أجرت صحيفة «لا ناسيون» الأرجنتينية في واشنطن، مؤخراً، حواراً مع الكاتب الأميركي بوب وودوارد تناول فيه موضوعات شتى تصدرها موضوع الإدارة الأميركية الحالية وما تخوضه من مغامرات حول العالم وقارن فيه الصحافي الأميركي الشهير الرئيس بوش مع بقية رؤساء الولايات المتحدة الذين عرفهم واضعا إياه في الدرك الأسفل حين يصفه بأنه «يعيش في واحدة من أكبر الفقاعات» التي رآها في حياته، مؤكدا أن كل جهود بوش خلال العامين المتبقيين من ولايته لن تغير الوضع في العراق معربا عن أسفه لأن الرئيس الأميركي المقبل سيتعين عليه قيادة الحرب القائمة هناك مع احتمالية أن تكون الولايات المتحدة وقتها قد دخلت في مواجهة مفتوحة مع إيران.

* تقتبس في كتابك الأخير «حالة إنكار» مقولة للجمهوري نيوت غينغريتش ينتقد فيها رئيس التحالف في العراق بول بريمر قائلاً: «أخطر شيء في العالم هو شخص واثق وماكر مع نموذج خاطئ لأنه سيتمتع بحماسة هائلة لدفع ذلك النموذج الغريب»، فهل يمكن تطبيق ذلك على بوش؟.... ـ لقد دخلت مباشرة في صلب الموضوع. ذلك ما قاله غينغريتش عندما تكلم عن بريمر. وأنا حاولت الكتابة حول ما حدث وما قاله الناس لا أكثر ولا أقل، رغم أنني على يقين من أن نقادا كثيرين كانوا ليقولون إنه من الممكن لوم بوش، لكن من جانبي فإني لا أطلق حكما على الرجل، وجل ما أحكم عليه هو أنه لم يقل لنا الحقيقة حول مدى السوء الذي كانت تؤول إليه الأمور في العراق. ذلك هو الإطار العام لهذا الكتاب: العراق يصبح أكثر خطورة في كل مرة والأمن هناك آخذ بالتدهور أكثر فأكثر ولا يمكن أن يتحسن.

* ما الذي تنتظره من السنتين المقبلتين لإدارة بوش؟

ـ لقد أمضيت ثماني ساعات من الحوار مع الرئيس بوش لتأليف كتابي الاثنين السابقين وتبين بوضوح أنه مقتنع أن من واجبه تحرير المضطهدين ونشر الديمقراطية حول العالم. ذلك هو محور الصورة التي هو عليها. ولذلك فإني لا أنتظر خلال العامين المقبلين سوى الإمعان في النهج نفسه، حيث لا توجد أي رغبة في مواجهة الواقع الذي يشير إلى مدى سوء الوضع في العراق. ذات مرة سألته في مكتبه في تكساس عما إذا كان يشك أم لا. فنحن نعيش في مهنتنا الصحافية على الشك. وقال إن الشك سيئ وإنه يتعين عليه كرئيس أن يكون مثل كالسيوم العمود الفقري.

* تستشهد كذلك في كتابك بتعليق للسناتور تشاك هاجل حول الرئيس بوش يقول: «أعتقد بأنه حقا داخل فقاعة فيما يتعلق بالعراق». هل تعتبر بوش الرئيس الأكثر عزلة الذي عرفته؟

ـ إنها نقطة جيدة. فيما يخص العراق، فإنه هذه تعتبر واحدة من أكبر الفقاعات التي رأيتها في حياتي، لا شك في ذلك. فلقد مضى حوالي أربعة أعوام على الغزو وكما أشار كثيرون فإن هذا الوقت أطول من الوقت الذي استغرقته عملية كسب الحرب العالمية الثانية وذلك على خلاف ما يحدث في العراق، حيث زادت المشكلات الثلاث الكبرى سوءا: الأمن والحكم وإعادة البناء.

* ما يتصف به بوش، حسب كتابك، هو النقص الواضح في الفضول لديه، فهو لا يسأل ولا يتفحص. هل لا أحد يقول له الحقيقة أيضا؟

ـ نعم، ذلك أن بريمر وغاي غارنر (أول حاكم للعراق) وآخرون كثر كان بوسعهم القيام بذلك ولم يفعلوا، وأجروا مع بوش حوارات مبتذلة فقط. صحيح أن هذا المسلك قابل للانتقاد، إلا أنها مسؤولية الرئيس تحريك الأشياء الموجودة تحت السطح والتأكد من أنه يتم تبليغه بما يجري في الواقع فعلا.

* كيف سيتم تذكر إدارة بوش؟

ـ سيتم تذكرها من خلال الـ 11 سبتمبر والعراق. وكما قال لي كارل روف ذات مرة فإن «كل شيء يقاس بنتائجه»، وبما أن الحرب لم تضع أوزارها بعد فإنه يتوجب علينا الانتظار.

* نقادك يأخذون عليك أن المصادر التي تتحدث معك تعاملها بطريقة أفضل من تلك التي لا تحدثك...

ـ إن أحد أكثر الأشخاص الذين تكلمت معهم من أجل هذا الكتاب هو دونالد رامسفيلد (وزير الدفاع السابق الذي يبدو بوضع سيئ جدا في حالة إنكار)، رغم أن ذلك يبدو مثيرا للجدل للوهلة الأولى، لكنه أمر طبيعي.

* هل يمكن حصول ووترغيت أخرى، يمكنها أن تسقط رئيسا آخر؟ أم أن الأحزاب السياسية والحكومات تعلمت كيف تحول دون ذلك؟

ـ تعتبر ووترغيت أخرى احتمالا قائما على الدوام ولهذا نحن نواصل التحقيق، لأن الحكومة تواصل مركزة السلطة بيدها، فالرئاسة تملك بين يديها الآن سلطة لا تصدق وقد تغدو تلك المركزية خطيرة للغاية. لقد كانت ووترغيت واحدة من عواقب الحرب الفيتنامية ونأمل ألا نواجه ووترغيت أخرى، فأنا لا أود حتى التنبؤ بذلك.

* ما الذي تشعر به حيال ما تم توجيهه لك من انتقادات فيما يتعلق بكتابيك السابقين حول بوش؟

ـ إذا قرأت كتاب «بوش يخوض الحرب» ستجد أنه احتوى على عدد من التعليقات النقدية وأخرى تظهر في «حالة إنكار». لكن حتى جون كيري، الذي نافس الرئيس بوش، قال في 2004 إن بوش كان قد قام بعمل جيد بالرد على هجمات 11 سبتمبر. ثلاثة كتب هي مثل ثلاثة ألعاب مختلفة من كرة السلة أو كرة القدم، حيث قد يلعب الفريق جيدا ويفوز في الأولى لكن في الثانية تحدث أشياء حسنة وأخرى سيئة وفي الثالثة يلعب بشكل بائس جدا.

* متى حصلت على رؤية كاملة حول «عدم الكفاءة» أو «الإنكار» الذي تصف به البيت الأبيض في كتابك هذا؟

ـ ليست رؤية أخرى. فالكتاب يغطي هذه السنوات الأخيرة ويضيف بعض الاكتشافات النقدية للسنوات السابقة كنت أرغب بإدراجها في كتبي السابقة. وأنا لا استطيع كتابة ما لا أملك وكذلك ما كان بمقدوري فعل ذلك عند كتابة «بوش يخوض الحرب»، الذي يغطي حتى نوفمبر 2002، عندما لم تكن حرب العراق قد بدأت بعد.

* الكتاب الأخير حولك أنت و بيرنشتاين يحمل عنوان «الحياة تحت ظل ووترغيت»... هل يزعجك التصاق اسمك بهذه الفضيحة؟ وهل الأمر لطيف حين يكون لديك 11 كتاباً حققت مبيعاتها أرقاما قياسية؟

ـ هكذا هي الحياة، فلقد تمسكت بفضيحة ووترغيت لعامين ونصف العام وحصلت التبعات التي نعرفها جميعا. لكن عدد النسخ التي بيعت من «حالة إنكار» الورق المقوى أكبر من عدد النسخ التي بيعت من «كل رجال الرئيس».

* كيف تفسر ذلك؟

ـ اليوم هناك أناس يشترون من الكتب أكثر مما كان عليه الوضع قبل ثلاثة عقود من الزمن، ناهيك عن أن الناس قلقون جدا بسبب بوش والحرب في العراق، الأمر الذي يعد جديا للغاية بالنسبة لهذا البلد.

* كيف تعرف الصحافة؟ هل هناك فرق بين ما هي عليه الآن وبين ما كانت عليه حين بدأت العمل فيها؟

ـ نعم، لأننا نعيش اليوم في ظل حالة من عدم الصبر تخلق نوعا من النهم. فلقد كان بوسعنا العمل في حالة ووترغيت خلال أسابيع من دون أن ننشر شيئا، لكن إذا كان لديك قصة الآن فإن الناس سيسألونك تنزيلها على الإنترنت في الساعة التالية. وهذا يعني زيادة فرص الوقوع في أخطاء وأنه لا يوجد هامش من أجل التعمق.

* كيف تعرف الصحافة إذن؟

ـ إنها عملي.

* هل هناك أمر لم نسألك حوله وتريد الحديث حوله؟

ـ الحرب في العراق على جانب كبير من الأهمية حقا وهي مركزية من أجل فهم بوش وهذا البلد ونتيجتها ستكون مهمة كذلك بالنسبة لتحديد وجهة الشرق الأوسط وعلى ماذا سترسو «الحرب ضد الإرهاب» وهل سيكون لها تأثيرات في أميركا الجنوبية وفي باقي أنحاء العالم وفي هذا السياق فإن وظيفة الصحافة ستكون توضيح ما جرى ولماذا.

ترجمة: باسل أبو حمدة ـــ عن «لا ناسيون»