صدر تقرير لجنة بيكر- هاميلتون حول العراق وسط كم هائل من التوقعات غير الواقعية. وبشكل لا يمكن إنكاره، أحبط التقرير الآمال التي بنيت على أنه قد يرسم طريقاً واضحاً وصريحاً للخروج من المستنقع العراقي باعتبار أنه لا يوجد حل سحري للصعاب التي تحاصرنا هناك.
غير أن التقرير أنجز عملاً عظيماً. فقد نجح في جمع بعض من أفضل العقول الأميركية معاً بمختلف انتماءاتهم الحزبية. وأوضح بشكل دقيق وصريح العوامل الرئيسية محل الخلاف والنقاش في العراق. وبهذا ساعد التقرير في إنعاش النقاش حول السياسة الأميركية في العراق وكذلك أنعش الخيارات الموجودة أمامنا هناك. والأهم من ذلك كله فإن التقرير أكد على أهمية التركيز على المصالح القومية الأميركية ليس في العراق فحسب وإنما في المنطقة بأسرها.
وعلى الرغم من ذلك، فإن التقرير الذي يصف الوضع في العراق بأنه «خطير ومتدهور» لم يركز على ما يمكن أن يكون أكثر النتائج المحتملة من التحليل الذي أورده.
في حال ألا يستطيع العراقيون أو في حال عدم استعدادهم للعب الدور المطلوب منهم، فإن التقرير يشير إلى أنه لن يكون أمامنا أي خيار سوى الانسحاب وإلقاء اللوم في هذا الصدد على فشل العراقيين في القيام بما هو مطلوب منهم وبالتالي فإننا اضطررنا إلى الانسحاب. غير أن التقرير يتوقف عند هذه النقطة.
يقول الرئيس الأميركي جورج بوش إن أي انسحاب أميركي قبل أن يستطيع العراق «حكم نفسه وتدعيم نفسه والدفاع عن نفسه» سيكون بمثابة هزيمة إستراتيجية للمصالح الأميركية، الأمر الذي سيكون له عواقب كارثية في المنطقة وفيما سواها. فالانسحاب سيدعم من موقف أعداء أميركا ويزيد من جرأتهم بشكل فظيع وسينتقص من معنويات أصدقائنا.
وسيشجع مثل هذا الانسحاب إيران على توسيع نفوذها في سوريا ولبنان والمناطق الفلسطينية والأردن من خلال حزب الله وحماس. وسيشعر أصدقاؤنا العرب، وسيكونون محقين في ذلك، أننا قد تخلينا عنهم وتركناهم يواجهون التشدد بمفردهم، وهو التشدد الذي زادت من حدته أفعال أميركا في المنطقة، الأمر الذي يمكن أن يفرض تهديداً خطيراً على حكوماتهم.
إن آثار هذا الانسحاب لن تكون منحصرة في العراق والشرق الأوسط. فموارد الطاقة ونقاط العبور الحيوية للاقتصاد العالمي يمكن أن تتعرض لأخطار كبيرة ومتزايدة. وستزداد جرأة الإرهابيين والمتشددين في الأماكن الأخرى من العالم. والانطباع الذي سيؤخذ عالميا هو أن العملاق الأميركي يترنح وأنه فقد إصراره وعزمه وأنه لم يعد بالإمكان اعتباره صديقا أو حليفا يمكن الركون إليه وأنه لا يمكن بعد ذلك النظر إليه باعتباره ضامنا للسلام والاستقرار في هذه المنطقة الخطرة من العالم.
ومن أجل تفادي هذه العواقب الوخيمة، فإن الولايات المتحدة بحاجة إلى ضمان تأييد ودعم بلدان المنطقة ذاتها. فلا شك أنه من مصلحة تلك الدول القيام تقديم الدعم لأميركا تماما كما فعلت في السابق إبان حرب الخليج الأولى. وللأسف فإن هذه الدول أخذ ينتابها في الأعوام الأخيرة شعور بأنه غدا من الخطر عليها أن تنضم للولايات المتحدة ومن ثم فإنها تفضل أن تظل على الهامش في مواجهة ما ينشأ من صراعات.
إن وجود محاولات قوية لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي يمكن أن يغير بشكل جوهري ديناميكية العمل داخل المنطقة ويغير من الحسابات الإستراتيجية لكبار القادة فيها. فوجود تقدم حقيقي في هذا الصدد سيدفع إيران لاتخاذ موقف دفاعي بشكل أكبر والتخلي عن موقفها الهجومي. كما سيفقد حزب الله وحماس الأساس الرئيسي الذي يعتمدان عليه في شحن الجماهير والشعب في مصلحتهما. وسيشعر حلفاء أميركا في المنطقة بالرغبة في العمل على ضمان استقرار الأوضاع في العراق. كما أن الجميع سينظر إلى العراق في النهاية باعتباره دولة رئيسية في المنطقة يجب أن يعمها الاستقرار من أجل التوصل إلى أمن إقليمي.
إن القادة العرب الآن يشعرون بحاجة ماسة إلى تسوية ذلك الصراع الدائر منذ 50 عاما بين الإسرائيليين والعرب. وقد يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت لديه الرغبة نفسها. غير أن الرئيس الأميركي هو وحده القادر على جمع تلك الأطراف على طاولة مفاوضات واحدة.
إن استئناف عملية السلام لا يعني فرض تقديم تنازلات من قبل إسرائيل أو إجبار الفلسطينيين على التراجع. إن معظم عناصر التسوية تمت الموافقة عليها بالفعل من خلال مفاوضات عام 2000 ومن خلال خارطة الطريق في 2002. إن المطلوب الآن هو استدعاء عزيمة القادة الإسرائيليين والعرب بقيادة أميركية رصينة مصممة على الوصول إلى بلورة للعناصر التي وافقت عليها كل الأطراف من ناحية المبدأ من قبل.
فيما يتعلق بسوريا وإيران، فإنه لا ينبغي لواشنطن أن تخشى من فتح قنوات اتصالات معهما، غير أنه لا ينبغي لنا أيضا أن نتعجل في إقحامهما كشركاء تفاوض. فضلا عن ذلك فإن هاتين الدولتين لهما مصالح وتوقعات ونقاط قوة مختلفة ولا يجب أن يتم التعامل معهما على أنهما طرفان متماثلان لا يختلف أحدهما عن الآخر. إن سوريا لديها ما تكسبه من خيار التوصل إلى تسوية مع إسرائيل. فإذا استطعنا أن نحقق التقدم على الساحة الفلسطينية قبل أن نشرك سوريا، فإن هذا الأمر سيُجنب إسرائيل مزيدا من الضغوطات في المفاوضات، وسيشجع دمشق بشكل أكبر على التفاوض بشكل أكثر جدية.
القصة مختلفة مع إيران. فربما ليس من الحكمة أن نجعل إيران جزءا لا يتجزأ من الإستراتيجية الإقليمية في البداية. والقضية النووية يجب التعامل معها كمسار منفصل. ففي ذروة شعورها الحالي بالنشوة، فإن إيران ليست لديها مصلحة كبيرة في تسهيل الأشياء علينا. ولكن إذا برهنا على تصميمنا وإذا أصبحت الأطراف الإقليمية أكثر مشاركة في ضمان الاستقرار في العراق، فإن الإيرانيين قد يُبدون استعداداً أكبر للتفاوض بشكل جدي.
وفي الوقت الذي تسير فيه المفاوضات على المسار الإسرائيلي- العربي، فإنه يجب أن تكون هناك بعض الخطوات السياسية في العراق التي من شأنها أن تشجع على الوصول إلى عملية تصالح وإنشاء حكومة موحدة هناك.
يجب أن يتم إعادة نشر القوات الأميركية بشكل تدريجي كي تبتعد عن التدخل في العنف الطائفي الدائر هناك. فهذه هي مهمة القوات العراقية، وذلك بصرف النظر عن كون القوات العراقية غير مؤهلة للتعامل مع الأمر أما لا. يجب أن يُعاد توجيه قواتنا كي تدرب الجيش العراقي، وتقدم ما يُطلب منها من دعم في محاربة العناصر المسلحة ومساعدة في حماية البنية التحتية بجانب التأكيد على المساعدة من الخارج.
هذا لا يعني أن يتم تقليص الوجود الأميركي في الفترة المقبلة، فالعكس هو الصحيح؛ غير أن أي زيادة في قوام القوات يجب أن توجه إلى إنجاز مهام محددة بشكل واضح. من غير المحتمل أن تتسبب أي زيادة عامة في القوات في إحداث تغير في الموقف وبالتالي فإن الأمر قد يؤدي إلى مزيد من الدعوات إلى الانسحاب. غير أن النقطة الجوهرية في هذا النقاش تتمثل في أن سحب القوات لا ينبغي أن يكون هدفا وإنما يجب أن يأتي كنتيجة لحدوث تغيرات في إستراتيجيتنا وكنتاج لنجاح جهودنا.
وفيما نشق طريقنا بصعوبة لمعالجة مشكلة يبدو أنه لا حل لها في العراق، يتعين علينا أن ندرك أن الأمر ليس مجرد قضية متعثرة يمكن أن ننسحب منها عندما يبدو وجودنا فيها مكلفا وباهظ الثمن. ليس العراق ولا استقرار الشرق الأوسط هما فقط القضيتان الموجودتان على المحك الآن، فالأمر الأكثر خطورة هو أن قدرة الولايات المتحدة على أن تكون شريكا في عالم يعاني مشكلات عميقة هي الأخرى أصبحت على المحك. ونحن لا نستطيع تحمل تبعات الفشل في هذا الاختبار.
ترجمة: حاتم حسين
عن «هيرالد تربيون»
