لماذا بدّلت باريس سياستها من موقف المعارضة التامة والصارمة للحرب الأميركية ـ البريطانية الأخيرة على العراق في مطلع عام 2003 إلى موقف التوافق الكامل مع سياسة واشنطن في لبنان منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري؟
يتضمن هذا الكتاب محاولة للرد على هذا السؤال، كما يحاول مؤلفه الذي يعمل رئيساً للتحرير في إذاعة فرنسا الدولية ومؤلف العديد من الكتب، أن يؤرخ لأربعين سنة من الدبلوماسية الفرنسية في الشرق الأوسط.
ويجد القارئ في هذا الكتاب أيضاً معلومات لم يتم الكشف عنها سابقاً، عن المفاوضات السرّية التي أدّت إلى إطلاق سراح الصحافيين الفرنسيين اللذين كانا مختطفين في العراق. ويعرّج المؤلف كذلك على المواجهة الاستراتيجية الجديدة الناجمة عن استيقاظ المارد الصيني، الأصغر والتي يتعين على الغرب التأهب لها مع العلم أن الشرق الأوسط سيكون في صميم هذه المواجهة.
يبدأ مؤلف هذا الكتاب حديثه عن «الانعطاف الكبير» الذي عرفته الدبلوماسية الفرنسية بعد أربعين سنة من الاستمرارية في الشرق الأوسط بذكر تفاصيل لقاء جمعه بشخص يصفه انه «كان خلال فترة خمس وعشرين سنة مديراً للأجهزة السرية في بلد عربي. ويعمل اليوم، كأحد المستشارين للأمين العام للجامعة العربية، عمرو موسى، يتحدث اللغة الانجليزية بطلاقة بعد أن أنجز دراسات في جامعة اكسفورد، وكان ذلك اللقاء في مدينة جنيف.
بدأ المدير السابق لأجهزة الاستخبارات كلامه مع مؤلف هذا الكتاب، كما يقول، بالحديث عن «أحداث الأمس» التي تنبئ بالتوقعات الأكثر سواداً «وليس بالنسبة للشرق الأوسط فقط، وإنما بالنسبة للعالم أجمع أيضاً، على حد قوله، فما هي إحداث الأمس» المقصودة؟ بتاريخ 8 مارس 2006 أرسلت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية ونظيرها البريطاني جاك سترو رسالة للأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ينبئانه فيها «بسحب الخمسة عشر مراقباً الذين كانوا يرابطون منذ عام 2001
في سجن أريحا اثر اتفاق ثلاثي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية وأميركا وبريطانيا معاً وكانت الحجة المقدمة لسحب أولئك المراقبين، الذين كانوا في الواقع أفراداً في القوات الخاصة الأميركية والبريطانية، هي ان أمنهم لم يعد مضموناً. وجرى إرسال نسخة عن تلك الرسالة إلى كل من محمود عباس وإيهود أولمرت، ومن الملفت للانتباه أن «التحضير لعملية أريحا التي كانت قيادة أركان الجيش الإسرائيلي قد خططت لها، يعود لذلك اليوم».
وبتاريخ 11 مارس وأثناء اجتماع لوزراء خارجية بلدان الاتحاد الأوروبي الخمسة والعشرين لم يتفوه جاك سترو بأية كلمة حول تلك القضية، وأكد بالمقابل تضامن بلاده المبدئي مع مساعي اللجنة الرباعية ـ الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمم المتحدة ـ من أجل إيجاد حل للنزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وأيضاً مع مشروع خارطة الطريق. وكان محمود عباس قد وصل بتاريخ 13 مارس 2006 إلى فيينا كخطوة أولى في جولة أوروبية من أجل المساعدات في السياق الجديد الذي أوجده انتصار حماس في الانتخابات التشريعية لشهر يناير 2006.
وبتاريخ 14 مارس تم إنذار الملحقين العسكريين الأميركي والبريطاني من قبل رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي ان عملية «أريحا» هي على وشك الوقوع. وهكذا قاما بإصدار الأوامر للمراقبين من البلدين كي يتركوا سجن البلدة الفلسطينية قبل بضع ساعات فقط من وصول القوات الإسرائيلية ومحاصرته بالدبابات والجرافات. وبعد تبادل لإطلاق النار وسقوط ثلاثة قتلى وثلاثين جريحاً في صفوف المساجين وقوات الشرطة الفلسطينية التي كانت تحرس المكان دخل الإسرائيليون إلى السجن وقاموا باغتيال عدد من السجناء والحراس وضباط الأمن.
وكان من بين المساجين أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعضو البرلمان الفلسطيني والسجين بسبب القضية الخاصة بقتل الوزير الإسرائيلي رحبعام زئيفي عام 2001، الذي كان من دعاة سياسة «الترانسفير» للفلسطينيين وقد ساهم في اغتيال الأمين العام السابق للجبهة الشعبية أبو علي مصطفى. هذا وقد قامت السلطات الفلسطينية تحت ضغط دولي بإيداع أحمد سعدات السجن ووضعه تحت رقابة أميركية وبريطانية، كما نصت اتفاقيات عام 1995 الموقعة في واشنطن.
انتشر الخبر بسرعة عبر الإذاعات والفضائيات. فترك محمود عباس بروكسل وفضل عائداً على بساط السرعة إلى فلسطين حيث كانت الصحافة بما في ذلك القريبة من فتح، قد طالبت باستقالته وبحل السلطة الفلسطينية التي جرى اتهامها بالتراخي حيال إسرائيل، وبالمقابل طالبت تلك الصحافة منظمة التحرير باستئناف القتال ضد الاحتلال الإسرائيلي. بنفس الوقت قامت المظاهرات ضد مكاتب التمثيل البريطانية والأوروبية على أساس أن الأميركيين والأوروبيين والغربيين بشكل عام قد تنصلوا مرة أخرى من التزاماتهم حيال الفلسطينيين والعرب والمسلمين، بل جرى احتجاز حوالي عشرة غربيين كرهائن في قطاع غزة.
جدار الصمت
كان ذلك قبل عشرة أيام من الانتخابات الإسرائيلية وعارض «جون بولتون» بشدة طلباً تقدمت به قطر لعقد جلسة استثنائية لمجلس الأمن. ولاذت باريس وغيرها من العواصم الأوروبية بالصمت. سويسرا وحدها هي التي كسرت الصمت الدولي بإصدارها بياناً أدانت فيه العملية الإسرائيلية التي تشكل خرقاً فاضحاً لاتفاقيات جنيف الخاصة بضمان حقوق السجناء.
ويشير مؤلف هذا الكتاب إلى أن محدثه، المسؤول السابق عن أجهزة الاستخبارات في بلد عربي، اعتبر ما جرى في سجن أريحا دليلاً على عمق الهوة التي تتجذر أكثر فأكثر بين الغرب والشرق منذ حرب العراق الثانية؛ ودليلاً أيضاً على أن الشرق الأوسط قد أصبح هو المحور الاستراتيجي الأكبر في السياسة الدولية بعد نهاية الحرب الباردة وفي ظل تعاظم الشرخ بين الغرب والشرق. ومع نهاية الحرب الباردة ازداد أيضاً وزن المال في توجيه العلاقات الدولية.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى الموقف المتميز الذي عبر عنه وزير الخارجية الفرنسي في مجلس الأمن الدولي بتاريخ 14 فبراير 2003 عندما أعلن معارضة بلاده لقيام حرب جديدة ضد العراق وعبر بذلك عن مشاعر كانت تسدد لدى الرأي العام العالمي، كما أكد على ضرورة المحافظة على الدور الكبير الذي تلعبه منظمة الأمم المتحدة في ضمان السلام الدولي، وعلى خطورة سيادة قطب واحد في تسيير أمور العالم، والمقصود بذلك الولايات المتحدة الأميركية، وأخيراً على ضرورة قبول واقع التباينات الثقافية وتقديم إجابات سياسية على أشكال الفوضى في العالم وليس رفع شعار «تصادم الحضارات».
لكن بعد ثلاث سنوات من قيادة فرنسا لجبهة رفض الحرب الأميركية ضد العراق تبنت باريس موقفاً ابتعدت فيه عن توجيه أي نقد، واكتفت بالإعراب عن «قلقها العميق» إزاء تدهور الأوضاع في العراق، وذلك على قاعدة قناعتها، كما يشير المؤلف بأن «الفشل الأميركي» قد يؤدي إلى زيادة عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط كلها.
وهنا يطرح العديد من الأسئلة لتشكل صفحات الكتاب اللاحقة محاولة للإجابة عنها مثل: كيف انتقل موقف باريس من الدفاع عن عالم متعدد الأقطاب إلى القبول بعالم أحادي القطب وبعولمة مثل تلك التي تريد واشنطن فرضها على العالم كله؟ وكيف جرى الانتقال من رفضها الحرب على العراق إلى تبني القرار 1559 لبنان؟
وكيف استطاع جاك شيراك أن يفصل بين المطلب المشروع للسيادة اللبنانية عن محيطها الإقليمي العام وبالنتيجة عن تسوية للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي؟ وكيف قبل أن ينضوي في سياق النهج الأميركي ـ الإسرائيلي ناسياً أن مصالح فرنسا في الشرق الأوسط لا تتطابق مع مصالح واشنطن وتل أبيب؟ ولماذا تخلت باريس عن مطلبها.بتحديد جدول زمني لانسحاب القوات الأميركية والأجنبية من العراق؟ كيف ولماذا جرى هذا التراجع الكبير؟ وكيف عادت فرنسا لـ «تنتظم في الصف» من بغداد إلى بيروت؟!
الدائرة اللبنانية
تحت عنوان «فنجان من الشاي عند جميل السيد» يبدأ مؤلف هذا الكتاب تحليلاته للأوضاع في لبنان مؤخراً ولموقف الدبلوماسية الفرنسية منها. كان ذلك اللقاء يوم 29 أغسطس 2005 وكانت أصابع الاتهام قد توجهت مباشرة بعد اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري بتاريخ 14 فبراير 2005 إلى سوريا وإلى الأجهزة السرية اللبنانية من قبل الصحافة الدولية التي ذكر بعضها بالاسم «جميل السيد» على أنه «عنصر فاعل في المؤامرة باعتباره رجل الاستخبارات القومي وأحد أقوى رجال السلطة اللبنانية آنذاك بعد أن كان قد أصبح رجل العلاقة بين قصر بعبدا مقر الرئاسة اللبنانية ودمشق.
ويقدم المؤلف على مدى عدة صفحات دفاع جميل السيد عن نفسه وتأكيد بطلان التهم الموجهة له وللأجهزة السرية اللبنانية. ويعتمد من أجل ذلك على إظهار «التناقضات» فيما قيل عن «مسرح الجريمة» و «طبيعة المتفجرات المستخدمة، وعدم مصداقية الشريط المصور الذي بثته قناة «الجزيرة» التلفزيونية للمدعو «أبو عدس»
الذي أعلن فيه مسؤوليته عن التفجير باسم مجموعة إسلامية متشددة وينقل المؤلف عن السيد ما كان ردده كثيراً وجاء فيه: «ان منفذ هذا التفجير هو أحد اثنين: حمار أو آينشتاين، فإذا كان الحمار هو الذي قام به، فهو نحن، أي الأجهزة السرية السورية، أما إذا كان اينشتاين فإنه لا ينبغي استبعاد أي احتمال بما في ذلك الأكثر تعقيداً والأكثر إثارة للدهشة.
وبتاريخ 30 أغسطس 2005 أي في اليوم الثاني مباشرة للقاء مؤلف هذا الكتاب مع جميل السيد فاجأت العدالة اللبنانية الجميع عندما استجابت لطلب المحقق الدولي ديتليف ميليس وأمرت بإلقاء القبض على المسؤولين الأساسيين في الأجهزة السرية اللبنانية.
وقد جاء في بيان صادر عن وزير العدل اللبناني شارل رزق ان قوات الأمن الداخلي اقتادت المدير السابق للأمن العام الجنرال جميل السيد والمدير السابق للأمن الداخلي الجنرال علي الحاج والمدير السابق لاستخبارات الجيش الجنرال ريمون عازار إلى مقر لجنة التحقيق لأخذ إفاداتهم «استمر استضافتهم طيلة الليل ولا يزالون حتى الآن رهن الاعتقال في إطار التحقيقات الجارية حول اغتيال رفيق الحريري».
وبعد عدة أشهر من التحقيقات قامت لجنة القاضي ميليس بتسليم تقريرها للأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، وضم ذلك التقرير بصفحاته الستين ستة فصول كان الخامس منها يمثل جوهر التحقيق. إذ يروي تفاصيل التحقيق الذي قامت به اللجنة حول «التخطيط للجريمة وتنفيذها ومسرحها مع تقييم لخمسة احتمالات يمكن التنقيب فيها»، وبدا ان التحقيقات تميل لترجيح «أطروحة وجود مؤامرة حكومية سورية ـ لبنانية بالاعتماد خاصة على شهادة المدعو محمد زهير الصديق.
بالنسبة لباريس، أعلنت الحكومة الفرنسية عن رضاها الكامل فيما يخص «الجدية والمهنية» التي تحلى بها تقرير «ميليس» وأعلنت التزامها «في الخط الأول» إلى جانب واشنطن من أجل التحضير لمشروع قرار يؤمن متابعة ما جاء في ذلك التقرير وفي مثل ذلك السياق عقد مجلس الأمن جلسة بتاريخ 25 أكتوبر 2005 ظهر فيها ان هناك «جبهة متشددة» مؤلفة من فرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والدنمارك وجرت الإشارة في ذلك الاجتماع إلى أن الوفدين الفرنسي والأميركي في الأمم المتحدة سوف يقدمان «قريباً» مشروعاً لعرضه على بقية أعضاء مجلس الأمن.
بالمقابل أكد القاضي ديتليف ميليس ان الأمر يتعلق بتحقيق وليس بوثيقة اتهام وبالتالي ينبغي لذلك التحقيق أن يستمر. أما دمشق فقد أصدرت بتاريخ 22 أكتوبر 2005 بياناً قرأه نائب وزير الخارجية أكدت فيه أن سوريا مندهشة بعمق من اعتماد القاضي ميليس في تقريره على أقوال محمد زهير الصديق واستخدمت ملفاً كاملاً يثبت ان ذلك الشخص محكوم عليه لقيامه بأعمال تزوير وأنه يفتقد إلى كل مصداقية.
الأصابع السورية
وفي فصل يكرسه مؤلف هذا الكتاب لموقف دمشق من الأوضاع في لبنان يجد القارئ نبذة تاريخية عن طبيعة النظام في سوريا ويبين أنها كانت قد تبنت منذ البداية موقفا في سوريا ويبين أنهما كانت قد تبنت منذ البداية موقفا معارضا للحرب ضد العراق في مجس الأمن.. مثلما كان أيضا موقف فرنسا وألمانيا وبلجيكا وكانت دمشق تأمل، حسب التحليلات المتقدمة، مثل شركائها الفرنسيين والألمان ان تلعب دورا في دعم الاستقرار بالعراق لكن واشنطن رفضت ذلك
وزادت من ضغوطها على دمشق بل وتبنى الكونغرس الأميركي بتاريخ 11 نوفمبر 2003 إجراءات تستهدف سوريا وفي ربيع تلك السنة وعندما عاد كولن باول، وزير الخارجية الأميركي آنذاك من زيارة رسمية له إلى دمشق قال ان للنظام السوري، ثلاثة أصابع أحدها في لبنان والثاني في العراق والثالث في فلسطين وأضاف أن الولايات المتحدة الأميركية «سوف تفعل كل ما تستطيع من أجل قطعها».
وبعد شهرين فقط من صدور قرارات الكونغرس الأميركي ضد سوريا أطلق الرئيس الفرنسي جاك شيراك مشروع القرار 1559 القاضي بالانسحاب الفوري للقوات السورية من لبنان، فلماذا فعل ذلك؟ وهل كان المنعطف الفرنسي الكبير يعود إلى المعطيات الجديدة في العراق؟
أو هل يعود إلى خلاف تجاري بين باريس ودمشق حول عقد كبير في ميدان صناعة الغاز؟ أو ربما للصداقة الخاصة التي كانت قائمة بين الرئيس الفرنسي جاك شيراك ورئيس وزراء لبنان الراحل رفيق الحريري؟ أو بسبب تدهور أكثر عمقاً للعلاقة المعقدة التي حاول الرئيس الفرنسي نسجها مع الرئيس السوري الشاب؟ هذه هي الأسئلة التي يطرحها مؤلف الكتاب.
أسرار القرار 1559
في عودة إلى المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس الفرنسي جاك شيراك عند نهاية اليوم الثاني لقمة البلدان الصناعية الكبرى الثماني في مدينة «ايفيان» الفرنسية يشير الى تصريحه أن «أشكال الالتباس المرتبطة بالحرب في العراق قد زالت» والى قول جورج دبليو بوش، الرئيس الأميركي، قبل سفره إلى «العقبة» و«شرم الشيخ» لحضور الاجتماعات المكرسة لقضية الشرق الأوسط،
ما مفاده: «أنني اشكر أولاً جاك شيراك لحسن ضيافته الآن سوف اطلب منه نصيحته حول ملف الشرق الأوسط. وهو رجل يعرف الكثير من الأمور حول هذه المنطقة وله رأي صائب فيما يخصها. أعرف أن الكثيرين من بلدينا يتساءلون إذا كنا نستطيع حقا أن نجلس جنباً إلى جنب وان نتبادل حديثاً ودياً، الإجابة هي نعم. وأنا سعيد جداً لمجيئي إلى هنا. وأقول إن هذا اللقاء كان شديد الفائدة وايجابيا».
ورداً على سؤال: «كيف ستعملان معاً حول العراق؟». أجاب جاك شيراك: «لدينا قاعدة صلبة تسمى القرار 1483». وهذه قاعدة صلبة تكرس احتلال العراق من قبل التحالف الانجليزي ـ الأميركي، كما يعلق مؤلف هذا الكتاب قبل أن ينقل عن جورج بوش إضافته: «إنني حريص على توجيه شكري لجاك شيراك من أجل الدعم الذي قدمه للوصول إلى القرار الأخير للأمم المتحدة. ولنكن صريحين، لقد اجتزنا مرحلة صعبة.
مواقف شيراك واضحة وأنا عبرت عن موقفي بوضوح، واستطيع القول إن علاقاتنا جيدة إذ يستطيع كل منا أن يكون شريفاً ومستقيما مع الآخر الوضع صعب في العراق لكننا ملتزمون بأن يكتسب حريته. ويمكننا أن نعمل معاً بحيث يمكن التوصل إلى ذلك بسرعة أكبر مما لو أن الخلافات قد استمرت بيننا حول هذا الملف».
كان تفاهم «الواجهة» ذاك قد «كسر الجليد» بين الرئيسين اللذين لم يكونا قد تبادلا الحديث عملياً منذ سقوط بغداد. وجرى لقاء آخر بين الرجلين في شهر سبتمبر 2003 في نيويورك على هامش انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة.. واستجدت لدى جاك شيراك القناعة آنذاك أنه عليه المبادرة «من أجل طي الصفحة العراقية بغية استئناف العلاقات عبر الأطلسية» كما قال احد مستشاري الرئيس الفرنسي.
ضمن هذا السياق طلب شيراك من سفيره في واشنطن جان ديفيد لافيت تقديم اقتراحات يمكنها «تعزيز تلك المصالحة الفرنسية ـ الأميركية». ورأى لافيت أنه يمكن تحقيق «ضربة» في لبنان. بل «ضربة مزدوجة» فمن جهة تتم مساعدة رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري «الصديق الشخصي لجاك شيراك» أمام مطالب دمشق، ومن جهة أخرى يمكن المساهمة في «تشجيع الديمقراطية» في الشرق الأوسط كما ينادي جورج بوش.
وكان نجاح تلك الضربة «يتطلب تحضيرها الدقيق من قبل أشخاص موثوقين ومخلصين، مما استدعى إقصاء العاملين في إدارة إفريقيا والشرق الأوسط في وزارة الخارجية عن العملية إلى أقصى درجة ممكنة. هكذا عهد الرئيس شيراك لمستشاره الدبلوماسي موريس جوردو مونثان بالملف الذي كان ينبغي أن يؤدي إلى صياغة مشروع قرار وتبنيه من قبل مجلس الأمن الدولي بحيث يتم الاعتماد على «برنار ايمييه» السفير الفرنسي في بيروت أثناء المراحل الأخيرة من إعداد ذلك المشروع.
الشعور بالخيانة
وفي خريف عام 2003 بدأت القصة السرية للقرار 1559، ففي سبتمبر ذهب جوردو ـ مونثان إلى دمشق لإقناع الرئيس السوري بـ «ضرورة أن ترخي سوريا قبضتها على لبنان وأن تأخذ في حسابها الواقع الإقليمي الجديد بعد سقوط بغداد». وتتم الإشارة هنا إلى اتصال هاتفي أجراه دومينيك دوفيلبان مع الرئيس السوري بشار الأسد في بداية الأسبوع الثاني من الحرب في العراق وطلب منه أن يأخذ باعتباره نتائج «حرب قصيرة وانتصار أميركي كامل في الميدان العسكري..
وهذا ما علق عليه نائب وزير الخارجية السوري آنذاك ـ وزير الخارجية الحالي ـ وليد المعلم بالقول: «فقد شعرنا بالتخلي عنا وبالخيانة» وشرح قائلاً : «لقد طلب دومينيك دوفيلبان منا الدعم طيلة أسابيع في معارضته للحرب الأميركية داخل مجلس الأمن، وقد منحناه ذلك الدعم من دون تحفظ رغم المخاطر السياسية لذلك بالنسبة لبلادنا، ثم ما أن بدأت العمليات العسكرية حتى أتانا هو نفسه كي يطلب منا توقع انتصار أميركي واستخلاص النتائج من ذلك بدا ذلك نوعاً من التهديد .. وعليكم أن تفهموا مدى دهشتنا، إذا لم تكن خيبة أملنا».
وهذا ما أجاب عنه موفد الرئيس شيراك بالقول ان «باريس ورغم معارضتها للحرب لم تفكر أبداً في أن تقود ائتلافاً معادياً لأميركا» لكن هذا القول لم يكن مقنعاً بالنسبة لدمشق ولم تحظ مطالبه حول لبنان بأية استجابة لاسيما وأن مذكرة أعدتها أجهزة الاستخبارات قدمت ذلك الموفد ـ جوردو مونثان ـ كصديق حميم للبطريرك نصر الله صفير،
وإذا كانت مهمته لم تعط أية نتيجة فإن شتاء 2003 ـ 2004 أدخل العلاقات السورية ـ الفرنسية في فترة من «الصقيع»، وكان ذلك بمثابة انعطاف من الرئيس الفرنسي كان هو الرئيس الأوروبي الوحيد الذي حرص على حضور جنازة الرئيس الراحل حافظ الأسد. «رغم أشكال النقد الصادرة من كل صوب». وكان هو الذي دعا الشاب بشار إلى باريس ونظم له جولة أوروبية قادته إلى مدريد روما ولندن.
وفي شهر يونيو 2004 كان الاحتفال بالذكرى الستين لإنزال قوات الحلفاء على شواطئ النورماندي أثناء الحرب العالمية الثانية مناسبة للتأكيد على قيام تقارب فرنسي ـ أميركي حقيقي، وذلك في إطار كان الرئيس الأميركي بوش يريد الاقتراب من البلدان التي عارضت الحرب ضد العراق من أجل إيجاد مخرج سياسي للطريق العسكري المسدود وأيضاً بغية دفع تلك البلدان إلى تأييد مشروعه للشرق الأوسط مناهض لأميركا من أجل أن يتقارب مع واشنطن على إرادة إقناع العالم العربي ـ الإسلامي أنه لم يغيّر اتجاهه بشكل كامل.
في مثل ذلك السياق وأثناء حفلة عشاء في قصر الإليزيه بوجود الرئيس بوش، أطلق جاك شيراك بالون اختبار لبناني»، كما قال أحد مستشاريه، وذلك عندما قال لنظيره الأميركي: «إذا قطعتم الصلة بين سوريا ولبنان، فإن النظام العلوي في دمشق سيسقط، كما ينقل المؤلف، فأجابه بوش: «أنت تعرف الملف جيداً، فهيا انطلق وسوف نتبعك.
وقد ختم مستشار شيراك قوله: «إن أثر احتفال النورماندي سارع في إجراء تحضيرات القرار 1559 الذي تمت صياغة مسودته النهائية في نهاية شهر يوليو بسردينيا في السكن المكّرس لعطلات رفيق الحريري وأصبح لبنان هو القاعدة التي تقوم عليها المصالحة الفرنسية ـ الأميركية».
وفي قمة البلدان المصنعة الثماني بجيورجيا في الولايات المتحدة ما بين 8 و10 يونيو 2004 عرض جورج دبليو بوش مشروعه لإقامة نوع من الشراكة بين تلك القمة ومخطط الشرق الأوسط الكبير والذي تغير اسمه تحت ضغط البلدان الأوروبية ليصبح «الشراكة من أجل مستقبل مشترك مع منطقة الشرق الأوسط الموسّعة إلى شمال إفريقيا». كما جرى الحديث عن «الحرب العالمية ضد الإرهاب» وعن «الديمقراطية» من أجل «إصلاح» البلدان المعنية.
وينقل المؤلف عن دبلوماسي عربي في واشنطن قوله: «هناك رابطة أكيدة بين بيان قمة الثماني حول الشرق الأوسط الكبير وبين القرار 1559 حول لبنان وسوريا». وبتاريخ 2 سبتمبر 2004 تبنى مجلس الأمن القرار 1559 الذي كان عراباه الرئيسيان هما الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا. وقد اقترعت لصالحه تسع دول وامتنعت ست عن الاقتراع، ومنذ غداة اليوم التالي مدد النواب اللبنانيون ثلاث سنوات إضافية لاميل لحود كرئيس للجمهورية.
كان ذلك بالنسبة لجاك شيراك بمثابة «النقطة التي جعلت الكيل يطفح» لانه عنى بوضوح وضع «صديقه» رفيق الحريري جانباً.. وهذا ما حصل بالفعل يوم 21 أكتوبر 2004. كانت هناك «صداقة خاصة تربط جاك شيراك برفيق الحريري.. وهذا ما عبّر عنه الرئيس الفرنسي عندما علق وسام الشرف على صدر صديقه القديم عام 1996 وهو يقول له: «صديقي العزيز رفيق، أتذكر دائماً انك وزوجتك كنتما حاضرين دائماً في لحظات السعادة كما في اللحظات الأكثر قسوة».
وينقل المؤلف عن أحد مساعدي شيراك السابقين في بلدية باريس قوله: «لقد تلبنن جاك شيراك وأصبح لبنانياً ـ حتى النخاع بينما اعتبر رفيق الحريري نفسه رجل دولة فرنسي تقريباً». لكن اليوم يقول أصحاب رئيس الوزراء اللبناني الراحل عن القرار 1559 انه «سلّح ذراع قتلة الصديق الكبير لجاك شيراك، وكانت السيدة نازك زوجة رفيق الحريري قد قالت لشيراك عندما وصل إلى منزل صديقه يوم جنازته: «لقد وعدتني انه لن يحصل له شيء». يومها لم يرد جاك شيراك بشيء بينما سرح نظيره بعيداً.
ومنذئذ يؤكد الكاتب أن العديد من رجال النخبة في الشرق الأوسط يشعرون انه قد جرت خيانتهم والتخلّي عنهم وتركهم أمام خيار واحد هو الشرق الأوسط الكبير الذي قال به جورج دبليو بوش والذي لم تدافع أوروبا ولا فرنسا بفعالية «لمواجهته» عن الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية التي تم وضع خطوطها الأولى في برشلونة عام 1995.
عرض ومناقشة: محمد مخلوف



