يتحدث المؤلف في هذه الحلقة عن تراجع دور الأجهزة السرية الفرنسية التي تتولى الاستخبارات الخارجية بدءاً من عهد فرانسوا ميتران ووصولاً إلى فترة الرئاسة الحالية لجاك شيراك، خاصة بعد انفصاح قيامها بالتنقيب في ملفات شيراك اللبنانية واليابانية وعلاقته برئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري.

ويشير الكتاب إلى النجاحات التي حققتها الأجهزة الاستخبارية الفرنسية في أفغانستان والشرق الأوسط وبداية التعاون مع الأميركيين بعد أحداث 11 سبتمبر من خلال تحليل الشريط المصور الذي يظهر أسامة بن لادن في أحد الكهوف وإرسال المعلومات حول المكان المحتمل الذي صور فيه الشريط إلى الاستخبارات الأميركية. وهنا يسجل لنا المؤلف وجود تقارب في الموقف الفرنسي من انتشار الأسلحة النووية مع الموقف الأميركي وخاصة إزاء مخاطر وقوعها بأيدي جماعات إرهابية.تتمتع الأجهزة السرية الفرنسية بسمعة جيدة في الولايات المتحدة الأميركية، وكانت الجمهورية الفرنسية الرابعة ـ الجمهورية الحالية هي الخامسة والتي أسسها الجنرال شارل ديجول عام 1958 ـ قد أعادت تنظيم جميع أجهزة الاستخبارات التي عملت في ظل مقاومة الاحتلال النازي خلال سنوات الحرب العالمية الثانية 1939 ـ 1945 لتنشئ منها الجهاز المعروف باسم «جهاز التوثيق الخارجي ومكافحة الجاسوسية».

وكان على رأس هذا الجهاز لمدة تزيد على عشر سنوات (1970 ـ 1981) الكسندر دومارنش. المعروف بعدائه الشديد للشيوعية وبالتالي كان مقبولاً جداً من قبل واشنطن.وكان «مارنش» بالتوافق مع نظرائه الأميركيين قد قام بالعديد من المهمات التي تنضوي تحت عنوان «الدبلوماسية الموازية» وأصبح مستشاراً لدى عدد من رؤساء الدول في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.

لكن عندما وصل فرانسوا ميتران إلى سدة الرئاسة في فرنسا عام 1981 قام بتطبيق أحد البنود التي كانت موجودة في برنامجه الانتخابي الذي خاض الانتخابات على أساسه باسم معسكر اليسار الفرنسي.. وكان ذلك البند ينص على حل جهاز التوثيق الخارجي ومكافحة الجاسوسية «وبتاريخ 14 ابريل 1982 أنشئ جهاز جديد بدلاً من الجهاز «المنحل» تحت اسم «الإدارة العامة للأمن الخارجي، أي الاستخبارات الخارجية، والذي أصبح من المحظور عليه القيام بأي نشاط استخباراتي فوق الأرض الوطنية الفرنسية.

تولى بييرماريون، الرئيس والمدير العام السابق للمطارات الباريسية إدارة الجهاز الجديد. لكن لم يلق هذا التعيين الإجماع لدى العسكريين الذين نظروا بشيء من الريبة لهذا «المدني» لاسيما وأنهم كانوا يرون به «رجل الاشتراكيين»، لم يستمر طويلاً في منصبه بعد الفشل المتكرر على صعيد مكافحة الإرهاب وخلفه الأميرال بيير لاكوست الذي زاد عدد المدنيين في الجهاز في ظل إدارته له من 45% عام 1989 إلى 60% عام 1993.

كما شهد الجهاز، ورغم الفضيحة التي أثارتها عملية تخريب سفينة «رنبو واريور» التابعة لمنظمة «السلام الأخضر» تحديثاً كبيراً. «لقد زادت إمكانياته كثيراً وانتشرت مراكزه في الخارج خاصة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى».

وينقل المؤلف عن مجلة «الجيش اليوم وما مفاده أن الاستخبارات الخارجية الفرنسية «تستخدم حالياً 3244 مدنياً و1369 عسكرياً من بينهم 25% من النساء. ويبلغ متوسط العمر 39 سنة. يضاف إلى هؤلاء أعضاء مجموعة العمل التي تضم ما بين 500 و700 عنصر مكلفين بمهمات استخبارات ومساعدة لدى بلدان أو حركات صديقة وبأعمال استطلاع وتحديد ورصد أهداف متنوعة كما فعلوا في أفغانستان».

ويشير المؤلف بالاعتماد على عدة مصادر أن جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية قد بدأ بالنشاط في أفغانستان منذ عام 1983 وقدم للمقاومة، خاصة للقائد أحمد شاه مسعود كميات كبيرة من الأسلحة والعتاد. وقد أثار مثل ذلك العمل إعجاب الأميركيين. كما جرى تدريب خمسة وعشرين من ضباط مسعود في فرنسا. وينقل عن أحد عناصر الاستخبارات الذين عملوا في أفغانستان قوله: «لقد قمنا بتدريب مجموعة من 110 مقاتلين من بينهم عدة عشرات من رجال المدفعية. كان عملنا رائعاً جداً ولكننا لم نعرف للأسف كيف نجني من ذلك ثماراً سياسية».

تعاون مع الأميركيين

في أكتوبر 2001، عندما أطلق الأميركيون عمليتهم العسكرية ضد نظام طالبان كان هناك أربعة عناصر من جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية يعملون في أفغانستان لدى قيادة أركان «أسد بنشير» وكان آخرون يتواجدون في مناطق «الباشتون» بالجنوب. ويؤدك المؤلف أن أولئك العناصر كانوا قد ساهموا في بعض النجاحات منذ غداة تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، وخاصة بعد بث الشريط المسجل الأول لابن لادن..

ذلك أن خبراء الإدارة العامة للأمن الخارجي الفرنسيين حددوا بالاعتماد على تحليل صور الصخور والمنحنيات لباب المغارة التي كان ابن لادن يجلس أمامها، المنطقة الجغرافية بل و«الموقع المحتمل» للمغارة. فقرأ: «بالاعتماد على معطيات أخرى من خرائط ورسائل العناصر العاملين في الميدان قام المركز الاستخباراتي الفرنسي بتحديد شبه دقيق للمكان الذي جرى فيه تسجيل الشريط المصور. وقد تم نقل المعلومات لقيادة الأركان الأميركية، لكن لم يتم استثمارها».

ويقر المؤلف أن «باريس وواشنطن تختلفان غالباً على الأهداف والأولويات والخطوات السياسية لمكافحة الإرهاب». ثم يضيف: «في الغالب يزيد التمييز الكبير في عمل الاستخبارات الفرنسية الخارجية من تلك الخلافات السياسية، خاصة بينما يتعلق بملفات الشرق الأوسط. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن عمل «الجواسيس الفرنسيين» في المنطقة يزعج غالباً نظراءهم الأميركيين لا سيما عندما يتوج ذلك العمل بتوقيع عقود مهمة لبيع السلاح.

ضمن هذا الإطار يرى مؤلف الكتاب أن جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي غدا «ضحية نجاحه» حيث سيتم «تكسيره» وستوكل مهمته الدولية في مكافحة الإرهاب إلى أجهزة أخرى «يمكن التحكم بها أكثر».

وتتم الإشارة هنا إلى الحجة التي يتم استخدامها ضده والمتمثلة في «تورطه» بفضيحة رشاوى وعمولات هي قضية «كلير ستريم» وهذا ما يعلق عليه المؤلف بالقول: «ليست هذه هي المرّة الأولى التي يتم فيها استخدام أجهزة فرنسية سرية كأدوات سياسية وحرفها عن مهماتها الحقيقية من أجل خدمة مصالح لبعض رجال السياسة».

بعد انخاب جاك شيراك رئيساً للجمهورية للمرّة الثانية عام 2002 خرج بتصريح يقول: «الآن سوف لن ندع أحداً يزعجنا»، وكذلك قرر إقالة «رأسي» الجهازين الاستخباريين الفرنسيين من منصبيهما، أي المدير العام لـ «ادارة مراقبة التراب الوطني» ونظيره المدير العام و«الإدارة العامة للأمن الخارجي».

وينقل المؤلف عن صحيفة «لوموند» ما كتبته بتاريخ 23 أكتوبر 2002 وجاء فيه ان «رئاسة الجمهورية تتهم الأجهزة السرّية بإجراء تحقيقات حول جاك شيراك في ظل حكومة ليونيل جوسبان الاشتراكي. ولذلك يريد الرئيس تغيير مديري الإدارة العامة للأمن الخارجي وإدارة مراقبة التراب الوطني، علي قاعدة قناعته إنهما قد بحثا في لبنان واليابان عن معطيات تسيء له، غضب شيراك من نشر ذلك المقال.

وقال للناطقة باسمه، كاترين كولونا، اثناء زيارة إلى مدريد: «هؤلاء الحمقى ما كان ينبغي لهم نشر ذلك الآن». ويعلق المؤلف على ذلك بالقول ان مقال صحيفة «لوموند» قد كشف عن مسألة كان الرئيس يريد ان يبقيها سراً كي يعلن عن قراراته عشية عيد الميلاد.

وفي خريف 2001 وجّه الرئيس شيراك لرئيس وزرائه الاشتراكي ليونيل جوسبان اثناء احد اجتماعاتهما الأسبوعية على انفراد تهمة انه يستخدم الأجهزة السرّية التابعة للدولة من أجل تجميع ملفات ضده. وقال لجوسبان: ما تفعله مثير للفضيحة ومشين».. فاكتفى رئيس الوزراء بنفي ذلك قطعياً.

لكن في مارس 2002 جدد الرئيس اتهاماته في رسالة وذكر بشكل واضح الشؤون اللبنانية. فاستدعى رئيس الوزراء وزير الداخلية وبدأت عمليات بحث لتوضيح الشروط التي تمّ فيها دفع الفدية لإطلاق سراح الرهائن الفرنسيين في لبنان، وذلك ان قسماً من الأموال قد اختفى بالفعل.

ويشير المؤلف إلى مذكرة كانت قد صدرت عن إدارة مراقبة التراب الوطني تخص رجل أعمال لبناني ـ فرنسي كان قد اشترك في محادثات إطلاق سراح الرهائن ما بين عام 1986 وعام 1988. أي عندما كان جاك شيراك رئيساً للوزراء. ولكنها تخص ايضاً، وأساساً، المحافظ السابق جان شارل مارشياني، اليد اليمنى آنذاك لوزير الداخلية الفرنسي شارل باسكوا، والمتهم باختلاس جزء من أموال الفدية.

نبش ملفات الرئيس

وفي يونيو 2002 جرى فتح تحقيق قضائي على خلفية مذكرة إدارة مراقبة التراب الوطني. وكان المحيطون بالرئيس على قناعة انه كان هناك استقصاءات سرّية ايضاً حول علاقاته مع رفيق الحريري.. لاسيما فيما يتعلق بمشاركة الملياردير اللبناني في تمويل الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة لجاك شيراك، كانت عملية إزاحة مدير إدارة مراقبة التراب الوطني عن منصبة يسيرة إذ كان قد وصل إلى سن التقاعد..

لكن الأمر كان مختلفاً بالنسبة لرئيس الإدارة العامة للأمن الوطني جان كلود كوسران، الذي يتحدث بطلاقة اللغتين العربية والفارسية بل وكان الوحيد بين رؤساء الأجهزة السرية الغربية الذي يعرف بشكل عميق ودقيق العالم العربي، ـ الإسلامي.. وسبق له أن عمل كدبلوماسي في لبنان والعراق وإيران وفلسطين وسوريا وتركيا. يقول المؤلف: «كانت عملية عزل جان كلود كوسران، وقسم من فريقه بتاريخ 24 يوليو 2002 فظة لاسيما وان الرئيس كان قد جدد ثقته به علناً في خطابه يوم 14 يوليو ـ يوم العيد الوطني الفرنسي».

لم تقتنع الأجهزة السرية الغربية بأن قرار الرئيس جاك شيراك بإقالة «كوسران» تعود لمجرد عملية إعادة تنظيم داخلي وسرت تساؤلات عمّا اذا كانت هذه الأزمة الجديدة داخل الأجهزة السرية الفرنسية لا تعود، للمفارقة، الى فعاليتها الكبيرة في الشرق الأوسط وأفغانستان وباكستان. وتتم الإشارة هنا إلى أن الإجابات التي قدمتها هذه الأجهزة حول «الحرب العالمية ضد الإرهاب» تختلف عن التوجهات الأميركية». كما انها تستخدم وسائل عمل فريدة لا تدخل في إطار النهج الأطلسي في محاربة الإرهاب.

ولاشك أن قرار الرئيس شيراك قد أعاد صياغة الأجهزة السرية الفرنسية بصورة إذ جرى تفكيك جهاز الاستخبارات الخارجية كي تقتصر نشاطاته على مهمات محيطية، مثل مهمة تسيير المفاوضات حول الرهائن، وجرى دمج عناصر إدارة «العمل الميداني» في الوحدات الخاصة للجيش.

وأصبح جهاز إدارة مراقبة التراب الوطني مكلفاً بمكافحة الإرهاب، وهذه الادارة هي «تاريخياً وثقافياً» على تفاهم مع واشنطن، وأخيراً جرت عسكرة متزايدة لجموع إجراءات وإمكانيات مكافحة الإرهاب مما يشابه انخراطاً كبيراً في العقيدة الأميركية لـ «الحرب الشاملة ضد الإرهاب».

هذا يعني ان الجمهورية ـ الفرنسية ـ قد عطّلت عن قصد نشاط استخباراتها الخارجية في نفس اللحظة التي تقوم فيها جميع الدول الغربية الأخرى بتعزيزها في مواجهة تعاظم وتنوع التهديد الإرهابي والأزمات الدولية وازدياد النشاطات في ميدان أسلحة الدمار الشامل.

وبتاريخ 24 يوليو 2002 عرف جان كلود كوسران، رئيس الاستخبارات الخارجية الذي كان بمهمة كلفه بها الرئيس نفسه في إفريقيا انه قد جرت إقالته من وظيفته. وقد عرف ذلك عبر الصحافة وحلّ مكانه دبلوماسي آخر هو «بيير بروشان» الذي كلف كمهمة أولى وعاجلة ـ في عزّ الأزمة الأميركية العراقية ـ التخلص من «المتآمرين» على الرئيس ودفع الإدارة العامة للأمن الخارجي نحو مياه لا تثور فيها أمواج جديدة».

ويشير المؤلف إلى مدى التراجع الكبير الذي عرفته نشاطات جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي، الأمر الذي يبدو بوضوح من خلال انه «في الفترة التي جرت فيها إقالة جان كلود كوسران من منصبه كانت الإدارة العامة للأمن الخارجي تعمل على ثلاثة ملفات كبيرة هي: تخلي ليبيا عن أسلحة الدمار الشامل.

وإيجاد مخطط للتنسيق فيما يخص مكافحة الإرهاب في مجمل منطقة شمال إفريقيا وأخيرا مخطط للبحث عن صحة مقولات وجود اسلحة دمار شامل في العراق. وكانت النتائج هي ان الليبيين توجهوا في النهاية نحو جهاز الاستخبارات البريطانية (ام ـ 16) وتولت الأجهزة السرّية الأميركية لحسابها مهمة تنسيق مكافحة الإرهاب في إفريقيا كلها حيث أرست مواقعها بقوة في ذلك الجزء من العالم، اما بالنسبة للعراق فمعروف ماذا حلّ به».

الكتاب الأبيض

ويفتح المؤلف قوسين كي يتحدث عبر عدد من صفحات الكتاب عن «الكتاب الأبيض الذي أصدرته الحكومة الفرنسية حول الأمن الداخلي في مواجهة الإرهاب «المنشور بتاريخ 27 مارس 2006 والذي جاء نتيجة عمل شهور عديدة وساهم فيه موظفون كبار ورجال قانون وصحفيون ورجال استخبارات وأساتذة جامعات.

وتتم الإشارة هنا أيضاً، ومثل جميع الملفات الكبرى التي تخص الشرق الأوسط إلى أننا «نلاحظ انحيازاً سياسياً وعقائديا للمقاربة والطرق الاميركية وما يعيق أحيانا الإجابات المطلوبة عن الأسئلة المطروحة، كما يقول المؤلف قبل ان ينقل ما جاء في مقدمة ذلك الكتاب الأبيض» ومفاده: «إن الإرهاب الذي نواجهه اليوم هو إرث للتفجيرات التي شهدتها الولايات المتحدة يوم 11 سبتمبر 2001، وذهب ضحيتها حوالي 3000 شخص. وعلينا ان نتهيأ لمواجهة مثل هذا التهديد اذا كنا نريد حماية مواطنينا».

وفي مجال الحديث عن أدوات مكافحة الإرهاب يشير «الكتاب الأبيض» إلى ضرورة «تعزيز قدرات اجهزة الاستخبارات والأمن». ولكن دون تقديم أية إجابة ملموسة لكيفية تنفيذ هذه النصيحة الممتازة. بل ان فرنسا قد اثبتت على العكس كيف تهدّم بنى برهنت كثيراً على كفاءاتها العالية.

ونفس الملاحظة تنطبق علي ميادين أشكال التعاون الداخلي والدولي إذ هنا أيضاً يتم طرح الأسئلة بشكل جيد ومنسق بينما لا يتم سوى بالكاد رسم هيكلية الإجابات عنها كما يكتب المؤلف قبل أن يتساءل: «ألم تأت اللحظة لإنشاء بنية من طراز مجلس أمن قومي يضمن التنسيق العلماني ويكون أكثر صلابة وفعالية من مجرد إطار شكلي يضم ممثلين عن عدة وزارات».

وينقل المؤلف عن الكتاب الأبيض أيضا تأكيد فرنسا على أنها «سوف تحمل مسؤوليات الأعمال الإرهابية على فاعليها ولكن وبنفس القدر على الدول التي تكون وراءها بواسطة أجهزتها السرية أو من خلال مجموعة سرية»، كذلك يتم تحديد القول ان «الردع النووي ليس موجها ضد الإرهابيين المتزمتين.

لكن قادة الدول الذين يلجؤون إلى استخدام وسائل إرهابية ضدنا وأولئك الذين يفكرون، بطريقة أو بأخرى، باستخدام اسلحة دمار شامل عليهم أن يفهموا بأنهم يعرضون أنفسهم لرد حازم وملائم من قبلنا، وهذا الرد يمكن أن يكون بالأسلحة التقليدية. ولكن يمكن أن يكون أيضا من طبيعة أخرى.

كان الرئيس شيراك قد قال ذلك أيضا بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن وكرره في خطاب له بتاريخ 19 يناير 2006 ويتم التأكيد هنا أن «الردع» الفرنسي لا يزال موجها، كما كان في السابق، ضد كل ما يهدد «المصالح الحيوية» لفرنسا وليس فوق التراب الوطني الفرنسي فقط وإنما في كل مكان في العالم، وينقل المؤلف عن «برونو تيرتريه» الاستاذ في مؤسسة الابحاث الاستراتيجية قوله:

«هناك ميدان لا يمكن أن نقيم فيه تعارضا راديكاليا بين باريس وواشنطن هو ميدان السياسة النووية، ومع ذلك يمكن ملاحظة أن الخيار النووي له مكانة مركزية أكبر في السياسة الدفاعية الفرنسية مما هو في السياسة الدفاعية للولايات المتحدة الأميركية، إذ على عكس ما يؤكده بعض المحللين، فإن اميركا في ظل رئاسة جورج دبليو بوش قد قلصت من مكانة السلاح النووي في استراتيجيتها العسكرية ولم تعد تعتبره الوسيلة الوحيدة للردع الاستراتيجي».

وهنا يتساءل المؤلف: «هل يمكن لمثل هذا الرأي أن يستمر في مواجهة تطور أزمة تخصيب اليورانيوم في إيران، وخاصة في مواجهة سيناريوهات اشعال الرد العسكري التي أوردتها الصحافة والتي ارتقبت امكانية اللجوء إلى استخدام قنابل نووية صغيرة في قصف المواقع النووية الإيرانية؟

بكل الأحوال، وجد قول الرئيس شيراك أنه «لا يستبعد اللجوء إلى السلاح النووي من أجل الرد على الأرهاب «استحسانا لدى الادارة والصحافة في الولايات المتحدة الأميركية. ويلخص المؤلف التعليقات الصادرة عنهما بالقول: لقد فهم الفرنسيون أخيرا ضخامة التهديد وعلى الإرهابيين أن يدركوا ذلك» بل ان خبراء مؤسسة «راند ذات الصلة بوزارة الدفاع الأميركية، أعلنوا جهارا عن سرورهم حيال «التقدم الفرنسي في مجال فهم التهديد الإرهابي وفي تكييف الرد عليه».

ان مثل هذا «الانحياز» إلى المفهوم الأميركي يثير قلقا كبيراً لدى دعاة ضرورة الوصول إلى مفهوم أوروبي للردع وحيث هناك تناقضات في المصالح بين أعضاء الاتحاد الأوروبي الخمسة والعشرين وبعد حين الثلاثين ويشير المؤلف إلى أنه فيما يخص المسائل الدفاعية تميل غالبية الدول الأعضاء التي تدخل في اطار الاتحاد الأوروبي إلى الانحياز للحلف الأطلسي.

وتتم الإشارة هنا إلى ضرورة فتح نقاش مع هؤلاء «الاعضاء الجدد» من أجل دفعهم إلى أن يعيدوا النظر برؤيتهم للتقدم الذي حققته أوروبا في ميدان الدفاع والأمن بل ربما يؤخذ موقفهم من مفهوم الردع كأحد معايير الانتساب إلى الاتحاد الأوروبي.

حالة اللااستقرار في العراق

زعمت الولايات المتحدة أنها تقيم «الديمقراطية» عبر احتلالها للعراق «أية ديمقراطية؟» يتساءل المؤلف ويجيب: «إن إعادة بناء نظام سياسي، قائم على اساس التمثيل الطائفي والاثني، أيقظت التوترات بين مختلف مكونات المجتمع العراقي» وكانت النتيجة في الواقع هي أن التهديد الإرهابي قد تزايد ستة أضعاف منذ التدخل الانجليزي ـ الأميركي في العراق.

كما ينقل المؤلف عن العديد من تقارير الإدارة الأميركية نفسها ثم يشير إلى أي مغاير يقول به عدد من محللي وزارة الدفاع ووزارة الخارجية الأميركيتين ومفادة أن «اشكال الخلل الأميركي في العراق هي أبعد عن أن تكون بمثابة هزيمة» بل أنها على العكس تندرج تماما في سياق «تنفيذ استراتيجية عدم الاستقرار البناء» ونقل المؤلف عن ملحق عسكري أوروبي يعمل في واشنطن قوله: «باسم مكافحة الإرهاب جرى القيام بأكبر عملية إعادة انتشار عسكري أميركي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية».

وينقل المؤلف في هذا السياق أيضا عن ريشارد كلارك الذي كان مسؤولا عن مكافحة الإرهاب في ظل رئاسة بيل كلينتون وبعده جورج دبليو بوش حتى عام 2003 أنه قد قال في مارس 2004 أمام اللجنة القومية الأميركية حول تفجيرات 11 سبتمبر انه «قبل تلك التفجيرات بفترة طويلة كان من المعروف أن شبكات أسامة بن لادن كانت تشكل مصدر التهديد الرئيسي ضد الولايات المتحدة الأميركية لكن إدارة بوش لم تفعل شيئا لصده لانها كانت مسكونة بوسواس العراق وبلدان أخرى في المنطقة.

ويؤكد كلارك أيضا أنه عندما أخطر دونالد رامسفيلد وبول وولفوتيز وكوندوليزا رايس والرئيس بوش بالخطر الإرهابي كانوا لا يتحدثون سوى عن الهجوم على صدام حسين» بل يروي أنه تحدث معهم عن واقع أن الشبكات المعنية مبنية على أساس منطق آخر وانها متعددة وممتدة الأبعاد، اجابته كوندوليزا رايس بالقول: «أسامة بن لادن؟ من هو هذا الرجل» «بكل الأحوال أصبح ريشارد كلارك.

كما يؤكد المؤلف، هدفا بعد ذلك لحملة إعلامية قادتها بشكل خاص قناة «فوكس نيوز» التي يمتلكها «روبرت رودخ» القريب من الحزب الجمهوري وتوالت «التحقيقات» تحديداً عن دعم كلارك للمرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية آنذاك جون كيري وعن حياته الخاصة ومشكلاته مع مصالح الضرائب. وبالنتيجة «جرى تقديم كلارك بالضرورة على أنه أميركي سييء، بل أنه خائن لبلاده».

ويؤكد المؤلف في هذا الإطار أن أطروحة عدم الاستقرار البناء وجدت أنصاراً كثيرين في إدارة المحافظين الأميركيين الجدد القائمة، وان الباحثين التابعين لها قد انبكوا على خطا «الثورة المحافظة» التي شهدتها سنوات الرئيس الأميركي رينالد ريغان، على دراسة «القطيعات الكبرى في التاريخ الأوروبي» مثل الثورتين الفرنسية، عام 1789.

والروسية عام 1917 كي يجدوا فيها «تقنيات ثورية» يمكنها ان تغذي استراتيجية عدم الاستقرار البناء. ولا يبدو أنه من الغريب أن يكون في هذا الاطار هناك تروتسكيين في فريق العمل الايديولوجي الذي يترأسه «روبرت ستانلوف» المحافظ الجديد، ممن كانوا عملوا على مفهوم «الثورة المستمرة» .

وليس عجبا في هذا السياق أيضا أن تتسابق مراكز البحث والمؤسسات الفكرية وحتى البنتاغون في ترديد أقوال لـ «تروتسكي» وهذا ما اعتبره روبرت ساتكوف دليلا على ابداع المحافظين الجدد وانفتاح عقلهم وهذا ما عبر عنه بالقول: « لقد فتح جورج دبليو بوش السبيل. ولم تعد هناك مخطورات».

ويذكر المؤلف في هذا السياق أيضا مذكرة إسرائيلية تعود إلى فبراير من عام 1982 تتضمن توجيها موقعا من أحد كبار مسؤولي وزارة الخارجية آنذاك فصل فيها «المشروع الجيوستراتيجي لتجزئة مجمل الشرق الأوسط إلى وحدات في أقصى حد ممكن من الصفر، أي بتعبير آخر أنه يترقب تفكيك الدول العربية المجاورة لإسرائيل.

وبعد التعرض للأحداث ولاشكال العنف التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة السابقة وصولا إلى الحرب الإسرائيلية ضد لبنان التي انطلقت يوم 12 يوليو 2006 يتساءل المؤلف: ماذا حل بالتعاون الفرنسي ـ الأميركي الذي قاد إلى تبني القرار 1559؟ وأين أصبح الاتحاد الأوروبي؟ وهل يمكن اقامة استقرار مستدام في الشرق الاوسط دون انعقاد مؤتمر اقليمي شامل؟

ثم نقرأ في المحصلة: بانتظار ذلك تتابع الأمور مسارها ـ المتوتر ـ وتحاول الشركات متعددة الجنسية والبورصات أن تقنع نفسه بأن النزاعات المتطرفة قابلة للانحلال في اقتصاد السوق».

عرض ومناقشة: محمد مخلوف