في إحدى أشهر التجارب في التاريخ، قرع إيفان بابلوف الجرس أمام كلبه قبيل تقديم الطعام له فسال لعاب الحيوان، وبعد تكرار التجربة عدة مرات تعلم الكلب وخزن في ذاكرته العملية وأصبح يسيل لعابه كلما سمع قرع الجرس، حتى وإن لم يقدم له الطعام. لكن السؤال هنا هو : ما هي العملية الفيزيائية- الكيميائية التي جرت في دماغ الكلب الشهير أو أي حيوان آخر يتصرف بالطريقة عينها؟

كشف فريق من العلماء الإيطاليين والإسبان النقاب أخيرا عن طبيعة تلك العملية الكيماوية وذلك عن طريق تطبيق التجربة على مجموعة من الفئران الحية، فيما لوحظ في دماغها حدوث متسلسلة الجرس ـ الحافز ـ رد الفعل. ويقول خوسيه ماريا ديليغادو غارسيا، وهو من وحدة العلوم العصبية في جامعة بابلو أولافيدي (اشبيلية) إن هناك ضرورة «لدراسة الدماغ بصورة حية ومباشرة، لرؤية ما يتغير أثناء النشاط العقلي» ودراسة الدماغ بصورة مباشرة

بينما يخزن معلومة أو يتعلم شيئا «لأن عمليتي التذكر والتعلم هما وجهان لعملة واحدة»، وفق ما توصل إليه مع زميله أنجيس غروارت، بالتعاون مع الفريق الإيطالي الذي تتولى رئاسته ليلينا مينيشييلو، حيث تمكنوا «لأول مرة» من بحث الأساس الجزيئي للذاكرة لدى فأر حي، محددين هوية جزيء جوهري في عملية التعلم ومسيرة الإشارات بين الأعصاب».

وتقوم التجربة العلمية، التي نشرت نتائجها في مجلة «لييرننغ آني ميموري»، على إدخال مجس في دماغ الفأر أو في المنطقة المخصصة للذاكرة من الدماغ ورؤية كيف يعمل عندما يتعلم ومن ثم يتذكر ما تعلمه. ومن ثم يتم إحداث صوت معين إلى جانب الفأر تماما قبل أن تهب نسمة خفيفة من الهواء تغلق له جفنيه، وكما في حالة كلب بابلوف، إثر تكرار التجربة عدة مرات، فإن الحيوان راح يغلق عينيه عند سماع الصوت، ومن دون نسمة الهواء تلك.

ولاحظ العلماء كيف تتغير المنطقة المخصصة للذاكرة في أدمغة الفئران، لكن ديليغادو يؤكد على وجود عدة أنواع من الذاكرة (واعية، وآلية وكهربائية) وأن الكثير من مناطق الدماغ تشارك في هذه العملية المعقدة وليس فقط منطقة الذاكرة وان ما تم دراسته في الفئران مرتبط بالتعلم المؤقت تماما مثلما يحصل في أدمغة الأشخاص.ويضيف ديليغادو أن «الدماغ آلة تتغير حالتها عندما يتم التفكير بأمر معقد»، مما يؤكد أهمية الدراسات الحية في هذا الميدان، وان ما تم التوصل إليه ما هو إلا البداية.