابقة وهى المتعلقة بالنظرة للغرب وتفنيده الاتهامات التي يوجهها للمسلمين بشكل خاص بشأن الإرهاب، فضلا عن كشفه للتداعيات السلبية للميراث الاستعماري على الدول التي وقعت في أسر هذا الاستعمار خاصة في أفريقيا.

استمراراً لتناوله التأثير الكارثي لمجموعة السياسات الدولية في وقتنا الراهن يشير سين إلى أن توريد الأسلحة في السوق العالمية يشمل الدول الثماني الكبار حيث تعتبر هذه الدول مسؤولة عن توريد نحو 84% من السلاح باستثناء اليابان وهي الدولة الوحيدة التي امتنعت عن هذه التجارة. وعلى النقيض من ذلك نجد الولايات المتحدة وحدها مسوؤلة عن تصدير نحو50% من الأسلحة المباعة في السوق العالمي ويذهب ثلثاها إلى الدول النامية بما فيها الدول الأفريقية.ولا تقتصر المشكلة على أن استخدام الأسلحة على النحو الذي ينعكس على صعيد القتال وإنما وهذا هو الأسوأ والأبشع أنها تترك آثارا مخربة على الاقتصاد والسياسة والمجتمع. وفي بعض المناحي يمكن أن نلمس تأثير استمرار هذا الدور غير المتعاون للقوى الدولية في زيادة تفاقم الأوضاع العسكرية في أفريقيا خلال الفترة من الستينات وحتى الثمانينات من القرن الماضي حيث كانت رحى الحرب الباردة تدور على أرض إفريقيا. ويلقي سين بالمسؤولية على الدول الكبرى في انهيار الديمقراطية في أفريقيا خلال فترة الحرب الباردة.

ثم ينتقل المؤلف إلى مناقشة قضية الثقافة فيشير إلى أن العالم على اختلاف أهوائه ومشاربه توصل إلى أن الثقافة أمر هام جدا، ومع ذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو كيف تفهم الثقافة؟ يجيب قائلا إن حبس الثقافة في مربعات الحضارة أو الهويات الدينية إنما ينظر للسمات الثقافية نظرة ضيقة ومحدودة فهناك تعميمات ثقافية أخرى تركز على المجموعات الوطنية والعرقية والجنسية بما يمكن أن يمثل فهما محدودا للغاية لخصائص البشر المعنيين.

ثم يشير المؤلف إلى أن العلاقة بين التطرف الثقافي والطغيان السياسي علاقة قوية ووثيقة فعدم التلاقي بين الحكام والمحكومين أمر قد ينتهي إلى إيجاد تناقض في الهوية ويمكن في إطار أجواء التحيز الثقافي أن يقدم تفسيرا لفشل الحكومة والسياسة العامة.

وفي محاولة لتأكيد ما يقوله، يورد المؤلف ما أعلنه ونستون تشرشل في مقولة شهيرة له مؤداها أن المجاعة في البنغال عام 1943 والتي حدثت قبيل استقلال الهند جاءت نتيجة تكاثر الناس هناك مثل الأرانب وهذا التفسير يرجع للاتجاه السائد لتعليل الكوارث بعيدا عن الإدارة السيئة ولكن السبب يرجع إلى ثقافة الرعية وهذه العادة في التفكير أخرت عملية التغلب على المجاعة في البنغال والتي قتلت ما بين 2 إلى 3 ملايين شخص.

نموذجان متباينان

يقدم المؤلف نموذجاً مقارناً في الإشارة على صحة ما يذهب إليه بخصوص التأثيرات الثقافية على عملية التنمية فيشير إلى أن التفسيرات الثقافية وجدت أرضية جديدة في تفسير التخلف الاقتصادي وهو الأمر الذي تعكسه مقارنة بين كوريا الجنوبية وغانا ، حيث نجد أن البيانات الاقتصادية عن غانا وكوريا الجنوبية في أوائل الستينات من القرن الماضي تشير إلى أن اقتصادياتهما كانت متشابهة ومتماثلة في ذلك الحين وبعد مرور ثلاثين عاما اذا بكوريا الجنوبية قد أصبحت عملاقا صناعيا ويصل ترتيب اقتصادها للمرتبة الرابعة عشرة في العالم .

وبها العديد من الشركات متعددة الجنسيات وأكبر صادرات العالم من السيارات والأجهزة الإلكترونية وبعض الصناعات الأخرى الأكثر تعقيدا ووصل دخل الفرد إلى ما يقترب من مثيله في اليونان. ولكن لم يحدث أية تغييرات على الوضع في غانا بل وأصبح دخل الفرد فيها يعادل 1 إلى 15 من دخل الفرد في كوريا الجنوبية .

ويضيف أنه في الواقع كانت هناك عدة عوامل أدت للوصول إلى هذه النتائج معرباً عن اعتقاده بأن الناحية الثقافية لعبت دوراً كبيراً في ذلك فنجد ان الكوريين الجنوبيين يضعون قيمة للاستثمارات والعمل الشاق والتعليم والتنظيم والانضباط في حين نجد الغانيين ذوي تقاليد مختلفة. لقد كانت هناك اختلافات عديدة وهامة بغض النظر عن الاختلافات الثقافية بين كل من غانا وكوريا في الستينات من القرن الماضي :

أولا: نجد التركيب الطبقي في البلدين كان مختلفا بشدة مع وجود دور أكبر للطبقات التجارية في كوريا الجنوبية.

ثانيا: نجد السياسة مختلفة أيضا فحكومة كوريا الجنوبية كانت راغبة وتواقة إلى تطوير الاقتصاد بخلاف غانا.

ثالثا: العلاقة الوثيقة بين الاقتصاد الياباني والاقتصاد الكوري الجنوبي من جانب وكذلك العلاقة مع الولايات المتحدة في الجانب الآخر وهو ما أثر تأثيرا كبيرا على الاقتصاد الكوري الجنوبي وخصوصا في البداية.

رابعا: وربما الأكثر أهمية هو أن كوريا الجنوبية في الستينات كانت تعاني من نسبة أمية تقل كثيرا عن نظيرتها في غانا هذا بالإضافة إلى التوسع الكبير في نظام المدارس بالمقارنة مع غانا. لقد حدث التقدم الكوري في التعليم بالمدارس في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وذلك من خلال انتهاج سياسة حكومية رشيدة.

التجربة اليابانية

هناك قصة مشابهة للتفاعل الدولي والاستجابة الوطنية تتمثل في تجربة اليابان في تطوير التعليم، فعندما خرجت اليابان من العزلة التي فرضتها على نفسها التي بدأت خلال القرن السابع عشر كان لديها بالفعل نظام تعليمي جيد بالمدارس. وفي تفسير ذلك يشير إلى أن أحد أبعاد ما وصل إليه الأمر من تطور ياباني هائل إنما يتمثل في طبيعة الاستجابة اليابانية لتجربة الاحتكاك مع الغرب.

ففي حين أنه في عام 1852 ولدى تدشين أول باخرة بدا اليابانيون مرعوبين من جراء هذا التطور، فإنهم على إثر ما اكتشفوه من تخلف يعانون منه اضطروا فيما بعد لقبول العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع الولايات المتحدة وفي ذات الوقت أدت بهم تطورات تلك الفترة إلى إعادة اختبار وتقييم العزلة الثقافية عن العالم إلى أن انتهت هذه المراجعة إلى نتائج إيجابية على نحو ما نرى في التجربة اليابانية الآن. لقد ساهم هذا كثيرا، حسبما يذكر المؤلف، في العملية السياسية التي أدت لعودة الميجي ومع هذه العودة وجدنا التصميم على تغيير وجه التعليم الياباني والثقافة في إطار عريض.

وفي إطار مناقشته لما يراه شكوكا تتعلق بمدى تأثير الخلفية الثقافية على سلوكنا وتفكيرنا يشير أماراتيا سين إلى أن هويتنا الثقافية يمكن أن تكون على درجة كبيرة من الأهمية ولكنها لا تقف بمفردها وبمعزل عن التأثيرات الأخرى على فهمنا وأولوياتنا وهناك عدد من المؤهلات التي يجب توافرها أثناء الاعتراف بتأثير الثقافة على حياة البشر وأفعالهم تتمثل في:

أولاً: ليست الثقافة وحدها كافية لتحديد حيواتنا وهوياتنا ولكن هناك أيضا عوامل أخرى مثل الطبقة والعرق والنوع والمهنة والسياسة.

ثانيا :إن الثقافة ليست صفة متناغمة فيمكن ان يكون هناك كم هائل من التنوعات حتى داخل الوسط الثقافي الواحد وعلى سبيل المثال نجد أن إيران تضم متشددين وفي الوقت نفسه نجد راديكاليين منشقين وأيضا نجد في أمريكا المسيحيين بالغي الالتزام وأيضا من لا دين له.

ثالثا : لا تقف الثقافة ثابتة لا حراك لها ولا روح فيها.

رابعا : تتفاعل الثقافة مع المحددات الأخرى في الإدراك والفعل الاجتماعيين وعلى سبيل المثال نجد أن العولمة الاقتصادية لا تجلب لنا التجارة فحسب ولكن أيضا تحضر لنا الموسيقى والسينما.أخيرا ينبغي لنا أن نميز بين فكرة الحرية الثقافية والتي تركز على حرياتنا في ان نحافظ على أولوياتنا أم نقوم بتغييرها.

التعددية والحرية الثقافية

ثم يتطرق المؤلف إلى تطورات الفترة الراهنة على الصعيد الثقافي فيشير إلى أنه في السنوات الأخيرة كسبت التعددية الثقافية أرضا جديدة كقيمة هامة أو بدقة كشعار قوي فكان الازدهار المتزامن لثقافات مختلفة داخل نفس الدولة أو المنطقة ينظر إليه على أنه على قدر كبير من الأهمية في حد ذاته، وفي ذات الوقت زادت موجة الدفاع عن الحرية كقيمة على أساس أن هذا ما يتطلبه تعزيز الحرية الثقافية.

وهنا يؤكد المؤلف على أهمية الحرية الثقافية وأن تضم بين أولوياتها الحرية في توجيه الأسئلة عن التقاليد الماضية. ويضيف أنه لو كانت حرية القرار الإنساني على درجة كبيرة من الأهمية فإن نتائج تطبيق تلك الحرية وممارساتها يجب تقديرها، مضيفا أن التنوع الثقافي قد يبدو مقبولا للأفراد اذا سمح لهم هذا التنوع بأن يحيوا بالطريقة التي يحبونها وفي ذات الوقت تشجيعهم على ذلك.. فعلى سبيل المثال فإن المجتمع المتعدد الثقافات يمكن ان يكون له فوائد ومنافع للآخرين جراء كونه يعكس مجموعة كبيرة من التجارب تكون في وضع قابل للاستفادة منها.

ويعرض المؤلف لما يراه أحد العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى انعدام الحرية والى نقص المعرفة والفهم للثقافات الأخرى. ويضيف أن تجربة بريطانيا والتي نجحت في توفير مناخ مناسب لمن يقيمون على أرضها تقدم مثالا على ما يود طرحه. ذلك أن أمثال هؤلاء والذين يعكسون أصولا متباينة قد تساورهم الشكوك والمخاوف وتنتابهم الريبة بشأن التحول الرسمي نحو التوسع في المدارس التي تعتمد على الإيمان والتي تدعمها الدولة.

ورغم ذلك قد تبدو مفارقة أن سين لا يدعو إلى أن نقلل من هذه المدارس وإنما أن نضيف مدارس أخرى إليها مثل المدارس الإسلامية والمدارس الهندوسية ومدارس السيخ إلى جانب المدارس المسيحية الموجودة حاليا وهو ما يراه يمكن أن يقلل من دور النقاش الذي قد يتاح للأطفال وممارسته.

ويشير المؤلف في هذا الخصوص إلى أن المدارس الدينية - المسيحية - وفيما يبدو أنه في حالة وجودها وحدها من دون مدارس لأصحاب الديانات الأخرى، تفرض قيودا على الأطفال تكون حادة بشأن تحديد أولوياتهم. كما أنها تفشل في توجيه الطلاب نحو اتخاذ قراراتهم بأنفسهم بخصوص كيفية تأثير العوامل المكونة لهوياتهم على تشكيل شخصياتهم (الأمور المتصلة بالجنسية واللغة والأدب والدين والعرق والتاريخ الثقافي والاهتمامات العلمية.. الخ).

قضايا العولمة

يتطرق المؤلف إلى العديد من قضايا العولمة موضحا أن العالم يتمتع اليوم بغنى فاحش و يعاني من فقر مدقع، فهناك وفرة غير مسبوقة في الحياة المعاصرة، حتى أن السيطرة الهائلة على الموارد والمعرفة التكنولوجية التي نسلم بها الآن كان يمكن أن يجد البشر صعوبة في تصديقها في الماضي.

ورغم ذلك فإن عالمنا، وفق رؤية المؤلف، ما زال يئن تحت ضربات الفقر المدقع ويرزح تحت وطأة حرمان لا يرحم فهناك أعداد مذهلة من أطفال يعانون سوء التغذية والعلاج والفقر والجهل، كما أن ملايين الأطفال تلقى حتفها أسبوعيا من أمراض من الممكن القضاء عليها تماما أو على الأقل منعها من أن تحصد أرواح الأبرياء. وهناك كذلك حالات عدم مساواة هائلة في الفرص المتوافرة لدى الناس تشجع على الشك في قدرة العولمة على خدمة اهتمامات الضحايا والمهمشين. وفي الواقع فإن معنى الإحباط ينعكس جيدا في شعارات المسيرات التي ينظمها النشطاء المناهضون للعولمة.

ويرى المؤلف أنه من الخطأ رؤية حالات الحرمان على أنها عقوبات للعولمة أو بمعنى أدق على أنها نتائج للعولمة، بدلا من النظر إليها على أنها فشل في الترتيبات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ويضيف : على الرغم من ذلك سوف أقول بأن ما يسمى بالانتقادات المناهضة للعولمة يمكن أن تقدم إسهاما إيجابيا وهاما في المساعدة في طرح عدد من الأسئلة الجادة للمناقشة العامة التي يجب دراستها وتقييمها.

إن التشخيص الجاد للأسباب يمكن أن يساعد على البدء في الاستفسار عن الاحتياجات المطلوب تلبيتها من أجل التغلب على المشكلات الحادة التي لا شك في وجودها وكما لاحظ فرانسيس بيكون من 400 عام في أطروحته تقدم العلم إن تسجيل الشكوك واقتراحها له فائدة مزدوجة .. الفائدة الأولى هي حمايتنا من الأخطاء والثانية تشمل دور الشكوك في بدء عملية البحث واستمرارها والتي تقوم بإثراء فهمنا.

وانطلاقاً من هذا الفهم يشير المؤلف إلى أن طرح أسئلة جادة عن العولمة وطبيعة الاقتصاد العالمي يمكن أن يقدم إسهاما جدليا بناءا حتى عندما تكون هناك مساحة للشكوك في شعارات معينة يتم استخدامها وخصوصا من المحتجين الشباب. ويضيف : ربما تكون هناك أسباب مقنعة للشك في العواقب الوخيمة المزعومة للعلاقات الاقتصادية العالمية والتي تمسك بالعناوين كملخص لمنظور مناهضة العولمة.

ويحاول سين البحث في سياق تناوله لهذا الجانب من الجدال بشأن العولمة وتأثيراتها في الأسئلة التي أثارها المحتجون وغيرهم ممن يشككون في العولمة كما يقوم كذلك في الوقت نفسه بفحص الجدل المضاد الذي قدمه المدافعون عن العولمة، غير انه يعلق قبل ذلك باختصار على طبيعة الهوية العالمية المستخدمة تصريحا او تلميحا في هذه المجادلات.

في هذا الإطار يشير إلى أن بعض نقاد العولمة أنفسهم يشيرون بقوة إلى غياب يرثى له لمعنى التضامن العالمي في عالم تحجرت قلوبه وأن هناك بالتأكيد الكثير مما أفضى إلى فقدان خلق عالمي فعال في التعامل مع القضايا الدولية المثيرة للحزن والاكتئاب. وفي معرض تناوله هذه الرؤية بالنقاش يرى المؤلف عدم صحتها ويعمل في الوقت ذاته على تفنيدها متسائلا: ولكن هل نحن نعيش في عالم بعيدا ومعزول أخلاقيا؟

في إجابته يشير إلى أنه لو كان معنى التضامن العالمي محض هراء حقا، فلماذا يجب على العديد من الناس حول العالم أن يشتاطوا غضبا من أجل حالة العالم ويجادلوا بعواطف جياشة إن لم يكن بضوضاء صاخبة من أجل صالح الفئات المحرومة والمهمشة؟ فالمحتجون أنفسهم يأتون من كل حدب وصوب من شتى أرجاء المعمورة فهم ليسوا من سكان سياتل او ملبورن أو جنوة .. إنهم يحاولون العمل سويا للاحتجاج ضد ما يرونه طاعون الظلم وعدم العدالة الذي أصاب شعوب العالم كافة.

لماذا يجب على النساء والرجال من جزء واحد من العالم أن يقلقوا بشأن الناس في الأجزاء الأخرى من العالم اذا لم يكن هناك إحساس بالانتماء العالمي أو قلق بشأن الظلم العالمي؟ وينتهي المؤلف من ذلك إلى التأكيد على أن السخط العالمي الذي يعلو من خلال أصوات حركات الاحتجاج إنما يمكن أن يعد دليلا على وجود معنى للهوية العالمية وبعض القلق بشأن الأخلاقيات العالمية.

ثم يناقش ما يذهب إليه البعض من أن مصطلح مناهضة العولمة إنما يعتبر وصفا غير دقيق لطبيعة السخط الذي يطلق عليه هذا الاسم. ولكن بغض النظر عن الاسم الذي نطلقه عليه فهو سخط لا حدود له وهو في حد ذاته ظاهرة عالمية رئيسية من ناحية موضوع القلق وفي شكل الاهتمام الواسع الذي يخلقه عبر العالم.

إن معنى الهوية الذي يكمن وراء هذه الهموم يذهب لأبعد من حدود الجنسية أو الثقافة أو المجتمع أو الدين. ومن الصعب أن نفقد فكرة الانتماء التي تدفع الكثير من الناس لتحدي ما يرون أنه ظلم يقسم سكان العالم وفي الواقع فإن ما يسمى بالانتقادات المناهضة للعولمة هي أكثر الحركات أخلاقية في هذا العالم.

التضامن الفكري

يقول المؤلف : إن كل هذا يعزز ضرورة توجيه اهتمام جاد لموضوع النقد المضاد للعولمة وبالرغم من أن العولمة هي إحدى الموضوعات التي قتلت بحثا في عالمنا المعاصر إلا أنها ليست مفهوما جيد التعريف والتحديد فهناك جملة من التفاعلات العالمية قد تم وضعها تحت عنوان العولمة وتتنوع من التعبير عن التأثيرات الثقافية والعلمية عبر الحدود إلى زيادة العلاقات التجارية والاقتصادية في شتى أرجاء العالم، فرفض العولمة بالجملة لن يكون عقبة أمام التجارة العالمية .

ولكنه سوف يقطع الطريق على حركة الأفكار والفهم والمعارف التي يمكن أن تكون عونا لبني البشر في شتى بقاع العالم وأرجائه بما في ذلك الأعضاء المحرومون من سكان العالم. إن الرفض الشامل للعولمة يمكن أن يكون ذا تأثير مضاد وهناك حاجة قوية لفصل الأسئلة المختلفة التي تبدو مندمجة معا في المظاهرات المناهضة للعولمة.

واذا كانت هذه الرؤية تكشف عما يراه المؤلف جوانب خير من العولمة فإنه يشير إلى أن عولمة المعرفة تحتاج إلى اعتراف معين بالرغم من كل الأشياء الجيدة التي يمكن قولها بحق بشأن أهمية المعرفة المحلية. وفي هذا الخصوص يشير إلى أنه غالبا ما نرى العولمة في المناقشات الصحفية والكتابات الأكاديمية كعملية تغريب، فيما أنها في الواقع، وحسبما ينظر آخرون لهم نظرة متفائلة، فإن الظاهرة يمكن اعتبارها وفقا لهؤلاء إسهاما من الحضارة الغربية في تطور العالم.

ويضيف سين أنه على مستوى الواقع فإن هناك تاريخ يتفق مع هذه الرؤية، وهو ما يتمثل فيما حدث في أوروبا، ففي البدء على ما يذكر قامت النهضة وبعد ذلك التنوير وجاءت بعد ذلك الثورة الصناعية وهو ما أدى إلى ارتفاع في مستويات المعيشة في الغرب والآن فإن هذه الإنجازات العظيمة للغرب تنتشر في كل أنحاء العالم، والعولمة بهذا الشكل ليست أمرا جيدا فحسب ولكنها هدية الغرب للعالم. ويشير إلى أن رواد هذه القراءة للتاريخ يميلون إلى الشعور بالغضب ليس فقط بسبب الطريقة التي يتناول بها الناس العولمة على أنها لعنة من السماء ولكن أيضا بسبب نظرة الغرب للعالم التي قوبلت بنكران وجحود من العالم غير الغربي.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق