يعتقد عدد كبير من الخبراء أن الرياح هي أكثر المصادر البديلة للطاقة جاذبية وسهولة. ففي جنوب شرق ولاية سان فرانسيسكو الأميركية توجد أضخم قاعدة في العالم لتوليد الطاقة الكهربائية من الرياح، تحوطها قطعان الماشية التي ترعى بهدوء غير عابئة بغابة المراوح حولها. فحين تبلغ سرعة الرياح 15 ميلاً في الساعة تبدأ دواليب 7500 مروحة هوائية عملاقة بالدوران، علماً بأن دوران المراوح يولد طاقة كهربائية تكفي لسد حاجات منازل سان فرانسيسكو قاطبة.
ولكن في الوقت الذي يملك فيه الأميركيون أكبر قاعدة في العالم لتوليد الطاقة الكهربائية من الرياح، فإن الأستراليين أضحى لهم السبق في القدرة على تخزين هذه الطاقة النظيفة واستخدامها وقتما تقل الرياح وتمس الحاجة إلى مصادر بديلة نقية غير مضرة بالبيئة. فلأول مرة منذ اللجوء إلى الرياح كمصدر فعال للطاقة، ينجح الإنسان في تركيب بطارية قابلة لإعادة الشحن تضمن تحقيق أكبر استفادة ممكنة من الرياح عند هبوبها بجانب تقليص نسبة الفاقد إلى أقل حد ممكن، الأمر الذي من شأنه إحداث نقلة نوعية في الاستفادة من طاقة الرياح في العالم وتحويلها إلى مصدر رئيسي بديل للحصول على الطاقة الكهربائية.
لقد حدث هذا في جزيرة كينغ الأسترالية. هذه الجزيرة ليست مرتبطة بشبكة الكهرباء الرئيسية للبلاد. وبجانب مزرعة الرياح الصغيرة التي تمتلكها الجزيرة، فإن أهلها يعتمدون منذ سنوات طويلة على مولدات الديزل في الحصول على الطاقة الكهربائية. غير أن هذا الواقع قد تغير في عام 2003 عندما نجحت إحدى الشركات المحلية هناك في تركيب بطارية عملاقة قابلة لإعادة الشحن تضمن الاستفادة من كل هبة ريح وتحول دون فقدان كميات كبيرة من الطاقة التي تستمد من الرياح.
فعندما تكون الرياح على أشدها فإن توربينات مزرعة الرياح تولد طاقة كهربائية تفوق بكثير احتياجات سكانها. وهنا يبرز دور البطارية في امتصاص الفائض من الطاقة وضخه مرة ثانية في الأيام التي تندر فيها الرياح وتقل فيها قدرة التوربينات على توليد الطاقة. وقد أدى تركيب البطارية العملاقة إلى تقليص كمية الوقود التي تحرقها مولدات الديزل بمقدار النصف، الأمر الذي لم يوفر المال فحسب، وإنما أدى أيضاً إلى تقليص نسبة انبعاث ثاني أكسيد الكربون بمعدل 2000 طن سنوياً على الأقل.
لكن ما هو الجديد في هذه البطارية؟
هذا السؤال يجيب عنه محرر مجلة «نيوساينتست» التي أفردت تقريراً شاملاً عن هذا التطور الجديد الذي أتى به مسؤولو جزيرة كينغ الأسترالية. فمنذ سنوات طويلة يعرف أن التوربينات ومولدات الطاقة الشمسية تستخدم بطاريات داعمة تخزن الطاقة في شكل كيميائي. وفي البطاريات الرصاصية والحمضية، التي هي أكثر أنواع البطاريات استخداماً، يحدث أن تظل المواد الكيميائية، التي تخزن الطاقة، داخل البطارية.
الاختلاف بين تلك البطاريات والبطارية العملاقة التي جرى تركيبها في الجزيرة الأسترالية هو أنه عندما تشتد الرياح فإن الكيماويات الغنية بالطاقة يجري ضخها خارج البطارية إلى داخل خزانات، ما يسمح للكيماويات الأكثر نقاءً بامتصاص قدر أكبر من الشحنات الكهربائية. ولذا فإنه كي تتم إعادة توليد الطاقة الكهربائية فإنه يجري ببساطة تحويل التيار إلى الاتجاه العكسي.
هذا النوع من البطاريات يمتلك ميزة كبيرة تتمثل في أن طاقته التخزينية يمكن تطويرها بسهولة وبتكلفة بسيطة وذلك عن طريق بناء خزانات أكبر؛ وبإضافة المزيد من الكيماويات ، يمكن في حالة الاعتماد عليها-أي تلك البطاريات- أن تحل محل أنظمة تخزين الطاقة التقليدية، بل ويمكن توسيع استخدامها لتشمل البطاريات الموجودة في السيارات التي تعمل بالطاقة الكهربائية وكذلك خزانات الطاقة الكهرومائية العملاقة.
ومن المعروف أن الكهرباء تختلف كل الاختلاف عن سلع الطاقة الأخرى مثل الفحم والنفط، التي يمكن أن يتم تخزينها في الصيف من أجل الشتاء عندما يزداد الطلب على الطاقة بشكل عام. فشركات الكهرباء يتعين عليها مواجهة التقلب في الطلب من خلال تعديل حجم العرض يوماً بيوم أو حتى ساعة بساعة.
ولا شك أن عملية معادلة العرض مع الطلب تمثل إشكالية كبيرة، لاسيما عندما يتعلق الأمر بمصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية. فلا يمكن على سبيل المثال أن يُؤتى بالرياح عندما تكون هناك حاجة إليها ، فهبوبها مرتبط بظروف مناخية معينة. ومن ثم فإن شركات الكهرباء لا يمكنها التعويل عليها بشكل كامل، وفي الوقت ذاته يتعين عليها أن تُبقي على محطات الطاقة التقليدية في الفترات التي لا تهب فيها الرياح أو لا تسطع فيها الشمس كي تلبي احتياجات الناس الأساسية من الكهرباء..
وترجع فكرة تركيب البطارية الانسيابية العملاقة في جزيرة كينغ الأسترالية إلى العام 1980عندما قامت مهندسة كيميائية أسترالية تُدعى ماريا سكايلاس ببرنامج بحثي عن هذا النوع من البطاريات في جامعة نيو ساوث ويلز بالعاصمة سيدني. وقد ركز ذلك البرنامج على أحد العيوب الكبرى في هذا النوع من البطاريات والذي كان متمثلاً في أن الأغشية التي تفصل بين منحلي الكهرباء في البطارية كانت تسمح بتسرب بعض جزيئات المناحل ومن ثم فإن كل سائل ينتج من المناحل يتعرض للتلوث بفعل اختلاطه بالآخر، الأمر الذي ينتقص من إنتاجية البطارية.
الحل الذي قدمته ماريا للمشكلة هو استخدام عنصر كيميائي واحد للمنحلين. وعلى الرغم من استخدام عنصر واحد، فإنها قالت إنها تستطيع المحافظة على توفير الاختلاف المطلوب في جهد الأكسدة أو الاختزال عن طريق ضمان أن العنصر الكيميائي المستخدم يكون في حالتي أكسدة مختلفتين في السائلين، أو بعبارة أخرى أن تحمل الذرات الموجودة بهذا العنصر شحنات كهربائية مختلفة. والعنصر الكيميائي الذي استخدمته الباحثة كان الفاناديوم، وهو عنصر فلزي يمكن أن يوجد بأربع حالات كهربائية متباينة.
وقد ثبت بالتجربة أن هذا النوع من البطاريات هو أفضل من البطاريات التقليدية في نواح عديدة. فالعمر الافتراضي لبطاريات الفانديوم الانسيابية لا يتأثر إلا بالعمر الافتراضي للأغشية والمواد الصلبة الأخرى الموجودة بها، وهو العمر الافتراضي الذي يزيد بما يتراوح من ضعفين إلى ثلاثة أضعاف عن مثيله في البطاريات الرصاصية الحمضية التقليدية.
الميزة الأكبر في تلك البطاريات تتمثل في إمكانية مضاعفة أحجامها بشكل لا متناه بغية زيادة فعاليتها وقدرتها على تخزين أكبر طاقة ممكنة، وذلك عن طريق زيادة حجم الخزانات وملئها بكميات أكبر من الكيماويات المستخدمة. وأشارت «نيوساينتست» إلى أن بطاريات الفانديوم الانسيابية مستخدمة بالفعل في اليابان لتوفير طاقة كهربائية احتياطية للمصانع العاملة في بعض المناطق.
و تستخدم شركة في آر بي باور سيستمز، وهي شركة أنظمة كهربائية مقرها فانكوفر في كندا، حالياً التقنية الكهربائية التي تعتمد على بطاريات الفانديوم. وقد وقعت الشركة العام الماضي عقداً لإنشاء بطارية بطاقة 12 ميجاواط في الساعة في مزرعة رياح سورن هيل الواقعة في مدينة دونيغال في أيرلندا.
الفكرة من الإنشاء هي ضمان توفير طاقة كهربائية من الرياح وتحسين القدرة الاقتصادية للمزرعة عن طريق بيع الطاقة الكهربائية المخزنة إلى الشبكة الكهربائية في أوقات الذروة عندما تصل الأسعار إلى أعلى معدلاتها.وقد فتحت الشركة خط إنتاج جديداً لإنشاء2500 بطارية سنوياً بطاقة 5 كيلو واط. وفي الوقت ذاته تستمر البحوث في هذا الصدد لاختبار مدى فعالية استخدام بطاريات الفانديوم في السيارات التي تعمل بالكهرباء.
وبصرف النظر عما إذا كان استخدام هذا البطاريات في السيارات سينجح أم لا، فإن جزيرة كينغ الأسترالية قد أثبتت أن هذا النوع من البطاريات الانسيابية التي تعمل بفلز الفانديوم يمكن أن يلعب دوراً فعالاً في تطوير مصادر بديلة للطاقة وتحويل طاقة الرياح إلى مورد فعال يمكن الاعتماد عليه من دون أي معوقات.
ترجمة: حاتم حسين
