يتناول المؤلف في هذه الحلقة، وهي الأخيرة من عرضنا لهذا الكتاب، قضية مهمة للغاية وهي مشروع الرئيس الأميركي جورج بوش للشرق الأوسط الكبير الذي أثار جدلاً كبيراً منذ الإعلان عنه في يونيو 2004، حيث يلفت انتباهنا هنا حقيقة أن هذا المشروع قد تم استلهامه من كتاب لناتان شارانسكي، السياسي الإسرائيلي اليميني المتشدد، ومن أفكار شيمون بيريز حول الشراكة الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط.

ولكن ما يستوقفنا حقاً هو أن هذا المشروع قد جرى التشاور حوله مع دبلوماسيين من دول أوروبية عارضت الحرب على العراق، مما يشير إلى أن الهدف الأميركي من طرحه إنما كان استدراج القوى المعارضة للحرب إلى صيغة اتفاق تحالفية حول منطقة تعد الأهم استراتيجياً على مستوى العالم.

بعد إعادة انتخاب جورج دبليو بوش للمرة الثانية رئيساً للولايات المتحدة الأميركية استقبل في البيت الأبيض ناتان شارانسكي، المعارض السوفييتي السابق الذي جعل من نفسه رئيساً للإسرائيليين ذوي الأصول الروسية والمعروف بموقعه اليميني المتطرف على رقعة الشطرنج السياسية للدولة العبرية.

ويؤكد مؤلف هذا الكتاب، بالاعتماد على ما ردده العديد من المستشارين في البيت الأبيض، أن جورج بوش بعد أن قرأ كتاب شارانسكي عن «الدعوة للديمقراطية»، قرر جعل الشرق الأوسط «ديمقراطياً». وأصبح شارانسكي أيضاً مقرّباً من نائب الرئيس ديك شيني وأحد «مصادر إلهام» مراكز البحث القريبة من الحكومة الأميركية. كما يتم التأكيد هنا على أنه لم يكن بعيداً عن الخطاب الذي ألغاه الرئيس الأميركي بوش بتاريخ 24 يونيو 2002، والذي شهد الانقلاب الكبير في السياسة الأميركية حيال مسيرة السلام الإسرائيلي ـ الفلسطيني.

ويؤكد المؤلف أيضاً «أنه في كتاب شارانسكي توجد الخطوط الرئيسية للنمط الذي نفّذه فريق بوش بالنسبة للعالم العربي ـ الإسلامي، حيث يتم تشبيه هذا العالم بالاتحاد السوفييتي السابق مع تعريفه بأنه أكبر مصادر التهديد للعام الحر، خاصة بوجود العراق البعثي». ويرى المؤلف أن مثل هذا الخطاب المؤسس لرؤية جورج دبليو بوش للشرق الأوسط يتناظر مع «الأفكار الثابتة لدى الحليف الاستراتيجي الإسرائيلي، وخاصة لدى الجناح الليكودي».

وينقل المؤلف في هذا السياق عن كوندوليزا رايس تصريحات لها في صحيفة «واشنطن بوست» بتاريخ 14 ديسمبر 2005 جاء فيها تساؤلاً: «بكل الأحوال، من يفكر حقاً بعد 11 سبتمبر 2001 أن الحالة القائمة في الشرق الأوسط مستقرة، وانها تستحق الدفاع عنها؟»، ثم أضافت: «كيف كان قبول انه من التعقل المحافظة على الأوضاع كما هي في منطقة كانت تغذي الإرهاب وتصدّره، وحيث توجد أنظمة استبدادية تلقي مسؤولية فشلها على أمم وشعوب بريئة.

وحيث لبنان يرزح تحت الاحتلال السوري والسلطة الفلسطينية الفاسدة تهتم ببقائها أكثر مما تهتم بتطلعات مواطنيها، وحيث يقدم دكتاتور مثل صدّام حسين بذبح أبناء شعبه بكل حرية ويهز استقرار جيرانه ويخرّب الآمال بإمكانية الوصول إلى سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟ إنه من التوهم الاعتقاد أن الوضع في الشرق الأوسط كان أفضل قبل أن تأتي أميركا كي تشوش ذلك الاستقرار المزعوم».

في مثل ذلك السياق، وبعد مشاورات واستشارات شكلية مع دبلوماسيين فرنسيين وألمان وروس، أي من البلدان التي عارضت حرب العراق الأخيرة، جرى الإعلان رسمياً عن مشروع الشرق الأوسط الكبير، في شهر يونيو من عام 2004، أثناء قمة البلدان المصنّعة الكبرى الثماني في «سي إيلاند» بالولايات المتحدة الأميركية. كما وجد المشروع مكانه على جدول أعمال قمة أوروبا ـ الولايات المتحدة يوم 26 يونيو 2004 وقمة الحلف الأطلسي يومي 28 و29 يونيو في اسطنبول، فما هو مشروع الشرق الأوسط الكبير بالتحديد؟

إن الإدارة الأميركية فهمت تحت ضغط الرأي العام وأمام الصعوبات التي تواجهها في العراق وفي العديد من مناطق العالم والضعف الذي يعاني منه خطاب الحرب الشاملة ضد الإرهاب، أنه عليها الاعتماد على شراكات ذات مشاريع بناءة أكثر. هكذا جرى تقديم «الشرق الأوسط الكبير» كمشروع أميركي «لإعادة صياغة» اقتصادية واجتماعية وإستراتيجية لقوس يضم سبعة وعشرين بلداً، انطلاقاً من موريتانيا ووصولاً إلى باكستان، وذلك بفضل «استراتيجية متقدمة» للتحديث والديمقراطية والأمن.

صندوق الديمقراطية

ينقل المؤلف عن الرئيس بوش قوله أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: علينا أن نغيّر طريقتنا في مقاربة الأمر، وعلينا أن نساعد الإصلاحيين في الشرق الأوسط الذين يعملون من أجل الحرية ويريدون بناء أمم ديمقراطية ومسالمة. ثم طالب بإنشاء «صندوق للديمقراطية». وركز على «ارادته» في مساعدة البلدان «كي ترسي أسس الديمقراطية عبر إقامة دولة القانون والمحاكم المستقلة والصحافة الحرة والأحزاب السياسية والنقابات».

ويتحدث مؤلف هذا الكتاب عن «رافد» آخر لمفهوم الشرق الأوسط الكبير يتمثل في أفكار «شيمون بيريز» الرئيس السابق لحزب العمل الإسرائيلي وخاصة قوله بوجوب بذل الجهود «كي تتم إدارة السياسة بواسطة الاقتصاد وعبر إقامة نوع من السوق المشتركة في الشرق الأوسط على غرار ما كان قد جرى في أوروبا، مما يجعل من غير المتصور حدوث مجابهات عسكرية»، وعلى سؤال حول معرفة كيفية توزيع وسائل الإنتاج والثروات، أجاب بيريز «دون أن يرف له جفن» أن «الأكثر قدرة على الإبداع والأكثر نشاطاً في الميدان الاقتصادي هم الذين سيقررون».

وكان الأميركيون، كما يشرح المؤلف يرون الأمور بمنظار أوسع، فالشرق الأوسط الكبير الذي يدعون له يضم ثلاثة وعشرين بلداً هي الأعضاء في الجامعة العربية وأربعة بلدان غير عربية هي تركيا وإسرائيل وأفغانستان وباكستان وعدد سكان هذا المجموع يزيد عن 600 مليون نسمة أي 10% من مجموع سكان العالم و4% من ثرواته.

لكن هذا المجموع الهائل متنافر إذ يضم بلدين نووين هما باكستان وإسرائيل وبلداً ذا اقتصاد مزدهر مثل تركيا وآخر يمتلك أكبر الاحتياطات البترولية في العالم وهو السعودية لكن إسرائيل وحدها هي التي تمتلك بنفس الوقت القوة والتطور الاقتصادي.. وينقل المؤلف عن دبلوماسي عربي في واشنطن قوله إن مشروع الشرق الأوسط الكبير له «إجمالاً» سبب واحد يؤمن تلاحمه هو سبب إستراتيجي «لكنه تلاحم جرى تقرير أسسه وطرق إدارتها من قبل واشنطن وتل أبيب فقط».

ويقرّ المؤلف انه «عند النظر حقيقة إلى خارطة الشرق الأوسط الكبير لابد من التساؤل عن المستفيد من هذا التحديد غير المتجانس للمجال المعني». ويثير هنا إلى عنوان كتاب لايف لاكوست، أحد الآباء المؤسسين للمدرسة الفرنسية في ميدان الجغرافيا السياسية. العنوان هو: «الجغرافيا تخدم أولاً في إثارة الحرب».

وهذا ما يبيّن أهمية الجغرافيا في الشؤون العسكرية، ويرى لاكوست أن المجال الجغرافي بمكوناته ـ الأرض والجو والبحر ـ يشكل مسألة جوهرية لأية عملية عسكرية، وهنا يؤكد المؤلف قوله: «إن ما يشغل اهتمام استراتيجيي البنتاغون هو أنه في منطقة شاسعة ومتنافرة بهذا الحجم ـ الشرق الأوسط الكبير ـ تتشكل الحرب، والحرب ضد الإرهاب، القاسم المشترك بالنسبة لهم».

وتتم الإشارة هنا أيضاً إلى أن خارطة الشرق الأوسط الكبير «تخفي» الهوية العربية وتعقيداتها وتناقضاتها والتي يكتفي الأميركيون برؤيتها عبر منظور شامل، ثم إن نكران خصوصيات البلدان المعنية وفرض نمط واحد من «شكل الحكم» إلى كيانات جديدة متجانسة اثنياً ودينياً، كما كان قد توقع استراتيجيون إسرائيليون.

ويرى المؤلف أيضاً أن خارطة الشرق الأوسط الكبير تنقل مركزقوس الأزمات في العالم العربي ـ الإسلامي، أي النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، إلى أفغانستان والعراق وباكستان وهذا يعني أن أصحاب مبادرة الشرق الأوسط الكبير، بنفيهم مركزية النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي من أجل محاولة انحلاله في سياق جيوسياسي أوسع بكثير، إنما يبحثون عن تشبيه مطلب التحرر الوطني بالتهديد الإرهابي، وهذا ما عبّر عنه دبلوماسي عربي في واشنطن بالقول: «بالنسبة لمخترعي الفكرة، فإن إنشاء شرق أوسط كبير جداً سوف يجنب بالتأكيد إنشاء فلسطين صغيرة».

وما يتم تأكيده هو أن بعض الدلائل قد ظهرت أصلاً على مشروع الشرق الأوسط الكبير، حيث اتضحت أكثر فأكثر الغابات العسكرية والإستراتيجية أساساً للعملية. أما المدافعون عن فكرة الدفاع الأوروبي فليس لديهم أدنى شك بأن الولايات المتحدة تبحث من خلال إطلاقها للمشروع عن جعل الحلف الأطلسي بمثابة «الذراع العسكري» للشرق الأوسط الكبير.

وهذا ما كان قد عبّر عنه بوضوح نائب وزير الخارجية الأميركي منذ 28 و29 يونيو 2004 اثناء قمة الحلف الأطلسي في اسطنبول عندما قال: «إن مهمة الحلف الأطلسي هي الدفاع عن أوروبا وأميركا الشمالية». ولكن هذا ليس ممكناً عبر البقاء في إطار أوروبا الغربية وأوروبا الوسطى وأميركا الشمالية.. إن مستقبل الحلف الأطلسي هو في الشرق والجنوب، وهو في الشرق الأوسط الكبير».

بدايات واعدة

كان قد ساد لفترة من الوقت الاعتقاد بأن الأميركيين سوف يتخلون عن الحلف الأطلسي إذ لم يعد لهم أعداء ولا متهمات مع زوال الاتحاد السوفييتي السابق وحلف وارسو، وانه كما جرى في حالة العراق سيتم تفضيل اللجوء إلى إقامة «ائتلافات حسب الطلب» مكوّنة من «متطوعين» ينضوون تحت لواء «الرؤية الأميركية» للعالم.

بالمقابل كانت أوروبا الدفاعية «قد عرفت بدايات «واعدة» أثناء انعقاد مؤتمر سان مالو عام 1998.. وامتلكت بعد ذلك أدوات عسكرية ومؤسساتية مهمة وقوة تدخل سريع وثلاث عشرة «مجموعة تكتيكية» تضم 1500 عنصر، وقيادة عامة أوروبية ووكالة للدفاع ومعهد أوروبي للدفاع وعقيدة حقيقية للأمن.

لكن مثل هذه «الاندفاعة» خفتت الآن بسبب سياسات التقشف في الميزانية المطبقة في أغلبية بلدان الاتحاد الأوروبي الخمسة والعشرين مما ترتب عليه خفض الميزانيات الدفاعية، ومنذ البداية أيضاً أبدت الولايات المتحدة الأميركية نوعاً من العدائية حيال قيام إطار دفاعي أوروبي وقامت بالمناورات لوضع العراقيل والعقبات أمام كل مرحلة من تطورها، كما جهدت كي تضعه «تحت وصايتها».

ولهذا لم تتردد في تنشيط الحلف الأطلسي، لاسيما وأن الدول الأخيرة التي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي قريبة في توجهاتها «الدفاعية» من الأطروحات الأطلسية، وذلك على أساس أن هذه البلدان ترى في الحلف الأطلسي أفضل وسيلة لضمان الأمن في مواجهة «جار روسي لا يزال يبعث الكثير من القلق».

كما أن أغلبية الدول الأوروبية تجد في اللجوء إلى الحلف الأطلسي وسيلة لتحقيق «وفورات مالية» كبيرة على حساب بناء «أوروبا الدفاعية»، واليوم هناك بلدان مثل اليونان وبريطانيا وفرنسا تكرس 2% من ميزانيتها للدفاع، وهذه النسبة هي الحد الأدنى الذي لا يمكن من دونه امتلاك أي تأثير حقيقي على السياق الإستراتيجي العالمي.

وينقل المؤلف في هذا السياق عن «روبرت كاجان»، أحد منظري المحافظين الجدد، قوله: «إن الأوروبيين يصبون جهودهم على المشاكل ـ الأخطار ـ حيث يمكنهم استخدام نقاط قوتهم ولكن ليس على التهديدات التي قد تخفق أية محاولة لإيجاد حل بسبب ضعفهم، وإذا كانت الثقافة الإستراتيجية الحالية لأوروبا تعطي قيمة أقل للقوة ولسلطة السلاح لصالح استخدام أدوات أقل عدائية مثل الاقتصاد والتجارة، أفلا يعود هذا إلى واقع ضعف أوروبا عسكرياً وقوتها اقتصادياً؟.

أما الأميركيون فإنهم يميلون إلى الاعتراف بوجود التهديدات بل إلى تصورها عندما تكون غير مرئية للآخرين وذلك لأنهم يستطيعون التأمل بقدرة التحرك من أجل صدّها»، وهذا يعني وجود مفهومين، أوروبي وأميركي، متعارضين في التعامل مع القوة التي يؤمن الأميركيون بها بينما تخلى الأوروبيون عنها.

وهذا ما يعلق عليه المؤلف بالقول إن «هذه البلاغة الغربية حول ما هو غير مرئي، والمتواكبة مع سيكولوجية ـ اثنية أكثر غرابة، والشائعة كثيراً بين مجموعة الباحثين من المحافظين الجدد أو القدماء، تقدم مقياساً للسياق الأيديولوجي الذي ساد أثناء التحضير للحرب ضد الإرهاب والحرب على العراق ومشروع الشرق الأوسط الكبير»، ويرى أن واشنطن بسعيها إلى أن تجعل من الحلف الأطلسي «الذراع العسكري» للشرق الأوسط الكبير، إنما أرادت أن تحقق هدفاً مزدوجاً.

فمن جهة تريد التذكير أن الحلف الأطلسي يبقى بمثابة أداة سياسية ـ عسكرية في خدمة مصالحها الإستراتيجية ومن جهة أخرى تريد فرض صيغ العمليات المشتركة بين القوات الأوروبية وقواتها بحيث تؤمن مستقبل تأمين سيطرة لصناعاتها في ميدان التسليح، سيطرة لا ينازعها عليها أحد. هكذا لا تسعى الولايات المتحدة، عبر تحكمها بآليات عمل الحلف الأطلسي، إلى فرض أولوياتها الإستراتيجية على حلفائها فحسب، وإنما تسعى أيضاً إلى الاستفادة منهم مالياً.

خلال اجتماع وزاري للحلف الأطلسي كرس للشرق الأوسط، استفادت كوندوليزا رايس من التفاهم الفرنسي ـ الأميركي أخيراً كي تطرح من جديد عدة مشاريع قديمة كانت غير مقبولة سابقاً من قبل باريس وبرلين، وكانت ترمي من ذلك أن تجعل بعد أجل من الحلف الأطلسي «تحالفاً شاملاً» لا يمكن التدخل في الشرق الأوسط الجديد فحسب، وإنما أيضاً في إفريقيا وآسيا من دون إيلاء أي اعتبار لمنظمة الأمم المتحدة ولمجلس الأمن وللاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.

ويؤكد المؤلف أن تنشيط فكرة الشرق الأوسط الجديد ومكافحة الإرهاب إنما كان بقصد إطلاق مشروع تأسيس قاعدة دائمة للحلف الأطلسي في الشرق الأوسط.. ويؤكد الضباط الأميركيون رسمياً أن المقصود هو دفع الحلف بعد حين إلى الانخراط بشكل واضح في العراق، كما حدث في أفغانستان للقيام بـ «مهمات أمنية وفي منظور أبعد ـ كي تحل القوات الأطلسية محل القوات الأميركية.

ويسعى الأميركيون حسب التحليلات المقدمة دائماً، إلى جعل الأوروبيين يتحملون جزءا من الأعباء المالية المتزايدة للوجود العسكري الأميركي في العراق. و«هكذا سيتم القبول بالجهود المالية التي لا يريد الأوروبيون القيام بها من أجل أوروبا الدفاعية، ضمن إطار الشرق الأوسط الكبير في سبيل تمويل العمليات العسكرية التي يقررها الأميركيون».

لكن هذا لا ينفي واقع أن التقارب الفرنسي ـ الأميركي الأخير يواجه بعض الإشكاليات على الجبهتين التجارية والتمويلية. هكذا بدأ الأمين العام للحلف الأطلسي في مطلع عام 2006 بالشروع في برنامج لشراء طائرات بوينغ أميركية على حساب عرض سابق كانت قد قدمته باريس وبرلين في ربيع عام 2005. وقد دفع هذا العديدين في أروقة مقر الحلف الأطلسي في بروكسل للحديث عن «خيانة».

بل وينقل المؤلف عن جنرال بريطاني، غير مشكوك بهواه الأميركي، إلى القول: «مرة أخرى أيضا يستفيد الأميركيون من تحسن الأجواء بين ضفتي الأطلسي كي يخدموا مصالحهم التجارية وذلك في نفس اللحظة التي تسجل فيها المساهمة المالية لواشنطن في ميزانية الحلف الأطلسي أحد أدنى مستوياتها تاريخيا».

وبالتوازي مع تعزيز المساهمة الأوروبية في نشاطات الحلف الأطلسي، جرى تقارب ياباني معه أيضاً، وهذا ماعبر عنه مدير العلاقات الدولية في وكالة الدفاع اليابانية بالقول: «تريد اليابان تطوير تعاونها مع الحلف الأطلسي ضمن الحدود التي يسمح بها الدستور الياباني كالمشاركة مثلاً في العمليات الجارية بالعراق».

ويتم التأكيد في هذا السياق على أن إدارة الرئيس جورج دبليو بوش قد تلجأ إلى الحلف الأطلسي المزود بإمكانيات عسكرية جديدة يمكن أن تشارك في أي مكان بسهولة في كل مرة يستجد فيها وضع يتطلب استجابة ميدانية. ثم ان تطور الحلف الأطلسي الذي أثبت «عسكرة» السياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة كشف عن طموحات واشنطن.

وليس في إطار الشرق الأوسط الكبير فحسب وإنما أيضا في القارتين الآسيوية والأفريقية، هكذا أيضا و «للمرة الأولى في تاريخها تتصرف الولايات المتحدة الأميركية بإدارة عسكرية امبريالية جرى تصميمها و تنظيمها وتدريبها من أجل التدخل بطريقة غير محدودة وخارج إطار القواعد متعددة الأطراف».

القرن الآسيوي

مثل هذه النتيجة توصل إليها تقرير لـ «مجلس الأمن القومي» اقترح رؤية للعالم في أفق عام 2020 وينص هذا التقرير أنه من الآن وحتى خمسذ عشرة سنة قادمة سيكون التوجه المسيطر هو تسارع عملية العولمة حيث سيلعب الاقتصاد دائماً الدور الأول. وسوف يتابع الاقتصاد العالمي نموه بنسبة كبيرة بل وـ «زيادة أكبر بنسبة 50% للفرد قياساً إلى عام 2000» .

ويتوقع التقرير أيضاً أن جميع بلدان العالم سوف تستفيد من هذا النمو الذي سوف تشكل آسيا «محركه» وسوف يتركز الفرق بين الدول الفقيرة والدول الغنية «حول احترام مبادئ عمل اقتصاد السوق» .. هذا بينما ستساهم عملية انتشار التكنولوجيات الجديدة في زيادة نمو بعض الدول الفقيرة بفضل «حكوماتها». وباختصار «سوف يترك القرن العشرين الأميركي المكان للقرن الحادي والعشرين الآسيوي».

ويقول المؤلف، بالاعتماد على العديد من تحليلات الخبراء والاستراتيجيين، انه إذا كانت الصين والهند سوف تفرضان نفسيهما كقوتين «صاعدتين» فإن الولايات المتحدة سوف تبقى «القوة الأولى الشاملة» إذ أنها سوف تعرف كيف تساعد شركاتها في ظل العولمة بشكل أفضل عبر نقل نشاطاتها إلى بلدان أخرى. لكن تفوق الرأسمالية الأميركية لن يتأكد بعد عبر السيطرة الاقتصادية على بعض المناطق الجغرافية وإنما عبر «شبكات متعددة النشاطات» قادرة على التأقلم مع تبدلات الأسواق.

في المحصلة وانطلاقاً من استقراء الواقع القائم ومنظورات المستقبل يتم استقراء عدة إمكانيات مستقبلية تتمثل أهمها في أربع هي: أولاً سيادة عولمة تشكك بمفهوم الدولة ـ الأمة وثانيا تحقيق سلام أميركي يسبق التحولات الجيوسياسية الرئيسية خاصة ازدهار الصين والهند وثالثا احتمال صعود الحركات الإسلامية المتشددة في بعض مناطق العالم مع ما يترتب على هذا من انحسار القيم والنموذج الغربي ورابعا إمكانية توسع «دائرة الخوف» التي سوف تثقل على العالم في أفق عام 2020، خاصة بسبب ما يتعلق بالمخاطر المترتبة على انتشار أسلحة الدمار الشامل.

ويرى المؤلف أنه ليس لأوروبا مكان في هذه المنظورات الأربعة، بل ولا يمكنه استبعاد أن يتفكك الاتحاد الأوروبي إذا لم يتم التوصل إلى «عملية إحياء اقتصادي عميق جديدة». ويتم التأكيد في هذا الإطار على أن التقارب الأميركي ـ الأوروبي سوف يتعزز «بعد عمليات إرهابية كبيرة في عواصم القارة القديمة بأفق عام 2010».

نهاية السيادة

في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب يركز المؤلف على ما يسميه «نهاية السيادة» وهو يشير بذلك إلى العديد من الأحداث والأقوال التي صدرت عن قادة ومؤسسات أوروبية وجرى التأكيد فيها كلها على أن عدداً من المطارات في أوروبا قد جرى استخدامها لنقل سجناء إلى معتقل غوانتانامو مابين 2002 و 2004.. وفي بعض الأحيان من دون علم السلطات المحلية. وهذا كله يعني أن الولايات المتحدة لا تحترم سيادة حلفائها وهي التي تعتبر نفسها «أحد أعرق الديمقراطيات في العالم».

وهذا كله بذريعة أن أميركا هي «بلد استثنائي» يريد تصدير قيمة الديمقراطية إلى العالم كله. وينقل المؤلف عن باحثين أميركيين قولهما «إن الولايات المتحدة تسمح لنفسها القيام بما هو لا أخلاقي وغير مقبول ولا شرعي في كل مكان ـ خاصة خارج الأراضي الأميركية، ذلك أن المسيحيين المتزمتين فيها يعتقدون أن السماء قد خلقت هنا أرضا استثنائية ويرى الأقل تنويراً أننا قد أوجدنا ديمقراطية استثنائية في هذه القارة».

ويذكر المؤلف أن العمليات التي قامت بها أميركا باسم الحرب على الإرهاب لم تخرق سيادة الدول فحسب وإنما خرقت أيضاً ثلاث اتفاقيات دولية هي: «الميثاق العام لحقوق الإنسان الموقع عام 1948 و «اتفاقية جنيف الثالثة» لعام 1949 و «المعاهدة الدولية ضد التعذيب» لعام 1984.

وينقل المؤلف في الأسطر الأخيرة من هذا الكتاب ما قاله سفير فرنسي في أحد البلدان العربية الأساسية قوله : «بعد جاك شيراك، وكائنا من يكون رئيس الجمهورية المقبل، سوف يكون نفوذ فرنسا في الشرق الأوسط ضئيلاً، بل تافها».

ثم نقرأ في جملة أخيرة: «هل يعلن هذا النسيان للديغولية ولسياسة خارجية غير منحازة وفي المحصلة القول ان فرنسا تسير نحو انحطاط محتوم» .

عرض ومناقشة: محمد مخلوف