يتناول هذا الكتاب قضية شائكة تتعلق بجانب يعد الأهم في أزمات عصرنا الراهن ألا وهى قضية الهوية ومدى ارتباطها بشكل أو بآخر بتزايد العنف. ويعمد المؤلف أمارتيا سين، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، إلى الغوص في جذور العديد من الصراعات الإثنية في مختلف مناطق العالم والكشف عن مدى ارتباطها بالشعور بالهوية. ويشير المؤلف إلى أن ما يسميه «وهم الهوية» يفسر استمرار وتواصل الكثير من النزاعات والصراعات التي اندلعت في عصرنا الراهن، ويعرج كذلك على المفاهيم المغلوطة لدى بعض المفكرين في محاولاتهم لتفسير أسباب الصراعات، حيث يوجه الانتقاد لنظرية صمويل هنتنغتون حول صراع الحضارات انطلاقاً من الأساس الذي بنيت عليه وهو أساس قائم على التقسيم الديني.
ينطلق المؤلف من مقولة لأوسكار وايلد يشير فيها إلى مدى الارتباط بين البشر رغم ما قد يبدو عليهم من اختلاف ظاهري حيث يقول: «إن معظم الناس هم أناس مختلفون» ويفسرها قائلاً إن أفكار الناس وتفكيرهم إنما تعتبر وليدة لآراء الآخرين ومعتقداتهم كما أن حياتهم ما هي إلا تقليد لحيوات آخرين، ليس هذا فحسب ولكن عواطفهم تتأثر بعواطف الآخرين أيما تأثر. يقول المؤلف سين في معرض التعليق على هذه الرؤية إن الإنسان يتأثر حقيقة بدرجة مذهلة بالناس الذين يتعرف عليهم ومن هنا نجد الكره الطائفي الذي تم الترويج له بفاعلية ينتشر انتشار النار في الهشيم على النحو الذي شهدناه مؤخراً في كوسوفو والبوسنة ورواندا وتيمور الشرقية وإسرائيل وفلسطين والسودان وكثير من الأماكن الأخرى في العالم التي تشتعل التهاباً بنيران النزاعات والحروب. غير أن أمارتيا يشير في تعقيب على ذلك إلى أن الكثير من النزاعات والصراعات التي اندلعت في العالم إنما استمرت وتواصلت فقط على خلفية ما يعتبره وهم الهوية الوحيدة التي لا خيار فيها ولا اختيار. وفي محاولة لتفسير ذلك الوهم يشير المؤلف إلى أن أحد المنابع الرئيسية للصراعات في عالمنا المعاصر إنما يكمن حقاً في الافتراض بأن الناس على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم يمكن تصنيفهم على أساس ديني وثقافي، فالإيمان بالقوة المهيمنة للتصنيف الفردي أمر يمكن أن يجعل العالم متوهجاً مشتعلاً، وهاهو العالم غالباً ما ينظر إليه على أنه مجموعة من الديانات أو الحضارات والثقافات متجاهلين في ذلك الهويات الأخرى التي يتبناها الناس ويقدرونها، وتشمل تلك الهويات الطبقة والنوع والمهنة واللغة والعلوم والأخلاق والسياسة. ويضيف سين ان هذه الأسباب الفريدة للخلافات تعرضنا للمواجهة أكثر من التصنيفات المتنوعة التي تشكل العالم الذي نعيش فيه.
عنف الوهم... في إشارته إلى قوة الشعور بالهوية يعرض سين لمشاعر الكاتب الإفريقي الأميركي لانجستون هيوز والتي عرض لها في كتابه البحر الكبير حيث أعرب لانجستون في هذا الكتاب عن بهجته العارمة والفرحة الغامرة التي غمرته إبان مغادرته نيويورك قاصداً إفريقيا. وفي تعبير ذي دلالة بالغة على أحاسيسه قال لانجستون: «إنها مثل إزاحة مليون قطعة طوب من على قلبي». لقد ولى لانجستون وجهه شطر قارته إفريقيا الوطن الأم لكل الزنوج وهو يقول: قريباً سألمس بكل حواسي وأرى بأم عيني إفريقيا وليس مجرد القراءة عنها في ثنايا صفحات الكتب. في تفسيره لهذه المشاعر يشير المؤلف إلى أن الشعور بالهوية الذي يخامر المرء يمكن أن يكون مصدراً لا ينضب ونبعاً لا يجف ليس فقط للفخر والفرح وإنما أيضاً للقوة والثقة. ويضيف على هذه الخلفية انه ليس هناك ما يدعو للدهشة والانبهار من أن تلقى فكرة الهوية ذلك الإعجاب الواسع النطاق بشكل جارف من المناصرة والدفاع لحبك لجارك إلى نظريات رفيعة لرأس المال الاجتماعي والتعريف بالذات، غير أن المشكلة على الجانب الآخر تتمثل في أن الهوية يمكن أن تؤدي إلى القتل بل والإسراف في القتل، وذلك في ضوء حقيقة أن الشعور القوي بالانتماء لمجموعة يمكن في حالات عديدة أن يحمل في طياته وبين ثناياه مفهوم البعد والتباعد لهذه المجموعة عن غيرها من المجموعات.
وفي محاولة لتجسيد رؤيته النظرية تلك يشير المؤلف إلى أنه قد يقال لنا على حين غرة اننا لسنا فقط روانديين ولكننا على وجه التحديد من الهوتو، أي أننا نكره التوتسي ونمقتهم، أو أن يقال لنا اننا لسنا حقاً مجرد يوغوسلاف ولكننا في الواقع صربيين فنحن بالتأكيد المطلق لا نحب المسلمين. وعلى ذلك فإن الشعور بالهوية يمكن أن يكون له تأثير مزدوج في جانبين بالغي الاختلاف فهو من ناحية يمكن أن يسهم إسهامات مهمة في قوة علاقتنا بالآخرين ويذكي حرارتها ودفئها مثل علاقتنا بالجيران وأعضاء المجموعة الواحدة ومواطني البلد الواحد وأتباع الدين الواحد، ومن ناحية أخرى يمكن أن يلقي بتأثير سلبي يؤدي إلى حد القتال بين أفراد الوطن الواحد. ويشير المؤلف في إطار تفصيله لهذا الجانب إلى أنه يمكن لتركيزنا على هويات معينة أن يثري علاقاتنا ويدعم روابطنا ويقويها ويجعلنا نقوم بعمل العديد من الأشياء للآخرين بمد يد العون وروافد المساعدة لهم مما يجعلنا نخرج بعيداً بعيداً عن التمركز حول ذواتنا وحياتنا، ويستعير المؤلف في ذلك المفهوم الذي قدمه أحد الكتاب الغربيين وهو روبرت بوتمان وآخرون حول ما يسمى برأس المال الاجتماعي والذي يوضح بجلاء ناصع كيف يمكن للهوية والانتماء إلى الآخرين في داخل نفس المجتمع أن يجعلا الحياة أفضل وأرقى للجميع، فالإحساس بالانتماء في المجتمع ينظر إليه على أنه أحد الموارد مثله في ذلك مثل رأس المال.
ورغم تأكيد المؤلف على أهمية مثل هذا الفهم وكونه على قدر كبير من الأهمية إلا أنه يشير إلى أنه ينبغي تدعيمه وتقويته بمزيد من الاعتراف بأن الإحساس بالهوية يمكن أن يستبعد الكثير والكثير من الناس تماما مثل قدرته ـ مفهوم الهوية ـ على احتضان الكثيرين تحت عباءته في دفء وثير. وعلى هذا قد يبدو من الغريب وفق الصورة التي يقدمها أمارتيا سين أن نلمس ذلك التحول الذي يمكن أن يحدثه الشعور بالهوية على حركة المجتمع على النحو الذي يمكن معه لمجتمع ذي نسيج متضامن متكامل يقوم فيه الأعضاء بعمل المعجزات والأشياء الهائلة المدهشة للغير بدافع من غرائزهم وتحفيز من فطرتهم أن يكون هو المجتمع نفسه الذي يتم فيه تقاذف قوالب الطوب من نوافذ المهاجرين الذين قدموا إليه من بقاع أخرى.
من هذا النقاش النظري ينتقل المؤلف إلى أرض الواقع، مشيراً إلى أن العنف المزروع مع صراعات الهوية يبدو أنه يعاود الظهور في شتى أرجاء المعمورة بمثابرة متفاقمة متزايدة وحتى بعد تغير موازين القوى في رواندا والكونغو نجد استمراراً لاستهداف فئة من قبل أخرى في تزايد صارخ، وعلى شاكلة هذا الوضع وإن بصورة أخرى يتكرر الوضع في السودان حيث الانقسامات العرقية والتي تفاقمت في دارفور وإن كان المؤلف هنا يحمل على الجانب الرسمي الحكومي حيث يحمله المسؤولية عن استمرار الاضطرابات في الإقليم.
ويمد المؤلف نظره إلى منطقتنا فيشير إلى ما يجري على الأراضي الفلسطينية وفي إسرائيل من معاناة على خلفيات يراها تتعلق بالهوية، وهى معاناة كفيلة بزرع الاستعداد لدى كل طرف لأن يوقع أشد العقاب بالطرف الآخر. أما تنظيم القاعدة فيراه يعمل على زرع الهوية الإسلامية ذات الصبغة العسكرية واستغلالها وخصوصا فيما يتعلق باستهداف المواطنين الغربيين، وتتوالى التقارير وتتدافع بفضائح مخزية بروائح الكراهية من سجن أبو غريب وغيره من أماكن مشابهة أخرى قام فيها الجنود الأميركيون والبريطانيون، الذين أرسلوا في الأساس دفاعا عن الحرية والديمقراطية، بعمليات تعذيب للمعتقلين وللمساجين بطرق تملؤها البشاعة وتبعد كل البعد عن المعايير الإنسانية.
الاعتراف بالانتماءات
في ضوء هذه الخلفية يتساءل المؤلف عن أنه إذا كان التفكير القائم على الهوية يعتبر مسؤولا عن مثل هذه الممارسات الوحشية فمن أين يأتي العلاج؟
يقر أمارتيا سين بصعوبة البحث عن العلاج لوضع يقوم على محاولة قمع الهوية أو خنقها بشكل عام، باعتبار أن الهوية يمكن أن تكون مصدرا للثراء والدفء في العلاقات ومنبعاً للعنف والإرهاب أيضاً، وعلى ذلك فإن التعامل معها على أساس أنها شر عام إنما يعبر عن رؤية محدودة. ويضيف: ولكن من الأفضل لنا أن نعتمد على الفهم القائل بأن قوة الهوية المولعة بالقتال والحروب يمكن تحديها عن طريق قوة الهويات المتنافسة وهذا بالطبع يشمل أوجه الشبه العديدة للنواحي الإنسانية المشتركة ولكن أيضا هناك طرق عديدة لتصنيف الناس يمكن أن تقيد من استغلال النواحي العدائية لتصنيف معين. وكمثال على ما يريد الإشارة اليه يقول سين إن عامل الهوتو من كيجالي قد يتم الضغط عليه ليرى نفسه على أنه هوتو فقط وتحفيزه لقتل كل من هو توتسي ومع ذلك فهو ليس هوتو فقط وإنما هو أيضا كيجالي ورواندي وأفريقي وعامل وإنسان، فمع الاعتراف بتعددية هوياتنا ومفاهيمنا المتنوعة فإن هناك حاجة مشتركة وهامة لنرى دور الاختيار في تحديد صلة الهويات الخاصة التي لا تجد مناصا من تنوعها وتباينها.
إن الفكرة التي يبني المؤلف عليها أساس رؤيته إنما تتمثل فيما يمكن اعتباره تعدد هويات الفرد في المجتمع. ومن هذا المنطلق يقول: في حياتنا العامة نرى أنفسنا أعضاء لعدد من المجموعات المتنوعة فنحن ننتمي لها جميعا. إن مواطنة الشخص ومقر إقامته والمنشأ الجغرافي والنوع والطبقة والسياسة والمهنة والوظيفة والعادات الغذائية والاهتمامات الرياضية والتذوق الموسيقي والالتزام الاجتماعي وما إلى ذلك، كلها تجعلنا أعضاء في عدد متنوع من المجموعات. ولعل هذه الرؤية التي يقدمها المؤلف تجد صحتها في وجود تداخل حقيقي بين أفراد مجتمع واحد رغم تقاطع الهويات، وهو الأمر الذي يمكن أن نلمسه بشكل واضح في هوس تشجيع كرة القدم الذي يمكن أن يكون عاملا للجمع وليس للفرقة بين أبناء وطن ذوي هويتين مختلفتين، وهنا فإن المؤلف يذهب إلى ضرورة تطوير مثل هذه العوامل لكي تصبح هي ذاتها أحد مصادر الهوية للأفراد، أو بمعنى آخر هوية مختلفة، وهو ما يعزز مفهومه حول الهويات المتعددة للمجتمع أو المتنافسة مع التركيز على الهويات غير الخطرة أو التي يؤدي الالتزام بها إلى الاقتتال.
القيود والحريات
يميل كثير من المفكرين للقول بأن الهوية السائدة هي مسألة تحقيق للذات وليست محل اختيار، ومع ذلك يشكك المؤلف في هذه الرؤية مشيرا إلى أنه من الصعب تصديق أن لا يكون لدى المرء أية اختيارات في تقرير الأهمية النسبية التي ترتبط بالمجموعات المختلفة والتي ينتمي هو إليها و نجده لذلك يدعو إلى إتاحة المجال أمام التعبير عن الهويات المختلفة والتي يراها غير ضارة كما لو كان الأمر ظاهرة طبيعية محضة مثل تحديد ما إذا كان الوقت ليلا أم نهارا على حد تعبيره.
يمضي المؤلف في انتقاده لرؤية الهوية الإجبارية ليقول إننا جميعا نقوم بالاختيارات إن لم يكن صراحة وبشكل مباشر بشأن الأولويات التي تربطنا بانتماءات مختلفة وترابطات متنوعة. ومن هذه المقولة يقرر أن حرية تحديد ولاءنا وأولوياتنا بين المجموعات المختلفة لجميع ما يمكن أن ننتمي له هي حرية مهمة على وجه الخصوص ولدينا الأسباب في أن نعترف بها ونقدرها وندافع عنها.
غير أنه وفيما يعكس رؤية واقعية يقرر سين أن وجود الاختيار لا يشير بالطبع إلى عدم وجود قيود تحجم الاختيار وبالفعل فإن الاختيارات دائما ما تتم داخل حدود ما هو ممكن وذو جدوى. إن الجدوى في حالة الهوية سوف تعتمد بدرجة كبيرة على الخصائص الفردية والظروف التي تحدد الاحتمالات البديلة المتاحة لنا.
وفي معرض التأكيد على رؤيته يشير إلى أنه على مستوى الواقع لا يوجد أي شيء يمكن أن يكون أساسيا وجوهريا وشاملا أكثر من الحقيقة القائلة بأن الإختيارات في كافة المناحي ومختلف الميادين دائما ما تكون في إطار حدود مقيدة وقيود محددة، فعلى سبيل المثال عندما نقرر أن نشتري من السوق، لا يمكن لنا أن نتجاهل حقيقة أننا مقيدون بمقدار محدد من المال لننفق منه، فقيود الميزانية كما يسميها علماء الاقتصاد توجد في كل مكان وزمان فهي كلية الوجود.
إقناع الآخرين
لا يقتصر الأمر في التعامل مع مشكلة الهوية عند هذا الحد والمتعلق بقدرة الأفراد على تحديد اختياراتهم وكذا إدراك القيود المتعلقة بهذه الاختيارات وإنما يمتد الأمر إلى الموقف مع الآخرين وضرورة إقناعهم باختياراتنا. يقول سين: وبالرغم من ذلك وحتى عندما نكون واضحين بشأن كيفية رؤيتنا لأنفسنا فقد تكون هناك صعوبة في القدرة على إغراء الآخرين بأن يرونا بذات الطريقة، فالشخص غير الأبيض في جنوب افريقيا إبان حقبة الفصل العنصري لا يمكن له أن يصر على أن يعامل فقط كإنسان وذلك بغض النظر عن الملامح العرقية، فلقد تم وضعه بشكل نمطي داخل الفئة التي خصصتها له الدولة والقوة المسيطرة على المجتمع. وينتهي المؤلف من ذلك إلى الإشارة إلى أن حريتنا للتأكيد على هويتنا الشخصية يمكن أن تكون محدودة بشكل استثنائي في عيون الآخرين بغض النظر عن كيفية رؤيتنا لأنفسنا.
يشير المؤلف بعد ذلك إلى أن الواقع يكشف عن أن حالات عدم المساواة التقليدية مثل المعاملة غير العادلة للنساء في مجتمع يسيطر عليه الجنس وحتى العنف أو التمييز ضد أعضاء في مجموعة عرقية أخرى، أمر مستمر طالما واجه قبولا لا اعتراض فيه للمعتقدات الواردة بما في ذلك الأدوار الخاضعة المستسلمة للضحايا التقليديين.
صراع الحضارات
ينتقل المؤلف بعد هذا الاستعراض إلى مناقشة نظرية هنتنغتون حول صراع الحضارات وموقعها من قضية الهوية، فيشير إلى أن هناك استخداما جديرا بالملاحظة حري بالانتباه للفردية التي نجدها في الفكرة التصنيفية الأساسية التي تقوم بدور الخلفية الثقافية لفرضية صراع الحضارات والذي سيطر على ساحة النقاش الفكرية العالمية في الآونة الأخيرة وخصوصا عقب صدور الكتاب المدوي لصمويل هنتنجتون «صراع الحضارات وإعادة رسم النظام العالمي الجديد».
ويرى سين أن الصعوبة التي تكتنف هذا الاتجاه تبدأ بالتقسيم الفريد قبل إثارة موضوع الصراع من أصله. وحسب قوله فإن فرضية صراع الحضارات في الواقع إنما هي متطفلة على القوة المهيمنة لتصنيف فريد على ما يسمى بالخطوط الحضارية والتي تأتي عقب انقسامات دينية تسترعي الانتباه.
يقارن هنتنغتون الحضارة الغربية بالحضارة الإسلامية والحضارة الهندوسية والحضارة البوذية وما إلى ذلك. ومن الواضح هنا أن المؤلف يتجه على النحو الذي رأيناه بخصوص إشارته إلى فكرة الهويات المتنافسة إلى انتقاد هنتنغتون وتركيزه على هذا الجانب باعتباره مظهرا واحدا للهوية بينما هناك مظاهر عديدة أخرى للهوية كان يمكن أن تحظى باهتمام هنتنغتون. وهو ما يبدو في قوله: في الواقع يمكن تصنيف الناس وفقا لنظم أخرى للتقسيم كل منها له صلة بعيدة المدى بحياتنا ومثل ذلك الجنسيات والمواقع والطبقات والمهن والوضع الاجتماعي واللغات والسياسة وغيرها الكثير والكثير، في حين نجد أن التصنيف القائم على صراع الحضارات هو الذي تلقى الكثير من الاهتمام وجذب انتباه الكثير من الشعوب في الأعوام القليلة الماضية بينما من غير المفترض أن يلغي كل التقسيمات الأخرى أو يقضي عليها.
وعلى ذلك يقول سين إننا في تقسيم سكان العالم إلى المنتمين إلى العالم الإسلامي أو العالم الغربي أو العالم الهندوسي أو العالم البوذي فإن قوة التقسيم للأولوية التصنيفية يتم استخدامها لوضع الناس داخل مربعات صارمة، ويشير إلى أن هناك تقسيمات أخرى مختلفة مثل الأغنياء والفقراء أو بين أعضاء طبقات مختلفة ومهن متنوعة أو بين شعوب وسياسات مختلفة أو بين جنسيات متباينة أو مواقع سكنية أو مجموعات لغوية وما إلى ذلك. كل هذه التقسيمات سوف تغطيها تلك الطريقة الأولية لرؤية الاختلافات بين الناس.وعلى ذلك فإن التحفظات التي يمكن إدراجها على نظرية صراع الحضارات إنما يجب أن تكون محل حوار بين أبناء مختلف الحضارات الأمر الذي يراه المؤلف مطلوبا بشدة هذه الأيام.
يشير سين إلى أن رؤيته لا تذهب إلى الإتحاد بين الأديان كما قد يفهم من حديثه غير أنه يوضح أن زيادة الاعتماد على تصنيف شعوب العالم استنادا إلى الديانات سوف يتجه لجعل الاستجابة الغربية للإرهاب الدولي والصراع كأمور في أيدي هواة وهنا يشير سين إلى ضرورة التعامل باحترام مع الشعوب الأخرى خاصة بالنسبة للجوانب المتعلقة بدينهم في إشارة إنتقادية إلى نمط التعامل الغربي مع العالم الإسلامي على وجه خاص. وفي ذلك ينتقد سين الرؤية الأحادية للغرب في التعامل مع المسلمين قائلا: إننا في مواجهة ما يسمى بالإرهاب الإسلامي في خضم تلك المفردات والمصطلحات المشوشة والمعكرة في السياسة الدولية المعاصرة فإن القوة الفكرية للسياسة الغربية تهدف إلى محاولة تعريف الإسلام أو إعادة تعريفه.
والمأخذ الذي يورده سين على هذه السياسة يتمثل في أنه مع التركيز على البعد الديني يجب ألا يفوتنا الاهتمامات الأخرى والأفكار التي تحرك الناس ويكون لها أيضا تأثير في رفع صوت الدين والسلطة الدينية. وكمثال عملي على ما يذهب اليه يشير المؤلف إلى خطأ النهج الغربي في النظر إلى بعض ممثلي الدين على أنهم المتحدثون باسم العالم الإسلامي، وذلك على الرغم من أن عدداً كبيراً من الناس الذين تصادف أنهم مسلمون لديهم اختلافات عميقة عما يصدر عن ممثل أو آخر من هؤلاء الذين يتم نسبة الإسلام إليهم.
وتبدو هنا بوضوح الفكرة الأساسية التي يعمل المؤلف على توصيلها إلى القارئ والمتمثلة في أن العالم الغربي بأكمله وليس فئات منه فقط إنما تنظر إلى العالم الإسلامي وفق مفهوم الكتلة الصماء، أي أنه كتلة واحدة، فيما أن الحقيقة غير ذلك حيث تشير إلى التنوع الفكري حتى في إطار الإسلام وهو ما يراه سين يعبر عن خطأ منهجي وجوهري في تعامل الغرب مع الإسلام والمسلمين.
عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق



