رجل تناول وجبات دسمة وسريعة حملت إلى جسمه أكثر من 6600 سعر حراري خلال شهر كامل. و في الوقت ذاته لم يجر أي تدريبات رياضية طوال تلك الفترة. وعلى الرغم من ذلك لم يعان أي مشكلات صحية، بل إن مستوى الكوليسترول لديه انخفض عما كان عليه قبل تناوله تلك الوجبات المليئة بالسعرات الحرارية الهائلة!! الأكثر غرابة هو أن وزنه طوال تلك الفترة لم يزد سوى 6,4 كيلوغرامات. إنه طالب سويدي يدعى أدي كريمي أصبح مثالا لإثبات عدم دقة الاعتقاد السائد الذي يفيد أن مشكلة الوزن الزائد سببها الإفراط في الأكل وعدم أداء التمارين الرياضية. فقد تبين أن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.

كريمي هو أحد المتطوعين في تجربة مستوحاة من فيلم وثائقي أنتج عام 2004 قام خلاله مخرجه، وهو مورغان سبيرلوك، بتناول أطعمة سريعة ذات سعرات حرارية هائلة على مدار 30 يوما لم يمارس خلالها أي تدريبات بدنية على الإطلاق.

مع نهاية الثلاثين يوما تحول سبيرلوك إلى كتلة متحركة من الأمراض بسبب الارتفاع المذهل في مستوى الكوليسترول في جسمه بالإضافة إلى أن وزنه زاد ب1,11 كيلوغراما دفعة واحدة، أي بنسبة 13% خلال شهر واحد. بل ان الأخطر هو أن الرجل أصبح في طريقه إلى الإصابة بتليف في الكبد.

صاحب فكرة التجربة هو العالم السويدي فريدريك نيستروم من جامعة لينكوبينغ. فقد اختار نيستروم 18 متطوعا ليخوضوا تجربة تناول أغذية مليئة بالسعرات الحرارية على نمط الأغذية المنتشرة في مطاعم الوجبات السريعة لمدة شهر كامل. مع نهاية الشهر توصل العالم إلى نتيجة أدهشته هو شخصيا، ألا و هي أن هناك تفاوتا هائلا في استجابة ال18 متطوعا للبرنامج الغذائي الذي خاضوه على الرغم من أن الجميع تناول الطعام ذاته ولم يقم أحد منهم بأي تدريبات رياضية طوال فترة التجربة.

فبعض المتطوعين لم يصبه أذى مثل كريمي، في حين أن البعض الأخر عانى بشكل أو بآخر مثل سبيرلوك.

وفي هذا الصدد تنقل مجلة (نيوساينتست) عن نيستروم قوله: (نحن معتادون على سماع أن مشكلة الوزن الزائد ترجع إلى الإفراط في الطعام وعدم أداء التمارين الرياضية التي يحتاجها الجسم. غير أن هذا ليس صحيحا؛ فأجسام بعض الناس قابلة للبدانة بشكل يفوق الآخرين).

لقد شاهد نيستروم الفيلم الوثائقي وأعجب بالأسلوب الذي انتهجه المخرج لكنه شعر بالضيق الشديد بسبب النتيجة العلمية التي خلص إليها الفيلم، وقرر أن يقوم بتجربة على نفقته الخاصة لبيان الحقيقة.

فبعد انتهاء إحدى محاضراته في الجامعة عن مخاطر البدانة سأل نيستروم طلابه عما إذا كان منهم من يريد المشاركة في تجربة علمية تقوم على تناول أكبر قدر ممكن من الطعام.

وكما توقع العالم فإن أكثر الذين تقدموا للتجربة كانوا من الذكور. يقول نيستروم: (الأولاد ملتزمون للغاية وكان من الصعوبة بمكان إقناع الفتيات بالانضمام، غير أنني نجحت في النهاية في أن أقوم بالتجربة على 12 فتى و 6 فتيات تمتعوا جميعا بصحة جيدة و بأجسام نحيفة رياضية).

وعلى عكس الفيلم سمح نيستروم للمتطوعين بتناول أغذية مختلفة، فلم يُقصر التجربة على منتجات الوجبات السريعة، حيث تناولوا بيتزا ودجاج كنتاكي وشوكولاته وأغذية أخرى كثيرة غنية بالدهون والسعرات الحرارية.

وأثناء التجربة كان المتطوعون يخضعون لاختبارات سلامة بدنية بشكل أسبوعي لمراقبة استجابة أجسامهم للطعام ومن ثم التدخل في حال إصابة أي منهم بضرر ما. فضلا عن ذلك فإنهم خضعوا جميعا إلى تحاليل قبل خوض التجربة وأثنائها لمعرفة تأثير هذا النوع من الطعام على صحتهم الذهنية.

واستخدم مساعدو نيستروم وسائل تقنية متطورة للغاية في قياس تركيبة الجسم، بما في ذلك حجم العظام ومستوى الدهون، إلخ. وفي ضوء أن للإفراط في الطعام آثارا نفسية أيضا، فإن الطلبة خضعوا لأربعة استبيانات لتحديد شعورهم قبل وأثناء وبعد التجربة.

وبشكل فاجأ نيستروم و فريق عمله فإن الشكوى الرئيسية التي أثارها الطلبة لم تكن تتعلق بالطعام وإنما بعدم أداء التمارين الرياضية. فقد بدا لنيستروم أنه على الرغم من أن القليل من المتطوعين كان يحرص على لياقته البدنية بشدة إلا أن معظمهم افتقد أثناء فترة التجربة ركوب الدراجات والمشي بدرجة أكبر من افتقادهم لأجسامهم النحيفة.

وتوصل نيستروم إلى بعض النتائج الأولوية من خلال تجربته. فقد تبين له أن الكبد ،عندما يكون تحت ضغط، يفرز كميات كبيرة من الإنزيمات إلى مجرى الدم. و لم يستطع عالم حتى الآن التأكد من السبب وراء هذا الأمر. فالبعض يقول إن هذه الإنزيمات تُفرز من قبل خلايا ميتة أو ربما عن طريق خلايا مجهدة، وفي كلتا الحالتين فإن إفراز تلك الإنزيمات مؤشر ليس بالجيد، و كان إفرازها هو السبب الرئيسي الذي دفع طبيب سبيرلوك إلى أمره بالتوقف عن النظام الغذائي الذي كان يلتزم به طوال شهر كامل. غير أن الغريب في تجربة نيستروم هو أن أحدا من المتطوعين لم يتعرض لإفراز تلك الإنزيمات، مما دفع نيستروم إلى الاعتقاد بأن سبيرلوك كان مصابا في البداية وقبل الفيلم بخلل في وظائف الكبد.

غير أن اللغز الأكبر الذي أسفرت عنه تجربة نيستروم هو علاقة زيادة الوزن بالإفراط في الطعام. السؤال الذي طرحته التجربة كان: لماذا عانى البعض زيادة كبيرة في الوزن في حين أن البعض الآخر والذي خاض النظام الغذائي ذاته لم يزد وزنه بالدرجة نفسها؟

من وجهة نظر نيستروم فإن الأمر له علاقة وطيدة بنظام التمثيل الغذائي عند كل فرد منا . فهناك بعض الأفراد أفضل من غيرهم في التعامل مع السعرات الحرارية. فإذا كنت محظوظا فإن جسمك سيتجاوب بسرعة مع أي كميات زائدة من السعرات الحرارية. الأمر الذي تفرد به نيستروم في تجربته هو أن معظم ما يتم من بحوث حول السمنة يجري على أناس بالفعل يعانون زيادة في الوزن، أي أنهم أقل مقاومة للسعرات الحرارية من الآخرين، ومن ثم فإن ما يتم التوصل إليه من نتائج من خلالهم ليس دقيقا بالشكل المنشود.

ويأمل نيستروم أنه من خلال دراسة نوعية التمثيل الغذائي لدى هؤلاء الذين يتمتعون بمقاومة قوية للسعرات الحرارية والذين تستطيع أجسامهم التجاوب مع جرعات زائدة من السعرات الحرارية سيستطيع الوصول إلى علاجات أكثر فعالية للبدانة. فهل تثبتْ صحة نظريته؟ و هل سينجح في الوصول إلى علاجات جديدة؟ هذا ما ستجيب عليه السنوات المقبلة.

إعداد: حاتم حسين