ذكريات من الطفولة لا تمحى، فهي أحداث غالية على القلب لا نستطيع نسيانها فبمجرد أن نذكرها تدفعنا أشواقنا إلى الماضي والعيش في كنف الجد والجدة اللذين عشنا معهما أجمل لحظات العمر ، وفي كنفهما قضينا أياما مفرح بعضها ومحزنه بعضها الآخر، هم لنا أعز الناس إلى الفؤاد فلهم الفضل بعد الله في الرعاية فهم البركة والخبرة والعطاء منهم استفدنا الكثير من العلم والمعرفة لان تجاربهم في الحياة لا تحصى .
ترى هل تذكرون أجدادكم؟ وهل لك مواقف لصقت بألا ذهان ولاتغيب ؟حارب السويدي مذيع في مؤسسة الإمارات للإعلام قال : لا أستطيع أنسى أن جدتي رحمها الله كانت تعتني بي وتوجهني دائماً، حيث كانت تنظم لنا وقتنا وتهتم بتنبيهنا كثيراً لوقت الصلاة وموعد الدراسة فكل له وقته المخصص به ، فمعاملتها معنا فيها الحنان والشدة، فتحنوا علينا حتى لا تنفرنا منها ،وتقسوا علينا أحيانا لكي لا تكون تصرفاتنا سيئة ، فأنا لا أستطيع أن أنساها رغم أنها رحلت منذ وقت طويل فذكراها محفورة في مخيلتي، أذكر قولها لي أنهم كانوا سعداء في حياتهم السابقة فهم عانوا في حياتهم لأنها كانت صعبة ولكنهم في نفس الوقت سعداء فاستطاعوا أن يكيفوا أنفسهم مع ظروف الحياة القاسية والتي اعتبروها جزء من حياتهم.
وأضاف الشاعر طارق المحياس: إن أحن إنسان علي هو جدي فقد كان عطوفا معي ، لأنني كنت أول فرحة تدخل إلى قلبه لأنني أول أحفاده، فتربيت في أحضانه فلي حكاية مع جدي لا أنساها حيث أنه في إحدى المرات كان يسقي النخيل فطلب مني أن أساعده في نقل خرطوم المياه من نخلة إلى أخرى، ولكنني كنت ضئيل الحجم فلم أستطع أن أسحبه إلى النخلة فتركته بالقرب منه، فلما عاد جدي غضب لما رأى فأخذ يوبخني ومن ذلك اليوم وأنا أخافه وبقيت ثلاثة أيام لم أتحدث فيه معه، فأتى لكي يراضيني فحضنني بقوة. وأهدى هذا المقطع من قصيدة لكل إنسان لا يهتم بوالديه فرضى الوالدين من رضى الرب «أنا شاعر لذاك إلي أبد ما شاف فرحة وذاق.... كبر وتبروا عياله وغرتهم مشاغلهم.... خذتهم عنه الدنيا وكنهم عايشين سباق.... وصار أبسط طموحه بس ثواني لو يعانقه»
وأوضح إسماعيل مطر لاعب كرة قدم في فريق الوحدة والمنتخب انه لا يستطيع أن ينسى جدته التي تربطه بها علاقة وطيدة، فله معها ذكرى لا تنسى ففي إحدى المرات بعد عودتها من رحلة عمرة بالأراضي المقدسة، أحضرت الهدايا الكثيرة، لكنه تفاجأ بما أحضرته له،حيث كانت ألعاباً للأطفال وكان في عمر السادسة عشر، فسألها باستغراب: لماذا تقدمين لي هذه الألعاب؟
فقالت لأنك صغير وهذه الألعاب تناسبك ، فقلت لها جدتي لقد كبرت على هذه الألعاب، فأنا في نظرها لا أزال حفيدها الصغير الذي لم يكبر ولن يكبر بالنسبة لها. ولكني أصريت على عدم قبول هذه الهدية لأنها لا تناسبني. وعند انصرافي لاحظت عليها نوعا من الحزن وهي تنظر للألعاب، فعدت لها وأخذت الهدايا وقبلتها على جبينها،وقلت لها بما أنك تذكرتيني فسأقبل هذه الهدية، فقالت أنت لا تزال طفل بالنسبة لي فابتسمت لها.
وذكر الشاعر جمعة بن نايم الكعبي انه يعتبر جده شخصاً متسامحاً إلى أبعد الحدود فهو شاعر حساس، حيث كان يصاحبه في مجالس الشعر خاصة في أيام الشتاء حين كان يشعل النار فيتجمع من حوله الرجال فيلقي عليهم من قصائده العديدة المتألقة، فاستفاد منه الكثير وتعلم إضافة إلى انه الهمه إلى طريق الشعر ،
وألقى هذه الكلمات لجده (رحمه الله) زيابوي قلبك كبير ان ضقت لي ريتك.... قلب حنون أتذرى فيه وأحيابه.... علمتني الصبر فالشدات وأعطيتك..... وعد مع الوقت ما تفنيه طلابهس
عندما كنت صغيراً
وقال الدكتور قيس التميمي من جامعة الإمارات: عندما كنت صغيرا كان والدي كل يوم جمعة يذهب بنا إلى مزرعة نسبح في الحوض وفي المزرعة كان هناك شخص يدعى بيدار «حارس» طيب القلب ، ومحب ودائما نجلس معه ، وفي إحدى المرات أصر علينا كي نذهب إلى بيته لكي نتعشى فذهبنا وتعرفنا على أسرته، وبعد مرور سنوات عدة صادف أن التقيت بأحد أبناءه الذي تعرف علي من خلال اسمي ،
ولكني لم أعرفه فطلب مني الذهاب معه إلى بيته، وهناك رأيت والده فعادت بي الذكرى إلى الماضي فتذكرت الأيام الجميلة التي قضيتها في المزرعة، فقام الوالد بسرد القصص التي حدثت معنا، وقبل رحيلي طلب مني أن أقوم بزيارته بشكل مستمر. فقلت له إنشاء الله، وبقيت على هذا الحال أزوره كل يومين، حيث يحكي لي قصص من حياته والمواقف التي مرت به وهي في أحيان تكون سارة ومرة محزنه ومؤلمة.
الماضي والحاضر
وفي أحدى المرات سألته والكلام على لسان قيس التميمي :هل تفضل الوقت الحالي على الزمن الماضي؟ أجابني لا أحب الوقت الحاضر فالماضي أفضل بكثير، فاستنكرت جوابه وقلت ولكن التطور الحاصل في البلاد قد سهل علينا الكثير من الأمور مثل المواصلات والمستشفيات والمدارس والكثير من الأمور، فقال ولكن الماضي أجمل وأفضل، ففي الماضي كان الناس يتواصلون مع بعضهم ويسألون عن أحوالهم
ولو كانوا بعيدين في المسافة ولكنهم قريبين من القلب فكان الناس يزورون بعضهم مشياً على أقدامهم وذلك فقط للزيارة أما الآن الناس يمتلكون السيارات وسبل أخرى للزيارة والانتقال ولكن لا أحد يزور أهله ولا أصحابه، والجار يسأل عن جاره ولو كان عاشر جار،
أما الآن جارك الذي بجوارك لا يعرف عنك ولا يسأل عن أحوالك، فاقتنعت بجوابه وحاولت أن أتواصل معه أكثر ولكن شاء القدر أن أسافر وأبتعد عنه، وعندما عدت من الخارج، أول ما قمت به هو السؤال عنه فاتصلت بمنزل هذا الرجل الذي اعتبرته بمثابة الوالد والصديق، وإذا بي أتفاجأ بصوت ابنته التي كانت تبكي بحرارة فسألتها ما بكِ، قالت وبصوت حزين وباكي لقد توفي والدي اليوم، فيا لهذه الصدفة العاثرة توفي قبل أن أراه، فذهبت باعتباري أحد أبناءه لكي أساندهم وأؤازرهم في محنتهم التي أعتبرها محنتي كذلك.
علي عبدالله مهندس عانى الكثير مع جده لأنه «الجد» طلب أن يقيم في دار المسنين ولكنه رفض وفي صباح يوم لم يجده في المنزل فبحث طويلاً حتى أتصل له شخص يخبره أن الجد في دار المسنين، فذهبت مسرعا إلى هناك وفي الوقت نفسه مندهشاً من تصرفه فهو لم يقصر بحقه أبدا فلماذا لا يريد البقاء معه.
وعند وصوله للدار أصر أن يأخذه ولكنه بقي على رأيه وإصراره، فسأله هل أنا مقصر معك في شيء قال: بالعكس أعطيتني الكثير. إذا لماذا لا تريد البقاء معي، قال: أني أشعر بأنني أثقل عليك وأتعبك معي فأنا لا أريد أن اجهدك في الاعتناء بي كما انني سأجد في الدار من هم في سني أفكارهم مثل أفكاري وعالمهم مثل عالمي يذكروني بالماضي. فتركته وكلي ألم وحزن، ولكنني أزوره باستمرار.
نام ولن يصحو
علي حسن موظف له قصة مع جاره العم راشد، فعندما كان صغيرا كان دائما وفي أوقات الصلاة يذهب بي إلى المسجد لكي يصلي فلقد كان يحث جميع الصغار والكبار على الصلاة في أوقاتها وعدم تأخيرها لأي ظرف من الظروف وكان ايضا يعلمهم قراءة القرآن الكريم، ومرت السنوات وكبروا وكبر العم راشد، وهو الآن كفيف البصر وأصابه مرض الخرف والنسيان وانقلبت الأمور حيث إنه اصطحبه إلى المسجد يوميا لكي يصلي ،
وفي يوم حزين من أيام الجمعة ذهب إلى منزله لكي يقوده إلى المسجد لكنه انصدمت من ردة فعل زوجته التي قالت أنه نام ولن يصحو أبدا وكانت تبكي بحرارة فعرفت إن العم راشد انتقل إلى رحمة الله فبكيت بشدة وعلم الناس بموته فحظر جميع الأفراد لوداعه، رحم الله العم راشد الذي له الفضل الكبير في تعلمنا القرآن والصلاة .
فارقت الحياة وامنيتها ان تراني
محمد حسن - طالب- له ذكرى مع جدته مفرحة وفي الوقت نفس مؤلمة، عندما كان صغيراً كانت جدته تأتي دائما إلى المنزل ولكنه يكون نائما، فتدخل إلى غرفته لتوقظه ولكنه يرفض الاستيقاظ لأن الوقت مازال مبكراً، فتحضر كأس من الماء وتسكبه على رأسه ، فيتظاهر بأنه سستيقظ وسرعان ما يعود إلى السرير بعد أن يقفل باب الغرفة،وهي على هذا الحال كل صباح تريد منه أن يجلس معها،
وفي يوم من الأيام كان يتوقع قدومها فلم تأت وانتظرها لساعات ولكنها لم تحضر، فذهب إلى أمه كي يسألها عن جدته التي لم تأت فقالت لي أنها مريضة وهي الآن في المستشفى في حالة خطيرة، فذهب إليها مسرعا ، وهو في طريقه كنت يتحسر وكله ندم على الوقت الذي لم يقضيه معها، وعند وصوله إلى المستشفى قال له أخوه بأن جدته فارقت الحياة وكانت تود أن تراه وأوصته بأن يخبره، بأن علي أن أستيقظ كل يوم في وقت مبكر وأن أدعي لها بالغفران، وأنا لا أزال أستيقظ مبكراً لكي أنفذ لها وصيتها وآخر أمنياته


