لم يمض وقت طويل على اغتيال نجله بيير الجميل، وزير الصناعة اللبناني، في بيروت، ولذلك تعلو وجه الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل علامات ألم عميق. في جلسات قمة مدريد+15 حول الشرق الوسط ، التي حضرها مؤخرا في العاصمة الاسبانية، بدا الجميل وكأنه يتوارى عن الأنظار كي لا يجيب عن أسئلة الصحافيين. لكن في نهاية المطاف وبعد انتظار دام لعدة ساعات استقبل الرئيس اللبناني الأسبق محرر صحيفة «لا راثون» وكان له معه هذا الحوار:
ـ هل تعتبر نفسك متفائلا بخصوص مستقبل الشرق الأوسط؟
ـ كل عنصر في المنطقة يؤثر في الآخر... لبنان على فلسطين والفلسطينيون على العراق وهكذا دواليك. لكن من نافلة القول إن لا شيء سهل وذلك ليس لأني متشائم. يجب الوقوف وقفة تأملية واتخاذ قرار صريح في مناخ سليم ويجب التطلع إلى المستقبل والحفاظ على الإيمان والعزم لأن الأمر ليس بسيطا.
ـ هل من مستجدات في التحقيق حول قتلة نجلكم بيير؟
ـ لا، أنا لا أفكر بشيء ولا يزال من المبكر توجيه الاتهام لأحد.
ـ بعد «هدنة الأعياد» بين حزب الله والحكومة اللبنانية، يواصل أنصار المعارضة اعتصامهم بالآلاف في ساحة الشهداء...
ـ للأزمة بعد أوسع بكثير مما تبدو عليه وهي لا تعبر عن صراع وطني أو أهلي فحسب. المشكلة الرئيسية تكمن في تشكيل المحكمة الدولية التي يتوجب عليها النظر في مقتل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في 2005. علما بأن هناك الكثير من الأطراف المحلية والخارجية تريد أن تحول وبأي ثمن دون أن تمضي هذه المحكمة قدما لأنها تعتبرها تهديدا مباشرا لمصالحها.
ـ ما الدور الذي تلعبه سوريا وإيران في الواقع اللبناني الراهن؟
ـ سوريا تحاول العودة إلى استمالة حلفائها واستعادة تأثيرها القوي في لبنان. ومن أجل تحقيق ذلك فإنها تبذل جهودا كبيرة بدعم جوهري من إيران. والتحالف الكبير بين إيران وسوريا لم يعد سرا. وكلا الطرفين يحاولان، عن طريق أصدقائهما وحلفائهما في لبنان، العودة عن الديناميكية المثبتة عقب اغتيال الحريري، ما نسميه قوى 14 آذار. وبفعل التأثير الإيراني الكبير في المجتمع اللبناني الشيعي فإن ميزان القوى يمر في لحظة حرجة جدا.
ـ إثر اغتيال نجلكم بيير، خرج اللبنانيون جميعهم إلى الشارع للتعبير عن رفضهم. هل شعرتم بذلك الدعم الجماعي؟
ـ شعرت بأن الجميع ضد الاعتداء، لكن ليس الجميع كان على استعداد لإيجاد إجماع على المستوى السياسي. فهناك دائماً عزم سوري وإيراني على السيطرة على الحكومة اللبنانية ومؤسساتها.
ـ خلال الأيام التي أعقبت الاعتداء كان ثباتكم واعتدالكم محمودين جدا ووصل بكم الأمر إلى حد التصريح في وسائل الإعلام أنكم فقدتم ابنا ولكن لبنان كسب أبا، هل أنتم مطالبون بأن تكونوا الرئيس المقبل؟
ـ يريحني سماع مثل هذه المشاعر الطيبة حول شخصي، لكني أحاول تقديم أقصى ما لدي لإخراج لبنان من هذه الكارثة البشعة.
ـ هل يعني ذلك أنكم تقبلون التقدم إلى الانتخابات؟
ـ أنا لن أتقدم. أما إذا حدث إجماع حول ترشيحي فإني لن أتمكن من الرفض، لكن ذلك لن يبدر مني. على أي حال لا يزال من المبكر الحديث عن هذا الأمر. اهتمامي الرئيسي منصب الآن على إنقاذ الجمهورية وليس محاولة تحقيق طموحاتي أو خططي الشخصية. فلقد كنت رئيسا طوال ست سنوات، من 1982 إلى 1988 وبالنسبة لي كانت تجربة قاسية وشاقة للغاية. لم تكن رحلة لطيفة بأي حال من الأحوال.
ـ إثر موت نجلكم أطلقتم عدة نداءات للتهدئة ومنع العنف... هل خشيتم من أن تصب رغبة الثأر لدى فئات معينة في خانة حرب أهلية جديدة؟
ـ بالطبع، فلقد حاولت القيام بكل ما هو ممكن كي لا يقوم الناس بالرد وكي يحافظوا على الهدوء. فلقد مررنا بتجارب سيئة كثيرة في الماضي بعد أن تحدث اغتيالات سياسية ولقد سقط الكثير من الضحايا الأبرياء جراء ردود الأفعال الانعكاسية، بحيث لم أرغب بعد خسارة ابني أن يعاني آباء آخرون الأمر نفسه. كل ذلك من أجل لا شيء، فمأساة واحدة تكفي.
ـ هل تخشون من استمرار الاغتيالات السياسية التي بدأت باغتيال الحريري؟
ـ آمل ألا يحدث، لكن لا يمكن معرفة ذلك. هل كان أحد يتوقع اغتيال ابني بيير؟ إثر الاعتداء على رفيق الحريري اعتقدنا أن ذلك قد انتهى تماما مثلما حصل إثر اغتيال جبران تويني. من يدري؟ فلبنان لا يزال يناضل ضد السيطرة، وضد قوى شيطانية.
ـ هناك تقرير للجيش الإسرائيلي يشير إلى وجود احتمال كبير بعودة الحرب إلى لبنان ولأن تمتد هذه الحرب إلى سوريا. هل تعتقد بأنها إشارة تحذيرية أم واقعية؟
ـ أتعتقدون بأن لبنان قد عانى الكثير وانتهى الأمر؟ الأمر الوحيد الذي نأمله هو التمكن من بناء سلام على أن يكون حقيقيا، سلام أهلي، نرغب فيه نحن. ونحن لا نريد بأي حال من الأحوال موجة جديدة من العنف.
ـ كيف باعتقادكم سينتهي الاحتجاج الذي يحافظ عليه حزب الله منذ أكثر من شهرين؟
ـ بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان فقد سلاح حركات المقاومة كل أسباب وجوده. لم يعد هناك من دافع كي يبقي حزب الله على ترسانته. لم يعودوا بحاجة إلى ذلك السلاح لأن جنوب بلادنا قد تحرر. لماذا يريدونه؟
خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار ما يؤكدونه بأنفسهم فيما يتعلق بأنهم لا يحتفظون بالأسلحة من أجل تسوية أي صراع داخلي. أنا أدعو اللبنانيين إلى فهم أن ما يفعله حزب الله هو انتحار. الطريقة الوحيدة للمضي قدما ولتحقيق أهدافهم هي ضمان مستقبل أبنائهم واستعادة الضمير الجماعي ورؤية مصالحنا الحيوية. وليس خدمة مصالح القوى الأجنبية بالتضحية بخير الوطن.
ـ هل تعتقدون بأن الحكومة التي يترأسها فؤاد السنيورة مستقرة إلى درجة تمكنها من تحمل كل هذا الضغط أم أن الأمر سينتهي بانحلالها؟
ـ ستتحمل لأنها قوية جدا وتعتمد على دعمنا الكامل ودعم كل الذين تظاهروا في شوارع بيروت في 14 مارس احتجاجا على اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. الحكومة مدعومة من قبل غالبية البرلمان اللبناني والمجتمع الدولي، غربيين وعرب.
وفؤاد السنيورة يزور البلدان الأوروبية والعربية لحشد كل الدعم الممكن لممارسة قيادته. أما المعارضة فلم تكن حتى الآن مقنعة بالمطلق في انتقاداتها للحكومة، ليس لديهم حجج ما عدا حجة «نريد استبدالك». وهذا ليس كافيا في بلد ديمقراطي وخصوصا في بلد مثل لبنان، حيث توجد ديمقراطية وتناوب على السلطة وأهم المناصب الرسمية.
ترجمة: باسل أبو حمدة - عن «لا راثون» ـ اسبانيا