في هذا الحوار الذي نشره مؤخرا موقع صحيفة «التييمبو» الكولومبية على الإنترنت، يحلل المفكر الأميركي نعوم تشومسكي الحرب في العراق والمصالح الأميركية هناك ويؤكد أن هناك من الأسباب والدوافع ما يكفي ويزيد كي تبذل الإدارة الأميركية كل جهد ممكن في سبيل بقاء قواتها على أرض الرافدين أطول فترة زمنية ممكنة بغض النظر عن الحراك الاجتماعي المناهض للحرب الدائر في كنف المجتمع الأميركي نفسه. وفيما يلي نص الحوار:
* ما هي الدوافع التي تحمل الولايات المتحدة على البقاء في العراق؟
ـ حول الدوافع، ليس بوسعي سوى تكرار ما كتبته منذ سنوات. عراق يتمتع بالسيادة وديمقراطي بصورة جزئية قد يغدو كارثة بالنسبة للمخططات الأميركية. ففي ظل غالبية شيعية هناك احتمال بأن يتواصل تحسن العلاقات مع إيران. والأسوأ من ذلك هو أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة قادرة على تخويف أوروبا إلا أنها لا تستطيع فعل الأمر نفسه مع الصين، التي تسير فرحة في طريق خاص بها.
إن بوسع تكتل للطاقة في منطقة الخليج أن يتحالف مع «سلطة الطاقة الكهربائية الآسيوية» ومقرها شنغهاي ومع مجلس شنغهاي التعاوني ومع روسيا وما لديها من موارد خاصة هائلة وكذلك مع بلدان في آسيا الوسطى وربما مع الهند أيضا. مع الأخذ بعين الاعتبار أن إيران دخلت في شراكة مع الجميع. كل ذلك يمكن أن يتحول إلى كابوس بالنسبة للمخططات الأميركية وحلفائها الغربيين.
وهكذا يتضح أن هناك من الأسباب القوية جدا ما يكفي ويزيد كي تحاول الولايات المتحدة وإنجلترا وبكل الوسائل الإبقاء على سيطرة فعالة على العراق. الولايات المتحدة لا تشيد قصرا للسفارة ـ وهي الأكبر في العالم وتعد حرفيا مدينة مستقلة داخل بغداد ـ ولا تستثمر الأموال في بناء قواعد عسكرية بنية تسليم العراق للعراقيين. كل ذلك يسير باتجاه أن تستفيد الشركات الأميركية الكبرى من ثروة العراق الشاسعة.
وعلى الرغم من أن هذه المسائل تحتل موقع الصدارة في أجندة المخططين إلا أنها لا تبرز في الأجندة التي يناقشونها. ذلك أن تلك الاعتبارات تنتهك العقيدة الأساسية القائلة بأن سلطة الدولة تسعى إلى أهداف نبيلة وبأنه على الرغم من حدوث أخطاء هنا أو هناك إلا أنه لا يمكن أن يكون لتلك السلطة دوافع فاسدة أو منحرفة ولا هي خاضعة لتأثير أهواء ومصالح القطاع الخاص.
* من منظور النخبة، ما هو النصر الحاسم والنجاح المتواضع لكن الكافي وما هي الهزيمة؟ أو بالأحرى، هل تحفز الديمقراطية في العراق وفي الولايات المتحدة ورخاء الشعب في العراق وفي الولايات المتحدة سياسة هذا البلد؟
ـ النصر الكلي ربما يتمثل في إقامة دولة خاضعة... نجاح متواضع ربما يتمثل في الحيلولة دون تلك الدرجة من السيادة التي تسمح للعراق باتباع مسيرة منطقية. أما فيما يتعلق بالديمقراطية، فحتى أكثر المحامين إخلاصا للمسألة الديمقراطية يعترفون بأنه «ثمة تقليد صارم ومتواصل» في جهود الولايات المتحدة الخاصة بتشجيع الديمقراطية، وأن ذلك التقليد يعود إلى ما شئت في الماضي وأنه متواصل حتى اليوم.
من الواضح أن الديمقراطية عنصر بارز في ثقافة الولايات المتحدة والغرب وذلك أمر يمكن لأي مراقب أن يلاحظه بسهولة من خلال تقديسنا للديمقراطية لكن يمكنه في الوقت نفسه إثبات ازدراء وكراهية مطلقين. على سبيل المثال: دعم العقاب الوحشي للشعب الذي ارتكب جريمة التصويت «بصورة خاطئة» في انتخابات حرة، كما في فلسطين الآن بالذات، تحت ذرائع بدت مثيرة للسخرية في المجتمع الحر.
فيما يتعلق بالديمقراطية في الولايات المتحدة، فإن وجهة نظر النخبة اعتبرت أن فكرة استباق الأمور تعد تهديدا خطيرا، حيث يشكل رخاء الجنود دافعا للقلق لكنه ليس الدافع الرئيسي. وفيما يتعلق برخاء الناس هنا، يكفي إلقاء نظرة على السياسة الأهلية. ومن نافلة القول ان هذه الشؤون لا يمكن تجاهلها بصورة كلية حتى في ظل الأنظمة الشمولية المستبدة وأقل من ذلك بكثير في كنف مجتمعات كسب فيها النضال الشعبي حرية معتبرة.
* من منظور النخبة أيضا، لماذا شكل الاحتلال كارثة مماثلة؟ ولماذا لا تأتي المطالبات بالانسحاب من الذين عارضوا الحرب فقط وإنما من النخب صاحبة أجندات الخدمة الذاتية أيضا؟ وهل هنا اختلافات حقيقة؟
ـ هناك الكثير من تعليقات النخبة حول دوافع الكارثة، التي لها سوابق تاريخية معدودة. حيث من الجدير تذكر أن النازيين حكموا أوروبا المحتلة بصعوبة أخف وطأة من تلك التي تواجهها الولايات المتحدة في حكم العراق ، مع أن ألمانيا كانت تخوض حربا. والأمر عينه يمكن أن يقال عن الروس في أوروبا الشرقية وهناك أمثلة كثيرة أخرى حتى في تاريخ الولايات المتحدة نفسها.
السبب الأساسي للكارثة، المقبول بشكل عام الآن، هو ما روته لي وكتبته قبل الغزو ببضعة أشهر شخصية رفيعة المستوى من إحدى المنظمات المساعدة الرئيسية والتي تتمتع بخبرة واسعة في بعض أكثر مناطق العالم رعبا. فلقد قال لي صاحب تلك الشخصية على ضوء مراجعة الجهود الفاشلة لإعادة الإعمار في العراق إنه لم يشاهد قط مثل ذلك الانتشار القائم على «الغطرسة وعدم الكفاءة والجهل».
فالأخطاء المحددة تعتبر موضوعات تقليدية في أعمال أدبية واسعة وأنا ليس لدي ما أضيفه على ما قاله ذلك الرجل الذي ساق أمثلة حول الأخطاء التكتيكية التي ارتكبتها روسيا في أفغانستان وخطأ هتلر في القتال على جبهتين حربيتين... إلخ وفيما يتعلق باقتراحات الانسحاب الصادرة عن الدوائر النخبوية، فيجب الحذر كثيرا.
فالبعض يمكن أن يكون مبتذلا بشكل عميق إلى درجة لا تسمح له بالتفكير بأسباب الغزو أو في أسباب الإصرار على الإبقاء على الاحتلال بأي طريقة كانت. ويمكن أن يكون في أذهان آخرين تكتيكات أكثر فعالية للسيطرة عن طريق إعادة انتشار القوات الأميركية مع قواعد في العراق وكذلك بالنسبة للسيطرة الجوية، مثلما حصل في جانب كبير من عملية اجتياح الهند الصينية.
* ما هو وقع الحركة المناهضة للحرب على السياسة وموعزيها؟ وهل كان من الممكن أن تكون قرارات النخبة مختلفة لولا وجود تلك الحركة؟
ـ بالمقارنة مع الحرب الفيتنامية، يبدو أن لهذه الحرب أهمية أكبر ومع ذلك فإن دعم النخبة يلمس بشكل أسرع وأعمق والمعارضة باتت الآن أقل تحزبا وحماسا رغم أنها تتمتع بقدرة أكبر على التأثير.
* إلى أي سياسة يمكن أن يلجأ الصقور الآن؟ وما هي خياراتهم المتاحة؟ وهل يبرز الانسحاب في اللعبة؟ وهل سيسبب الانسحاب حرباً أهلية أسوأ؟ وهل سيشمل هذا الوضع نصراً للبعثيين أو للمتشددين؟
ـ السياسة الممكنة بالنسبة للمخططين في الولايات المتحدة تقوم على قبول مسؤولية المعتدين عموما: دفع تعويضات جماعية على جرائمهم وليس مساعدة وإنما تعويضات واحترام رغبة الضحايا. لكن هذه الأفكار بعيدة كل البعد عن أي اعتبار أو تعليق في مجتمعات بعقلية امبريالية متأصلة بشكل عميق وبطبقة مثقفة مبتذلة إلى حد كبير.
الحكومة والمعلقون يعرفون جيدا رغبة الضحايا، حسب استطلاعات للرأي أجرتها وكالات في الولايات المتحدة والغرب. والنتائج متماسكة جدا. حوالي ثلثي سكان بغداد يريدون أن تنسحب الولايات المتحدة بشكل فوري وحوالي 70% من العراقيين يريدون برنامجا زمنيا نهائيا للانسحاب خلال عام أو أقل من عام وذلك يعني نسبا أعلى بكثير لصالح عراق عربي.
الخطط الحالية ترمي إلى رفع نسبة القوات الأميركية في بغداد، حيث الغالبية العظمى من السكان لا ترغب برؤية تلك القوات. لكن تقرير بيكر ـ هاملتون لم يذكر حتى وجهات نظر العراقيين حول الانسحاب، ليس لأنه كانت تنقصها المعلومات، فلقد ذكرت استطلاعات الرأي نفسها المسائل المهمة بالنسبة لواشنطن خصوصا حول الدعم اللازم لمواجهة الهجمات ضد الجنود الأميركيين بهدف جمع نصائح حول تغيير التكتيك.
وحول تبعات الانسحاب فجميعنا لنا الحق في إصدار أحكامنا الشخصية، التي جميعها لا تستند إلى معلومات صحيحة ومشكوك فيها مثل أحكام وكالات الاستخبارات الأميركية. لكن ذلك ليس مهما. فما يمكن الاعتماد عليه هو ما يفكر به العراقيون أو بالأحرى ما يجب الاعتماد عليه أصلا.
ترجمة: باسل أبو حمدة عن «التييمبو»
