يستحق كوفي عنان، الأمين العام للأمم المتحدة المنتهية ولايته، مراسم وداع تليق بما قدمه طوال 10 سنوات قاد فيها سفينة الأمم المتحدة بكياسة وأدى فيها وظيفة توصف بحق بأنها (من أصل الجحيم).
إنني متحيز لعنان، إذ إنني معجب به من أوائل 1990، وذلك قبل بضع سنوات من توليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة. فشأن الحكومة الأميركية قمت أنا بالترحيب بخطوة خلافته لبطرس غالي في 1996 على رأس المنظمة الدولية. لقد كان عنان المسؤول الأممي الوحيد الذي كانت لديه شجاعة منح واشنطن الضوء الأخضر لقصف الصرب ودفعهم إلى طاولة المفاوضات في صيف 1995. لقد كان تدخله أمرا حاسما.
من السهل أن ننسى الآن أن فترة الخمس سنوات الأولى لعنان التي كان يُنظر إليها باعتبارها سنوات ناجحة بشكل منقطع النظير. فقد جاء عنان برؤية حكيمة ومعالجة حساسة، وبث دماء جديدة في المعالجات الدولية للقضايا المطروحة عليه. كما أنه أثبت استقامة استثنائية عندما فرض تحقيقات مستقلة وشفافة فيما جرى من كوارث في رواندا وسربرنتشا وتقبل جميع الانتقادات التي وُجهت إليه، بما فيها نقده لذاته.
لقد كان عنان ولا يزال مواليا لأميركا واستطاع إصلاح علاقات الأمم المتحدة مع الكونغرس الأميركي. ونجح في إقناع رجال الأعمال بالمساعدة في عمليات التنمية. ووجه اهتماما كبيرا لقضايا الإيدز. وبشكل لم تكن به أي مفاجأة تمت إعادة انتخابه وسط ترحيب كبير في منتصف 2001. غير أن أحداث 11 سبتمبر جاءت لتغير كل شيء. فكما قال عنان نفسه فإن العالم دخل القرن الواحد والعشرين من بوابة جهنم. والنار لا تزال مستعرة، لاسيما في العراق و في بلدان أخرى في الشرق الأوسط.
وعلى خلاف عنان، فإنني كنت وما زلت مؤيدا لقرار تنحية صدام حسين عن السلطة. غير أن مجلس الأمن كان وما برح منقسما حول قضية العراق برمتها. ولم يكن بمقدور أي أمين عام للمنظمة الدولية تجاهل هذا الانقسام.
وفي حدث مثل مأساة لكل من عنان والأمم المتحدة فإن أكثر من 20 من أفضل رجاله قتلوا بوحشية في بغداد على أيدي تنظيم القاعدة في أغسطس 2001.
هذا الحادث بالإضافة إلى الانقسام السياسي حول القضية قد أعاقا جهود الأمم المتحدة في العراق منذ ذلك التاريخ. غير أن عنان أصر على قيام الأمم المتحدة بتنظيم انتخابات يناير 2005 في العراق، وهي الانتخابات التي جرت بشكل ناجح وصوت خلالها ملايين من العراقيين بحرية للمرة الأولى في حياتهم.
دور الأمم المتحدة في العراق قد شابه المزيد من التعقيد إن لم يكن قد توارى بشكل كبير بسبب فضيحة برنامج النفط مقابل الغذاء الذي كان بالفعل كارثة. فالأمانة العامة للأمم المتحدة لم تكن بالكفاءة اللازمة وطال الفساد عددا قليلا من مسؤولي المنظمة، وفساد البرنامج في حد ذاته سمح لصدام حسين باستغلاله لتقوية الاقتصاد العراقي في السنوات الأخيرة من حكمه لمصلحته الشخصية.
غير أنه من غير الصواب أن نحمل عنان كل اللوم في هذا الصدد، فأعضاء مجلس الأمن الدولي، لاسيما فرنسا وروسيا والصين، كلهم كانوا متورطين في الفساد وكانوا يوظفون البرنامج لمصالحهم الشخصية. حتى الولايات المتحدة وبريطانيا تجاهلتا ما يجري من التفاف على العقوبات من أجل مساعدة حليفهما الأردن.
وقد بذل عنان مجهودا كبيرا من أجل إصلاح نظام الأمم المتحدة. غير أن النجاح الذي حققه كان أقل مما تمناه. وفي الربيع الماضي وضع خطة إصلاح معقدة. وعلى الرغم من أن هذه الخطة نالت دعم مندوب الولايات المتحدة جون بولتون
وحظيت بموافقة مجلس الأمن، إلا أنها لم تر النور في اللحظات الأخيرة بسبب رفض مجموعة الدول الـ 77. الأمر بوضوح كان يتمثل في أن عددا كبيرا من سفراء و رؤساء هذه الدول كانوا يخشون من أن يفقد أقاربهم وظائفهم المريحة والمربحة في الأمم المتحدة. وتملك الإحباط من عنان، ولكن اللوم لا يقع عليه وإنما على الأعضاء.
كان عنان يعمل بشكل غير محدود بشأن عدد كبير للغاية من القضايا التي لم تكن تظهر للعيان. وباعتباري سافرت معه لعدد كبير من الدول حول العالم، فإنني فوجئت بالعدد الكبير من المكالمات الدولية التي كان يتلقاها من قادة دول يطلبون منه المساعدة في تسوية نزاعاتهم. وكان يتعامل مع تلك الطلبات بشكل هادئ وأمين لبث الثقة والوصول إلى التصالح المطلوب.
كانت قضية دارفور تمثل مأساة لعنان طوال العامين الماضيين. ولقد كنت معه في أديس أبابا في أثيوبيا في نوفمبر الماضي. وفي خلال اجتماع للدول الخمس الدائمة في مجلس الأمن كان عنان يتوسل للمجتمعين من أجل التوصل إلى اتفاق يقضي بإرسال قوة حفظ سلام دولية إلى دارفور من أجل السيطرة على أعمال القتل الجماعي هناك. وبعد يوم طويل من المفاوضات كانت هناك آمال كبيرة في ضوء ما قيل عن إن السودان وافق أخيرا على خطة عنان.
ملايين كثيرة من شعوب العالم تعلق آمالاً على الأمم المتحدة. وغالبا من تحبط الأمم المتحدة هذه الملايين. إنها تقوم بأشياء حيوية كثيرة و لكن هناك الكثير مما لا تستطيع فعله، فضلا عن أنها تعج بالمحسوبية والفساد والنفاق. إنها تعكس ما يجري من أعمال مرعبة حول العالم، و تحاول أن تفعل شيئا حيالها.
لقد تعامل عنان مع مشكلات كثيرة بقدر من المهارة والصبر واللياقة فاق أي أمين سابق للأمم المتحدة. و إذا كان قد فشل في إنشاء هذه المنظمة الفعالة ذات الأهداف الإنسانية التي كان يسعى إليها، فإن هذا الأمر يرجع إلى أن عددا قليلا للغاية من أعضاء المنظمة يريد وجود منظمة كالتي يريدها عنان.
ترجمة: حاتم حسين
عن (واشنطن بوست)