يتناول المؤلف في هذه الحلقة الموقف الأوروبي الضعيف والمهادن لإسرائيل بالنسبة لعملية اقتحام سجن أريحا واعتقال الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات، وكذلك المحاولات الأميركية للي ذراع باريس ومحاسبتها على موقفها المعارض للحرب من خلال ما جرى على الساحة العراقية من خطف للصحافيين الفرنسيين تزامناً مع انعقاد مؤتمر شرم الشيخ في 2004 لدعم العراق وإعادة اعماره.

وبحسب ما يشير إليه المؤلف، فإن الواضح هو أن فرنسا قد فهمت الرسالة جيداً من حادثة الاختطاف، فاتجهت نحو المصالحة مع الولايات المتحدة لدرجة اقترابها من موقف الأخيرة حتى فيما يتعلق بساحة نزاع أخرى مهمة وهي فلسطين سواء فيما يخص الموقف من حماس أو التأييد الواضح للمواقف الإسرائيلية.

بتاريخ 11 مارس 2006 وأثناء اجتماع لوزراء خارجية بلدان الاتحاد الأوروبي الخمسة والعشرين أخفى «جاك سترو» وزير الخارجية البريطاني عن زملائه وجود رسالة انجليزية ـ أميركية جرى إرسالها بتاريخ 8 مارس إلى الأمين العام للأمم المتحدة تتضمن إعلان أن المراقبين الخمسة عشرة البريطانيين والأميركيين في سجن أريحا سوف ينسحبون منه خلال أيام قليلة.

وبتاريخ 14 مارس قام الجيش الإسرائيلي باقتحام السجن بعد قتل عدد من حراسه واعتقال عدد من المساجين بينهم أحمد سعدات، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.تجنب وزراء الخارجية الأوروبيون إدانة الجيش الإسرائيلي واكتفى ممثلا فرنسا والسويد بتوجيه نقد «خفيف» للوزير البريطاني جاك سترو، ويرى مؤلف هذا الكتاب أن غياب أي احتجاج أوروبي جدي يبين مدى «عدم الاهتمام» بالقضية الفلسطينية في «القارة القديمة» في مطلع عام 2006، أي بعد عام ونصف العام من وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات..

وهذا ما يسميه بـ «الموت الثاني لياسر عرفات» كما جاء في عنوان احد فصول الكتاب. ويشرح المؤلف أيضاً في هذا السياق كيف أنه منذ وفاة عرفات ومنذ المصالحة مع واشنطن حول الملف اللبناني أصبحت باريس لا تتفوه بكلمة تقريباً حول النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

وتتم الإشارة هنا إلى الزيارة التي قام بها فيليب دوست بلازي وزير الخارجية الفرنسي، إلى إسرائيل يومي 16 و17 مايو 2006 من دون أن يمر إلى الأراضي الفلسطينية «وكانت تلك سابقة خلال 30 سنة. وكانت تلك الرحلة «الإسرائيلية حقاً» لرئيس الدبلوماسية الفرنسي ترمي إلى «تأكيد التلاقي من جديد بين بلدينا وتحسين صورتنا التي لا تزال مشوشة في إسرائيل»، كما جاء في تصريح صادر عن وزارة الخارجية.

وكان وزير الخارجية نفسه قد قال في إجابة له عن سؤال وجهته له مجلة «السياسة الدولية» عن «القادة السياسيين الأربعة الأحياء الذين يثيرون احترامه؟» انهم «ارييل شارون وهلموت كول وسيمون فيل ومحمود عباس». هكذا إذن بدا أحد مسؤولي مذبحة صبرا وشاتيلا رجل سلام»، كما يعلق المؤلف ليشير إلى أن شارون نفسه هو الذي كان قد أمر مرات عديدة بـ «موت اتفاقيات أوسلو».

وإذا كانت فرنسا قد اتخذت مواقف سلبية من فوز حماس في الانتخابات التشريعية التي جرت في الأراضي الفلسطينية الخاضعة لـ «السلطة الوطنية» بتاريخ 25 يناير 2006، فإن مؤلف هذا الكتاب يركز على القول ان المسؤولين الفرنسيين» لم يتساءلوا أبداً لماذا انتصرت حماس في الانتخابات البلدية ثم في الانتخابات التشريعية ولا من أين جاءت وعن كيفية الإجابة عن ذلك التطور في الميدان السياسي».

وبتاريخ 24 مايو 2006 أعلن البيت الأبيض، تحت حجة عدم وجود محاور فلسطيني «ذي مصداقية» دعمه لخطة الانسحاب المقررة من طرف واحد هو الإسرائيلي.. بل وأعلن الرئيس جورج بوش أن المخطط الإسرائيلي يشكل «خطوة مهمة نحو السلام في الشرق الأوسط».

ثم جرى استقبال ايهود أولمرت في واشنطن بكل ما كان يحلم به من تكريم ونال ما كان يريده. ذلك ان ذلك الانسحاب من غزة كان يرمي بعد أجل إلى ضم «الأراضي المفيدة» من الضفة الغربية وبحيث يكمل بناء الجدار الفاصل الذي كانت الأمم المتحدة قد أدانته.

وبتاريخ 25 يونيو 2006 وكرد على سلسلة من الهجمات التي استخدمت فيها إسرائيل الطائرات العمودية ـ الهيلوكبتر ـ ضد قطاع غزة قامت مجموعة «كوماندوز» فلسطينية بأسر جندي إسرائيلي. أعلن الجناح المسلح لحماس ولجان المقاومة الشعبية والجيش الإسلامي مسؤوليتهم عن العملية وطالبوا بإطلاق سراح النساء وغير البالغين من الفلسطينيين الموجودين في السجون الإسرائيلية.

وبتاريخ 27 يونيو حشدت إسرائيل كتيبتين حول غزة ليدمر طيرانها في اليوم التالي الجسور الرئيسية والمحطة الكهربائية التي كانت قد بينت بمساعدة أميركية، ثم اعتقلت بتاريخ 29 يوليو 62 عضواً من حماس بينهم ثمانية من الوزراء في الحكومة قوبل هذا كله بغياب أي رد فعل خارجي.

وبتاريخ 13 يوليو استخدمت أميركا حق النقض ـ الفيتو ـ في مجلس الأمن لرفع مشروع قرار قدمته قطر وتضمن طلب انسحاب إسرائيل من قطاع غزة وتطبيق القرارات 242 و338 و1515 الصادرة عن الأمم المتحدة والرامية إلى حل النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وفي عشية اليوم السابق كانت مناوشة بين حزب الله والجيش الإسرائيلي عند «الخط الأزرق» في جنوب لبنان قد أدت إلى اندلاع حرب جديدة في الشرق الأوسط.

وبدا من الواضح أيضاً أن «انسحابات» الجيش الإسرائيلي إنما هي أقرب إلى عمليات «إعادة الانتشار» إذ لم تكن تعني أبداً «عودة السيادة» إلى المناطق التي يتم الجلاء عنها. يقول المؤلف: بقيت غزة سجناً مفتوحاً على السماء فمجالها الجوي ومياهها الإقليمية ونقاط الدخول إليها والخروج منها بقيت كلها تحت السيطرة الحصرية للجيش الإسرائيلي.

ومنذ الجلاء عن جنوب لبنان في شهر مايو 2000 كان يتم خرق المجال الجوي والمياه الإقليمية اللبنانية يومياً من قبل البحرية والطيران التابعين للدولة العبرية وكانت هناك مناوشات متكررة في قطاع مزارع شبعا التي تحتلها إسرائيل دائماً، وهذا الوضع يبقى مصدراً لحالة من التوتر الإقليمي الشامل».

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى خشية العديد من مسؤولي أجهزة الأمن الأوروبية من أن دفع «حماس» إلى درجة أكثر حدة من اليأس قد يؤدي إلى بروز منظمات سياسية إسلامية أكثر تطرفاً وراديكالية وربما إلى انتقال العنف المحصور حالياً في الساحتين الفلسطينية والإسرائيلية إلى مناطق أوسع؛ لا سيما في ظل عدم الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية والانحياز من جانب أوروبا وفرنسا إلى النهج الأميركي، هكذا هناك خوف أيضاً من انتشار عنف يذكر بسنوات السبعينات في أوروبا بحيث لا يكون خطف الطائرات واحتجاز الرهائن أقل مظاهره، ثم «إن النزعات المتطرفة تقوي بعضها البعض وتسبغ على نفسها الشرعية كل منها في مواجهة الأخرى».

الرهائن الفرنسيون

بتاريخ 24 أغسطس 2004 تعرض الصحفيان الفرنسيان كريستيان شينو وجورج مالبرونو للخطف في العراق حيث كانا في طريقهما إلى مدينة النجف المحاصرة واختفى معهما سائقهما المدعو محمد الجندي. وبعد أربعة أيام بثت قناة الجزيرة التلفزيونية شريطاً مصوراً أعلن فيه الصحفيان الفرنسيان أنهما رهينتان لدى «الجيش الإسلامي في العراق».

وكانت الرسالة هي الطلب من فرنسا إلغاء «القانون الخاص بالحجاب، ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية في نفس الليلة عن الشيخ عبدالستار عبدالجواد من هيئة علماء المسلمين إنه لا يستبعد أن يكون وراء عملية الخطف بعض من يريدون الإساءة إلى الصداقة بين الشعبين العراقي والفرنسي. وهناك قوى في المشهد العراقي لها مصالح متعارضة وقد تريد بهذا العمل أن تدفع فرنسا إلى تغيير موقفها الداعم للقضية العراقية».

ويذكر المؤلف أنه بعد عزل أحمد الجلبي، رجل البنتاغون، تولى اياد علاوي، رئيس وزراء الحكومة الانتقالية نفسه مهام منصب وزير الداخلية وجهد منذ البداية كي يضع حدا لسياسة «إبعاد البعثيين» التي انتهجها سابقه بل وسعى إلى إعادة استخدام بعض كوادر الأجهزة السرية السابقة في ظل صدام حسين. وكان علاوي قد انتقد في عدة مقابلات صحفية له فرنسا واتهمها بـ «الضعف» في ميدان مكافحة الإرهاب بل وربط بين خطف الصحافيين الفرنسيين والسياسة الفرنسية في الشرق الأوسط.

وذهب إلى حد «توقع» حدوث تفجيرات في البلدان التي رفضت دعم التحالف الأميركي البريطاني وفي المدن الأميركية التي خرجت فيها مظاهرات طالبت بسحب الجنود الأميركيين من العراق. كذلك ينقل المؤلف عن جورج بوش الأب قوله: « ينبغي على الفرنسيين، عندما ينظرون إلى ما يجري أن يقتنعوا بأن الرئيس كان على حق عندما طالب بضرورة مكافحة الإرهاب في العراق».

كما قامت القنوات التلفزيونية الأميركية ببث الشريط التلفزيوني الثاني الذي يتحدث فيه شينو ومالبرونو باللغة الانجليزية وظهر لدى بعض المعلقين «بغضهم للفرنسيين» وحيث كان معلقوا قناة «فوكس نيوز» قد وجهوا انتقادات عنيفة للقانون الفرنسي حول العلمانية باسم الدفاع عن «النموذج الانجلو ـ سكسوني لتعايش الطوائف وقالوا ان «الحكومة الفرنسية تحصد ما كانت قد زرعت، في حين انها لا تتحلى بالتسامح حيال المسلمين بينما تتخذ مواقف متراخية حيال الإرهابيين.

ويؤكد المؤلف بقوله: «في الواقع يبدو أن الصحافيين الفرنسيين كانوا في قبضة عناصر استخبارات سابقين لدى صدام حسين وجرى توظيفهم في الأجهزة السرية للحكومة المؤقتة العراقية برئاسة اياد علاوي» وكانت باريس قد ألحت باستمرار على «سيادة العراق» مما أثار غضب الوزراء الذين جلبهم الأميركيون.

وكان خطف الرهائن يمثل أيضا «ضغطاً على فرنسا قبل المؤتمر الدولي في شرم الشيخ المحدد في نهاية شهر نوفمبر 2004 والذي كان مقرراً له أن يناقش مستقبل العراق وديونه الخارجية وأمنه ودستوره وهذه مواضيع كان من المطلوب فيها كلها لي ذراع الدبلوماسية الفرنسية من أجل الوصول إلى موقف دولي يتمتع بقبول الجميع.

ثمن الموقف

لكن وفضلاً عن إرادة جعل فرنسا تدفع ثمن موقفها في عدم التعاون مع التحالف الأميركي ـ الانجليزي ضد العراق، كانت عملية خطف الرهينتين الفرنسيتين ترمي إلى الحصول على المال. «المال ثم المال» كما ينقل المؤلف أحد مسؤولي جهاز أوروبي للاستخبارات والذي أضاف:

« إذا كان من المستحيل على أية دولة مهما كانت ان تعترف بدفع فدية مهما تكن فإنه لم يعد من الممكن اليوم إخفاء واقع أن للرهائن ثمن، وهو ثمناً يتعاظم أكثر فأكثر، ذلك إنه في العراق كما في غيره، هذه الممارسة الإجرامية فرضت نفسها كقطاع مزدهر» ويؤكد مؤلف الكتاب إنه ليس دون دلالة وهذاما قال به كريستيان شينو نفسه، واقع أن اللحظة التي بدأ فيها منطق اطلاق سراحهما تزامن مع عقد مؤتمر شرم الشيخ حول العراق يومي 22و 23 نوفمبر 2004.

وينقل المؤلف عن رئيس جهاز استخباراتي أوروبي كانت له مساهمته في عملية إطلاق سراح الصحافيين قوله: كان الأمر يتعلق في تلك اللحظة بالضغط على الدبلوماسية الفرنسية كي تدفع ثمن معارضتها السابقة للحرب وخاصة كي تدخل نهائيا في صف التحالف.

أي ان تتوقف عن جعل نفسها الناطقة الرسمية باسم القوى السياسية المعارضة للحكومة العراقية الانتقالية برئاسة اياد علاوي ويتم التأكيد في هذا السياق نقلا عن عدة مصادر مأذونة أن المفاوضات من أجل إطلاق سراح الرهينتين الفرنسيتين أبرزت تورط شبكات نفوذ عراقية لها «علاقات مشبوهة» بنفس الوقت مع الأجهزة السرية للنظام السابق ومع بعض الذين وصلوا حديثا إلى المسرح السياسي المحلي.

وتشير التحليلات المقدمة إلى أن «الموقف المتفرد» الذي اتخذته باريس أثناء الأزمة العراقية جعلها في موقع قد يمكنها معه أن تكون على رأس «مبادرة ترعاها الامم المتحدة» في حال فشل الاستراتيجية الانجلو ـ سكسونية في إصلاح الوضع في العراق. وكان مثل ذلك المنظر يزعج الاحتلال الأميركي ولذلك «ليس من المدهش أن كل استحقاق هام لإعادة البناء السياسي تحت إشراف العراب الأميركي ترافق مع محاولات ترمي إلى إخضاع فرنسا أو إسكاتها أو جعلها عاجزة عن الفعل» كما يكتب المؤلف.

كانت واشنطن تريد في مؤتمر شرم الشيخ الحصول على «الاستسلام النهائي» للبلدان التي عارضت الحرب وتتم الإشارة هنا إلى أن جميع الدول المشاركة بما في ذلك سوريا وإيران أعطت شرعية جديدة للتدخل الانجلو ـ أميركي في العراق؟

ووصل الأمر بطهران إلى حد المطالبة بعقد مؤتمر اقليمي لوزراء الداخلية للنقاش في وسائل تحقيق مطلب واشنطن الخاص بإغلاق الحدود أمام الإرهابيين الأجانب وكان الرجل الثاني في البنتاغون آنذاك «بول وولفويتز» قد قال قبل فترة: «ينبغي على باريس أن تدفع ثمناً لمعارضتها التدخل العسكري الأميركي في العراق وخاصة من أجل استخدامها حق النقض ـ الفيتو ـ لمساعدة يقدمها الحلف الأطلسي لتركيا».

وقبل أن يغادر وزير الخارجية الفرنسي شرم الشيخ قال في تصريح للقناة التلفزيونية الفرنسية الثانية: «نريد أن ننظر نحو المستقبل والخروج من هذه الحرب وهذه المأساة ومن دوّامة العنف التي تضرب النساء والأطفال والرجال في العراق كل يوم والتي يصل أذاها إلينا حيث هناك عمليات خطف يومياً».

ثم ختم كلامه قائلاً: «نريد أن نكون فاعلين في هذا السلام. لذلك أردنا، في الأمم المتحدة عبر القرار 1546، كما في النقاش حول ديون العراق واليوم في شرم الشيخ، أن نكون مفيدين ومتطوعين، مرحلة بعد مرحلة للسير في طريق السلام والديمقراطية بالعراق».

ملايين في حقيبتي

وبعد 124 يوماً من الاحتجاز وصل الصحافيان الفرنسيان «شينو ومالبرونو» إلى مطار عسكري قرب باريس ويؤكد المؤلف قوله إنه قبل أيام من ذلك ذهب عناصر جهاز الاستخبارات الفرنسية الخارجية إلى الموعد مع الخاطفين وهم يحملون معهم حقيبتين رياضيتين من القماش الأزرق البحري وفيهما عدة ملايين من الدولارات نقداً». ثم وبعد عدة أشهر وعندما جرى إطلاق سراح الصحافية الفرنسية «فلورنس اوبناس»، التي خُطفت أيضاً بعد زميليها، ينقل عنها المؤلف قولها عندما وصلت إلى باريس بصحبة مرافقها العراقي حسين حنون:

«يقول الخاطفون إنهم يشكون أن حسين حنون قد سرق أموالاً منهم، وإنهم سوف يتحققون إذا كان هو بالفعل ويريدون معرفة كيف يمكن أن يعيدها لهم، وإذا لم يكن هو فإنه سيكون باستطاعتك أن تشربي الكوكاكولا في منزلك بعد ساعتين، كما قالوا».. هذه الجملة لم تنقلها الصحافة الفرنسية، كما يشير المؤلف قبل أن يؤكد أن فرضية وجود «خلاف» بين فرنسا وخاطفي كريستيان شينو وجورج مالبرونو أو مع بعض الوسطاء في تحريرهما قد تأكدت.

كما يؤكد أن عدة مصادر، من بينها السفارة الفرنسية في بغداد، قد أقرّت بان حسين حنون قد شارك في المفاوضات الأولى مع خاطفي الصحافيين وتتم الإشارة هنا إلى أنه قد أغدق الكثير من الوعود التي لم يتم الوفاء بها».. وهذا ما يلقي أضواء جديدة على أسباب خطف الصحافية فلورنس أوبناس، كما يقول المؤلف. ويعود المؤلف طويلاً في هذا السياق إلى الخطاب الذي ألقاه دومينيك دوفيلبان، وزير الخارجية الفرنسي في مجلس الأمن يوم 14 فبراير 2003.

وكان مما جاء فيه: «في معبد الأمم المتحدة هذا نحن حماة مثال وحماة ضمير، والمسؤولية الكبرى والشرف الكبير الملقيان على عاتقنا ينبغي أن يقوداننا إلى أن نعطي الأولوية لنزع الأسلحة في إطار السلام، وهناك بلد عريق هو فرنسا وقارة عريقة مثل قارتي، يقولان لكم اليوم هذا القول، لاسيما أن هذه القارة قد عرفت الحروب والاحتلال والبربرية.

وهذا البلد لا ينسى ويعرف كم هو مدين لمقاتلي الحرية الذين قدموا من أميركا وغيرها ـ أثناء الحرب العالمية الثانية، والذي ظل شامخاً في وجه التاريخ وأمام البشر. إنه بلد مخلص لقيمه ويريد أن يتحرك بصلابة وتصميم مع بقية أعضاء المجموعة الدولية، وهو يؤمن بقدرتنا في أن نبني معاً عالماً أفضل».

عندما نطق وزير الخارجية الفرنسي هذه الكلمات الأخيرة هبت عاصفة من التصفيق اضطر معها رئيس الجلسة وزير الخارجية الألماني آنذاك يوشكا فيشر إلى أن يقوم بتذكير الحضور بالنظام الداخلي لمجلس الأمن الذي يمنع مثل تلك المظاهر ـ التصفيق ـ تحت قبته، فكان الرد هو بكل بساطة زيادة «حرارة» التصفيق.

أزعج ذلك التصفيق جداً وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول واستدعى تقطيب جبين وزير الخارجية البريطاني جاك سترو. لكن هذا لم يمنع ممثلي تلفزيونات العالم كله من محاولة الاقتراب من وزير الخارجية الفرنسي الذي لخص بلغة انجليزية رفيعة أسباب معارضة فرنسا للحرب.

20 مليون متظاهر

بتاريخ 15 فبراير 2003 خرج 20 مليون متظاهر في شوارع العالم لإعلان رفضهم للحرب، مما بدا بمثابة صدى لخطاب دومينيك دوفيلبان في مجلس الأمن، ويومها علق الوزير الفرنسي قائلاً: «لقد أسمعت فرنسا صوتها».. وأضاف أنه قد «حضر طويلاً خطابه مع رئيس الجمهورية».. وكأنه أراد أن يقول إن فرنسا كلها تتحدث بـ «صوت واحد».

لكن هذا كله «ضاع» بعد تسعة أشهر فقط في زحمة المساومات السياسية ـ الإجرامية التي ترتبت على قضية الرهائن الفرنسيين في العراق وأيضاً على التنازلات الكبيرة التي قدمها ميشيل بارنييه، خليفة دوفيلبان كوزير للخارجية. لمؤتمر شرم الشيخ. بل كان «التراجع» قد بدأ منذ مطلع الأسبوع الثاني للحرب وصرّح رئيس الوزراء آنذاك جان بيير رافاران رسمياً أن فرنسا «تتمنى انتصاراً سريعاً للجيوش الإنجليزية الأميركية»، وبنفس الوقت اتصل وزير الخارجية دوفيلبان بالرئيس السوري بشار الأسد كي يطلب منه «تحضير المرحلة اللاحقة والتعامل مع الأميركيين».

وكان دوفيلبان نفسه ويوم نشبت الحرب فيه وبدأت عمليات القصف على المواقع العراقية في فجر العشرين من مارس 2003، قد جمع اركان وزارته لتقييم الوضع، وتنبأ بأن تشتعل منطقة الشرق الأوسط كلها وأنه ستكون هناك حرب طويلة سوف يبدي فيها العراقيون مقاومة شرسة. وإذا كان قضية الرهائن الفرنسيين قد دفعت باريس إلى القيام بـ «تصويبات» دبلوماسية جعلتها تنتظم في الصف أثناء مؤتمر شرم الشيخ، فإن الوضع المتفجر في العراق لم يرغم فرنسا وحدها فحسب.

وإنما أرغم جميع الحكومات الأوروبية والعربية للبحث عن مخرج للأزمة خوفاً من أن تنتقل الفوضى إلى بلدان أخرى. وفي الواقع تبدو المحصلة بمثابة كارثة بعد ثلاث سنوات من سقوط صدام حسين ونظامه وهذا ما يخلص منه المؤلف إلى المثول: ان العراق ـ المحرر ـ بواسطة التدخل الانجليزي ـ الأميركي في مارس 2003 قد يبقى خلال السنوات المقبلة ممثلاً للإرهاب بالنسبة للعالم أجمع».

انفجرت حالة من الغضب لدى المستشار النمساوي ووزيرة خارجيته في مارس 2006 وكان السبب هو الزيادة التي كان قد قام بها قبل ذلك بفترة قليلة جورج دبليو بوش إلى الهند وعقد اثناءها اتفاقاً مع رئيس الوزراء الهندي تقوم على الولايات المتحدة بموجبه بتزويد الهند بالمعارف التكنولوجية «والمحروقات» اللازمة للصناعة النووية المدنية الهندية.

وكانت الهند قد أجرت أول تجربة نووية لها عام 1974 وأصبحت قوة نووية عام 1998. لكنها لم توقع أبداً معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. كانت النمسا هي التي تتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي حتى يوليو 2006، وكانت قد أضاعت عبر الاتفاق الأميركي ـ الهندي، أية إمكانية أو أمل في أن تلعب القارة الأوروبية دوراً فيما يتعلق بالسلام ونزع الأسلحة. وبدا من الواضح ان جورج دبليو بوش يعطي الأولوية للمصالح الاستراتيجية التجارية الأميركية فقط..

بل انه تجاوز القانون الأميركي نفسه الذي يمنع تصدير التكنولوجيا التي قد تستخدم في البرنامج النووي لبلد لم يصادق على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.. ويؤكد المؤلف أن «الهند مسموح لها حسب الاتفاق بتصنيف ثمانية من أصل مفاعلاتها الاثنين والعشرين على انها ذات بنية أساسية عسكرية وبالتالي غير خاضعة لأية رقابة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

ثم ان الحكومة الهندية هي التي سوف تقرر بنفسها الصفة «المدنية» أو «العسكرية» للمفاعلات النووية الجديدة التي سيتم الشروع ببنائها قريباً. وتتم الإشارة هنا أيضاً إلى أن الرئيس الأميركي بوش قد وعد بان الوكالة الدولية للطاقة الذرية سوف تقدم عندما تقتضي الضرورة بـ «عمليات تفتيش تتماشى مع السياق الهندي ومع محيط الهند الإقليمي».

وهذا يعني واقعياً الاعتراف بالبرنامج النووي العسكري الهندي. كذلك سوف تتمكن الهند التي تقدر ترسانتها النووية بعد توقيع الاتفاق بمثابة قنبلة من تصنيع عشرات القنابل كل سنة. وعندما طلبت باكستان من أميركا التوقيع على اتفاقيات شبيهة بالتي وقعتها مع الهند، فان الرئيس بوش الذي قام بزيارة إسلام اباد بعد نيودلهي استبعد الاستجابة لمثل هذا الطلب وقال:

«لقد ناقشنا البرنامج النووي المدني وقد أفهمت الرئيس الباكستاني ان باكستان والهند بلدان مختلفان تماماً ولهما احتياجات مختلفة وتاريخ مختلف». وكان الرئيس الفرنسي جاك شيراك قد قام بزيارة إلى الهند قبل بضعة أيام فقط من زيارة جورج بوش لها، ولم يتردد بعد ذلك في تأييد الاتفاق الأميركي ـ الهندي على قاعدة عدم فقدانه الأمل بأن يؤدي التضارب مع واشنطن إلى جلب الفوائد بعد أجل للصناعة النووية الفرنسية..

وكان أحد ممثلي الوكالة الدولية للطاقة الذرية والذي رافق الرئيس شيراك في زيارته للهند، قد قدّر أن هذه البلاد «تحتاج إلى ثلاثين مفاعلاً نووياً أي ما يمثل صفقة تبلغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات» هذا ومن المعروف ان شركة «اريفا» الفرنسية هي أكبر منتج للمفاعلات النووية في العالم، وقدرتها كبيرة على المنافسة في هذا الميدان.

ويشير المؤلف هنا إلى أن محمد البرادعي، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قد استحسن الاتفاق الأميركي ـ الهندي ووصفه أنه: «يشكل جزءاً من الجهود الحالية لتعزيز نظام الحد من الأسلحة النووية ولمحاربة الإرهاب النووي وتعزيز الأمن النووي».

وبعد أن يشير المؤلف إلى أن هذا «المديح المدهش» يشكل كاشفاً لواقع «هامش المناورة الضيق «الذي تتمتع به الوكالة الدولية للطاقة الذرية فيما يخص القرارات التي تتخذها واشنطن من طرف واحد، ينقل عن البروفيسور الهندي انورادا شينوا، اخصائي القضايا الاستراتيجية في جامعة جواهر لال نهرو قوله:

«الحقيقة هي ان الولايات المتحدة قد استأنفت بهذا الاتفاق التصعيد وأصبحت أكبر ناشري التكنولوجيا النووية في العالم، ثم أضاف: «المشكلة الأخرى هي ان الولايات المتحدة تمارس انتشاراً انتقائياً». اما إيران فانها بالتأكيد لم تتأخر عن اتهام واشنطن بممارسة مبدأ «الكيل بمكيالين».

عرض ومناقشة: محمد مخلوف