في إطار عرضنا ومناقشتنا لهذا الكتاب، انتهينا في الحلقة السابقة إلى تأكيد المؤلف على أن الهوية تلعب دوراً مزدوجاً، فهي من ناحية يمكن أن تمثل مصدراً للفخر والثقة ومن ناحية أخرى يمكن أن تكون أحد عوامل التناحر، مع إشارته في الوقت ذاته إلى أن وهم الهوية يفسر الكثير من الصراعات والأزمات العالمية في عصرنا الراهن، وهو الأمر الذي عرض المؤلف لنماذج مختلفة منه. يلفت المؤلف في هذه الحلقة الأنظار إلى حقيقة المساهمات المهمة التي قدمها العلماء المسلمون للبشرية في مجالات الرياضيات والفلك والفلسفة والجبر وغيرها من العلوم التي ازدهرت في ظل مجتمع إسلامي متسامح مع الآخر وإن اختلف عنه في الرأي أو الدين أو العرق، ويدلل على ذلك بسرده قصة الفيلسوف اليهودي ميمون الذي فر من أوروبا اللامتسامحة ليعيش في كنف الدولة الإسلامية في عهد صلاح الدين الأيوبي. كما يؤكد على أن ظاهرة معاداة الغرب ليست مرتبطة بالمسلمين وإنما هي هوس بات منتشراً في أنحاء عديدة من العالم.

يواصل أمارتيا سين عرضه لرؤيته الخاصة بشأن قضية الهوية فيشير إلى إن ديانة الشخص لا يمكن أن تمثل هويته الواحدة، متطرقا إلى موقف الإسلام في هذا الشأن وأنه على وجه الخصوص لا يلغي الاختيار المسؤول للمسلمين في مجالات عديدة للحياة، بمعنى أن الإسلام لا يمثل قيداً حديدياً على حياة المرء وإنما يترك له مجالات عديدة للاختيار في ذات الوقت الذي يضع له الخطوط الإرشادية لمسيرة حياته.

وفي إشارته إلى التنوع في إطار الإسلام يذكر المؤلف أنه على أرض الواقع من الممكن لمسلم أن يتبنى وجهة نظر قائمة على المواجهة فيما يتبنى آخر رؤية تقوم على التسامح دون أن يؤثر تبني أي من الموقفين على طبيعة إسلامهما أو على جوهره. ويضيف أنه على سبيل المثال فإن المسلم البنغالي ليس مسلما فقط وإنما هو أيضا بنغالي وفخور جدا بلغته البنغالية والأدب والموسيقى، ناهيك عن الجوانب الأخرى التي قد يكون مرتبطا بها مثل الطبقة والنوع والمهنة والسياسة والذوق الفني وما إلى ذلك. وتأكيدا لفكرته يشير أمارتيا إلى أن انفصال بنغلاديش عن باكستان لم يكن مبنيا على أساس الدين على الإطلاق لأن الهوية الإسلامية كانت موجودة لدى أغلب السكان في جناحي باكستان قبل التقسيم، وهو رأي يحمل أساسا كبيرا من الصحة.

عالم مضطرب.... ومن هذا العرض ينتهي المؤلف إلى أن الأمل الرئيسي للتناغم في عالمنا المضطرب يكمن في تعدد هوياتنا التي تتداخل مع بعضها البعض والتي تعمل ضد التقسيمات الحادة حول خط واحد من التقسيم لا يمكن مقاومته. ثم يتطرق بعد ذلك إلى ما يصفه بالهويات المتناقضة والهويات غير المتناقضة وذلك في إطار استعراضه لمفهوم تعدد الهويات الذي يراه مخرجا من أزمة الهوية مشيرا إلى أن الأخذ بتعدد الهويات لا يعني أن على الشخص أن ينكر هوية لإعطاء الأولوية لأخرى ولكن الأحرى أن يقوم ذلك الشخص ذو الهويات المتعددة بتحديد الأهمية النسبية للهويات المختلفة دون خوف من تأثير سلبي للميل لهوية محددة.

فرص الاختيار

يتطرق المؤلف أيضاً إلى وضع قضية الهوية في الفلسفات السياسية فيشير إلى أن الأولوية المزعومة لهوية تستند على المجتمع أمر تم الدفاع عنه بقوة في الفلسفة الاشتراكية موضحا أن ذلك التفكير لا يضع أولوية لأهمية الانتماء إلى مجموعة معينة أو أخرى ولكنه يميل لرؤية عضوية المجتمع كنوع من الامتداد للشخص نفسه. ويشير المؤلف إلى أن هناك ما يعتبره شكوكا حول أن المجتمع والثقافة اللذين ينتمي إليهما الشخص يمكن أن يكون لهما تأثير كبير على الطريقة التي يرى بها الشخص موقفا أو ينظر فيها إلى قرار، وان كان هذا لا يقوض أو يزيل إمكانية الاختيار ودوره والجدال بشأن الهوية. وفي هذا الإطار فإن الكثير من الثقافات، حسب المؤلف، إنما تتضمن اختلافات مهمة واتجاهات ومعتقدات يمكن الترويج لها داخل نفس الثقافة بمفهومها الواسع. وعودة إلى الصراع الحضاري يشير أمارتيا سين إلى أن الصراع الحضاري كان موضوعا شائعا حتى قبل الأحداث المروعة في الحادي عشر من سبتمبر والتي أضافت زخما هائلا للصراعات وانعدام الثقة في العالم ولكن هذه الأحداث الفظيعة كان لها أعمق تأثير على تضخيم وتفاقم الاهتمام بما يسمي صراع الحضارات. ويضيف أنه في واقع الأمر فإن هناك العديد من المعلقين ذوي التأثير البالغ في مجريات الأمور كان لديهم ميل شديد للربط بين ملاحظاتهم عن الصراعات الدولية ونظريات المواجهة الحضارية.

ورغم موقفه المعارض لنظرية صراع الحضارات إلا أنه يشير إلى أنه مع أن الحديث عن الحضارات المتصادمة فرضية تستحق الانتباه وجديرة بالملاحظة، إلا أننا نجد هناك مزاعم ـ وإن كانت أقل شأنا إلا أنها مؤثرة أيضا ـ تربط الثقافات والهويات بالصراعات والعداءات المنتشرة على نطاق واسع في بقاع كثيرة من العالم.

وفي تفصيل بشأن رؤيته في هذه القضية وفيما يمثل نقدا وتفنيدا لطرح هنتنجتون يشير إلى أنه فيما يتم وصف الهند باعتبارها حضارة هندوسية، فإن النقطة التي كان على هنتنجتون أن يسجلها في إطار زعمه في هذا الخصوص حقيقة أن الهند بها مسلمون أكثر من أي دولة أخرى في العالم اللهم باستثناء أندونيسيا وبفارق صغير باكستان.

إن الهند بمسلميها الذين جاوزوا المئة وخمسة وأربعين مليونا لم توضع داخل الإطار الخاص بالعالم الإسلامي رغم أن عدد هؤلاء يتجاوز سكان إنجلترا وفرنسا مجتمعين كما أن عددهم يتجاوز عدد المسلمين في أي دولة في العالم تقريبا. ما يريد المؤلف التأكيد عليه أن الأساس الذي بنى عليه هنتنغتون فرضيته أساس غير صحيح إلى حد كبير حيث لا توجد خطوط تمايز مفصلية يمكن على أساسها الإقرار بصحة التقسيم الذي أورده بشأن الحضارات.

جذور الديمقراطية

من هذه النقطة ينطلق أمارتيا إلى قضية أخرى مشابهة هي الديمقراطية مفندا الحديث عن الأصل الغربي لها حيث يقول: بالمثل نجد أن الديمقراطية غالبا ما ينظر إليها على أنها فكرة غربية بالضرورة وأنها غريبة عن كل العالم غير الغربي، وبالتالي لا تناسب الثقافة العراقية وذلك في سياق الحديث الدائر بشأن دمقرطة العراق أو الثقافات الشرق أوسطية عامة أو غير الغربية. ويعتبر أمارتيا سين هذا الطرح خطأ فادحا في محاولة فهم المشكلات التي نواجهها اليوم في الشرق الأوسط أو بقاع العالم الأخرى.

ويضيف: لطالما حامت الشكوك بشأن إمكانية فرض الدول الغربية الديمقراطية على العراق أو على أي بلد آخر في إطار التأكيد على أن الديمقراطية تخص الغرب الذي نشأت على أرضه وترعرعت وهذا ينافي الحقيقة ويناقض الواقع لأسباب ثلاثة. فمن ناحية، فإن الديمقراطية ظهرت لأول الأمر في اليونان وليس أوروبا بأسرها. ثم أنه كان هناك حضارات أخرى شهدت بزوغ الديمقراطية فيها مثل الهند وإيران. ومن ناحية ثالثة، فإن الديمقراطية لا تتمثل فقط في اقتراحات وأصوات انتخابية ولكن أيضا محاورات ومجادلات ومناقشات عامة وكان هذا الوضع قائماً عبر أرجاء المعمورة مثلما هو الحال في اليابان وإيران والهند ومصر والصين.

وعلى المنوال نفسه في العمل على تفنيد عدد من المقولات العامة الشائعة والتي يرى المؤلف خطأها يتطرق إلى العلوم الغربية وأصولها مشيرا إلى أن هناك عدداً هائلاً من العلماء من مجتمعات غير غربية مثل إيران والهند والصين وكوريا كانت لهم بصماتهم القوية التي تركت تأثيرا على العلوم والرياضيات والفلسفة ولعبوا دورا رئيسيا وحيويا في عصر النهضة الأوروبية ولاحقا في عصر التنوير.

التسامح الإسلامي

يتحول المؤلف بعد ذلك إلى مناقشة قضية سياسية أكثر عملية وهي قضية التسامح فيشير إلى أن الاتجاهات المتباينة للتسامح الديني كانت مهمة من الناحية الاجتماعية في تاريخ العالم، ويشير في هذا الخصوص إلى أنه بالتطبيق على الوضع الإسلامي، فإننا نجد تنوعاً في المواقف، ويقدم المؤلف في هذا الخصوص أمثلة عملية ولكن من واقع الإطار الحضاري الذي نشأ فيه وهو الهند باعتباره هنديا تكشف عن إمكانية أن يكون هناك مسلم متسامح ومسلم غير متسامح. ويتساءل المؤلف بناء على ذلك عن ماهية الرؤية الصحيحة وفقا للإسلام؟ متسائلا هل الإسلام يؤيد التسامح أم يقف ضده؟

ومن المتصور أن المؤلف لو تعمق كثيرا في النصوص المختلفة أو حتى في التجارب الإسلامية التي عبرت عن صحيح الإسلام لكانت إجابته التأكيد على تسامح الإسلام الأمر الذي يكشف عنه أيضا التطبيق التاريخي وهو الجانب الذي يعرض له في سطور أخرى وذلك في سياق استعراض تجربة تعكس موقف حاكم مسلم. يشير المؤلف هنا إلى أنه رغم ما يصفه بحالة السخط الراهنة بين السياسة العربية واليهودية، فإن ذلك لا ينفي أنه كان هناك تاريخ طويل من الاحترام المتبادل بين كلتا المجموعتين.

فحينما أجبر الفيلسوف اليهودي ميمون على الرحيل من أوروبا التي لا تعرف التسامح في القرن الثاني عشر وجد ملاذا ينعم بالتسامح بين أحضان العرب وفي كنفهم وكان مضيفه الذي منحه مركزا مشرفا ومؤثرا في قصره بالقاهرة هو صلاح الدين الأيوبي والذي لا يمكن لمخلوق أن يشكك في عقيدته الإسلامية، إذا ما أخذنا في الاعتبار دوره الباسل في الحروب الصليبية والقتال دفاعا عن الإسلام في وجه ريتشارد قلب الأسد أعتى وأشهر أعداء صلاح الدين.

واستمرارا لمفهومه الذي يقوم على ما يمكن اعتباره عالمية الحضارة الإنسانية والتداخل الذي من الصعب الفصل فيه بين البشر، يشير المؤلف إلى أنه ثارت مناقشات عديدة عن حقيقة أن عددا كبيرا من المسلمين لقوا حتفهم في مركز التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر.

أما بالنسبة للمركز نفسه فإنه اذا كان، حسبما يصفه المؤلف، يحمل بين ارتفاعاته الشاهقة وتكنولوجيا تشييده المتقدمة رمزا وتعبيرا عن الحضارة الغربية، فإنه قد يكون من الشيق، أن نتذكر أن المهندس الرئيسي في تشييد مركز التجارة العالمي والذي يقف وراء هذا المفهوم الحديث في العمارة والتشييد هو المهندس فضل الرحمن خان المقيم في شيكاغو ومن أصل بنغالي وهو مسلم وقام بتشييد العديد من الأبراج وناطحات السحاب منها برج سيزر 110 طابقا ومركز جون هانكوك 100 طابق في شيكاغو ومحطة الحجاج في جدة بالمملكة العربية السعودية. لقد تصادف أيضا أن هذا المهندس قاتل من أجل استقلال بنغلاديش عن باكستان في 1971 وألف كتابا شيقا باللغة البنغالية عن تلك الحرب.

إسهامات فكرية إسلامية

من هذه النقطة يؤكد المؤلف على أنه من الأهمية بمكان أن نعترف بأن إسهامات فكرية عديدة تمت على أيدي علماء مسلمين أدت إلى طفرة كبيرة في المعرفة الإنسانية، فعندما تم اكتشاف اللوغاريتم لحل المشكلات الحسابية العويصة كان هذا الاكتشاف بمثابة تخليد لذكرى عالم الرياضيات العربي الخوارزمي والذي تم اشتقاق اللوغاريتم من اسمه وأيضا نجد أن علم الجبر قد تم اشتقاق اسمه من كتابه «الجبر والمقابلة» ومن هذا الجانب يشير المؤلف إلى حقيقة أن الكثير من التطورات الرئيسية الأخرى في تاريخ الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا قدمها علماء مسلمون.

علاوة على ذلك فلقد قام العديد من الرياضيين والعلماء المسلمين بدور مهم وحيوي في عولمة المعرفة التقنية من خلال نقل أفكارهم عبر أرجاء العالم القديم فعلى سبيل المثال نجد أن النظام العشري وبعض النتائج الأولية في حساب المثلثات انتقلت من الهند إلى أوروبا في الأعوام الأولى من الألفية الثانية من خلال مؤلفات الرياضيين العرب والإيرانيين.

فهم الهويات

على خلفية هذا الفهم يؤكد المؤلف على أن الخلط بين الهويات المتعددة للمسلمين وهويتهم الإسلامية على وجه الخصوص لا يعتبر خطأ وصفيا ولكنه يحمل في طياته تأثيرات خطيرة على سياسات السلام في عالم يعج بالقلاقل ويموج بالاضطراب وتحفه المخاطر لذلك بات القلق الشديد سمة مهمة وعلامة مميزة لعالمنا المعاصر وخصوصا فيما يتعلق بالصراعات العالمية والإرهاب خاصة في ضوء حقيقة أن الإجراءات التي اتخذت لمواجهة هذه الصراعات شملت التدخل العسكري السافر في أفغانستان والعراق.

ويفصل المؤلف في استعراض الجانب المتعلق بالرؤية الدينية مشيرا إلى القيود التي يضعها الإسلام على إطلاق تهمة الكافر طالما كان يؤمن بالله ورسوله ويلتزم بأركان الإيمان وقواعد الإسلام ولا ينكر أي من فرائضه، وهو ما يأتي في سياق محاولته تعريف المسلم والإشارة إلى إمكانية الاختلاف على التفاصيل الأخرى، ما قد يحمل وفق السياق الذي يورده المؤلف الدعوة إلى عدم اعتبار أي سلوك للمسلم على أنه ينتسب إلى الإسلام.

معاداة الغرب

من هذه النقطة ينقلنا المؤلف إلى مستوى آخر من الحديث يشير من خلاله إلى أن الموقف من الغرب والذي يتسم بوجود قدر من الحساسية تجاهه ليس قاصرا على المسلمين موضحا أن التغريب أصبح من أكثر الأفكار التي لاقت مقاومة في عالم اليوم، وهو يشير إلى ما يمكن اعتباره هوس رفض الغرب إلى حد أن ذلك يمكن أن يحدث، على حد ما يذكر، في شكل تجنب الأفكار التي يُنظر إليها على انها «غربية» حتى ولو كانت هذه الأفكار قد حدثت وراجت وترعرعت تاريخياً في العديد من المجتمعات غير الغربية، وكانت بمثابة جزء مهم من تاريخنا العالمي.

ويضيف: ليس هناك، على سبيل المثال، ما هو «غربي» بشكل حصري فيما يتعلق بتقييم الحرية أو الدفاع عن الرأي العام كما أن وصف الحرية بالغربية يمكن أن يخلق اتجاهاً سلبياً ضد الغرب في مجتمعات أخرى.

وفي سياق ما يمكن اعتباره سياحة فكرية على عدد من القضايا المرتبطة بموضوعه، ينتقل بنا المؤلف إلى قضية أخرى هي الحديث عن افريقيا واستعمارها والدور السلبي الذي لعبه الاستعمار في تخلف القارة، فيشير إلى أنه ربما كانت قارة افريقيا هي القارة الأكثر اضطرابا في القرن الماضي ـ القرن العشرين ـ وخصوصا في النصف الثاني منه.

فلقد شهد منتصف القرن الماضي النهايات الرسمية للامبراطوريات البريطانية والفرنسية والبرتغالية والبلجيكية وما صاحب ذلك من وعود بتطورات ديمقراطية في افريقيا، ولكن سرعان ما وقعت أجزاء كبيرة من القارة فريسة للاستبداد والديكتاتورية والتطرف في القوة العسكرية وانهيار النظام المدني وتهاوي الخدمات الصحية والتعليمية وتفجّر الصراعات المحلية واندلاع الحروب الأهلية.

يقول المؤلف: ليس هذا هو السياق لبحث واستقصاء القصة بأسرها التي تكمن وراء تلك التطورات المحبطة التي ما انفكت افريقيا تبدأ في التعافي منها وإن كان عُسر المهمة قد ازداد وتضاعف بعد الابتلاء بالأوبئة الحديثة مثل الإيدز والقديمة مثل الملاريا التي تضرب بحممها أرجاء شتى من القارة الافريقية، ولكن كل ما قصدت إليه هو التعليق فقط على الدور المتواصل والمستمر بلا انقطاع أو توقف للاستعمار.

في هذا الخصوص يؤكد المؤلف على ضخامة التأثير الذي لعبته القوى الأوروبية الحديثة في التأثير على التطورات السياسية والعسكرية في ربوع القارة السمراء، مشيرا إلى أن ذلك امتد إلى إعاقة نمو وتطور الاقتصادات الإفريقية في مجال الحاصلات الزراعية والمنسوجات والسلع الأخرى وتفاقم أعباء الديون التي لا تطاق والتي بدأت تستريح منها القارة بإسقاطها والتخفيف منها.

والكارثة التي يبدو المؤلف يسعى إلى التأكيد عليها هي امتداد الميراث الاستعماري التقليدي إلى ما بعد زواله، فيقول إن مصائب افريقيا في فترة الاستعمار التقليدي أعقبتها فترة أخرى من المعوقات المؤسساتية خلال الحرب الباردة في النصف الثاني من القرن العشرين.

ولقد شُنت هذه الحرب الباردة على التراب الافريقي رغم ندرة الاعتراف بذلك مما جعل كل قوة من القوى العظمى تزرع جميع الحكام العسكريين الموالين لها وربما أيضاً كل المعادين لأعدائها وهذا على درجة كبيرة من الأهمية. وعند قيام زعماء الحرب مثل موبوتو سيسيسيكو في الكونغو وجوناس سافيمبي في أنجولا وغيرهما بالبدء في إرساء النظم الاجتماعية والسياسية وفي النهاية النظم الاقتصادية أيضاً في افريقيا استطاعوا أن يعتمدوا على الدعم والمساندة القادمة من الاتحاد السوفييتي أو من الولايات المتحدة الأميركية وذلك وفقا لتحالفات هؤلاء القادة العسكرية.

يتضح هذا بجلاء ووضوح عند كل اغتصاب للسلطة المدنية، حيث نجد انه لابد من وجود قوة عظمى صديقة من خلال تحالف عسكري. إن هذه القارة التي كانت تبدو في خمسينات القرن الماضي مستقرة وهادئة وادعة تستعد لتطوير سياسات ديمقراطية تحولت نتيجة هذه السياسات إلى دول تخضع لعصبة من الديكتاتوريين يرتبطون بطرف أو بآخر ويدورون في تلك الرحى العسكرية للحرب الباردة في حين شهدنا وباء الاستبداد يتفشى في جنوب افريقيا معتمداً على سياسة التفرقة العنصرية.

وإن كانت الصورة قد بدأت، حسبما يشير المؤلف، في التغير رويدا رويدا مع تحول جنوب افريقيا عن نظام التفرقة العنصرية وبدء اضطلاعها بدور بناّء في إحداث هذا التغيير ومع هذا فقد ظل الوجود العسكري للغرب في افريقيا في تزايد مطّرد وإن اتخذ أشكالاً أخرى.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق