يبدو أن الهدنة المتفق عليها في بيلتوي في قمة بوش ـ بيلوسي قد انتهت. يقول الرئيسان الحاليان للجنتي القوات المسلحة والشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي كارل ليفين وجو بيدن ـ وزعيم الأغلبية هاري ريد ـ إن انسحاب القوات الأميركية من العراق على مراحل سيكون أولى أولوياتهم، ويقول ريد إن إعادة انتشار القوات «ينبغي أن تبدأ خلال الأشهر القليلة المقبلة».
يرد كبير موظفي البيت الأبيض جوش بولتون معترضاً: «لا أظن أننا سنتقبل الفكرة القائلة إن هناك جدولاً زمنياً ثابتاً سننسحب بموجبه تلقائياً من العراق، لأن ذلك سيكون كارثة حقيقية على الشعب العراقي». يقول جون ماكين إننا بحاجة إلى المزيد من القوات لسحق جيش المهدي والمليشيات، وتحقيق النصر. فإذا حددنا موعداً نهائياً للانسحاب، فإننا نخاطر بنهاية كنهايتنا في سايغون، بحيث يتم نقل الأميركيين بالمروحيات من سطح السفارة الأميركية. ويبدو أن ماكين يتبنى موقف جورج والاس الذي اتخذه عام 1968: «حققوا النصر، أو اخرجوا!».
وهكذا نأتي إلى النهاية في حرب أغرقنا فيها من قبل جمهوريي بوش، وأولئك المحافظين الجدد الذين يهرولون الآن عائدين إلى مؤسساتهم الفكرية، وهذا هو حال الديمقراطيين : كلينتون، كيري، إدواردز، بيدين، ريد، داشيل، الذين قدموا لبوش شيكاً على بياض في أكتوبر 2002 من أجل «إنهاء» قضية الحرب قبل الانتخابات.
لقد عوملت أميركا بصورة رهيبة من قبل الحزبين. وبما أن الديمقراطيين قد استولوا على الكونغرس الآن، فإنهم يتحملون المشاركة في المسؤولية عن الانسحاب من بلاد الرافدين. وهو الأمر الذي ينبغي أن يحدث. بينما لم يفكر قادتنا قط بالنتيجة المحتملة التي سيؤدي إليها غزو دولة عربية لم تهاجمنا، فإن من الأفضل لنا أن نفكر بالنتائج المحتملة التي سيؤدي إليها الانسحاب في 2007.
يتم إخبارنا بأن منح العراقيين موعداً نهائياً، نبدأ بعده بالانسحاب، من شأنه أن يقوي عودهم كي يتحملوا مسؤولية بلدهم بأنفسهم بصورة أكبر. ولكن ثمة احتمالا مماثلا أو أكبر يقول إن الانسحاب الأميركي سيحطم معنوياتهم وروحهم، وأن الحكومة والجيش العراقيين، برؤيتهما الأميركيين وهم يتوجهون إلى طريق الخروج، سينهاران في مواجهة عدو متجدد الطاقات وسيتقاتل الشيعة والسنة والأكراد فيما بينهم بالانسحاب من أجل تحقيق الأمن والبقاء.
إن العرب لا يجهلون التاريخ. وهم يعرفون أننا عندما انسحبنا من فيتنام الجنوبية، قام الكونغرس الخاضع لسيطرة الديمقراطيين بقطع المساعدات عن نظام سايغون، وكل كمبودي وفيتنامي جرب حظه معنا انتهى به الأمر ميتاً في «معسكر لإعادة التعليم» أو وسط سكان القوارب في بحر الصين الجنوبي، حيث تعرضت نساؤهم وأطفالهم للاعتداء بصورة اعتيادية من قبل القراصنة التايلانديين.
في ذلك العام الأول من «السلام» في جنوب شرق آسيا، كان عدد الكمبوديين الذين لقوا حتفهم يفوق بعشرين مرة جميع الأميركيين الذين قتلوا في سنوات الحرب العشر. وفي العراق، فإن انهيار الحكومة والجيش في مواجهة انسحاب أميركي ـ يتبعه حرب أهلية طائفية، وتفكك البلاد والهزيمة الإستراتيجية للولايات المتحدة ـ يشجع أعداءنا ويعرض البقية الباقية من أصدقائنا في العالم العربي للخطر ـ هو احتمال وارد.
غير أن ما قاله إدموند بيرك يظل صحيحاً: «ليس هناك حرب بإمكانها الاستمرار طويلاً ضد رغبة الشعب». والشعب الأميركي يفقد ـ إن لم يكن قد فقد بالفعل ـ الإرادة لمواصلة هذه الحرب. فقد أرهقته مشاهد القتل والموت اليومية والحديث اللانهائي عن «التقدم» في الوقت الذي لا يرون سوى الموت. إنهم يعتقدون أن الحرب كانت غلطة، ويرغبون بالعودة إلى الوطن.
إن نخبنا من الصقور يأسفون على الحقيقة القائلة إن الأميركيين يبدون مستعدين للاستسلام فيما يخص العراق في حين أن عدد القتلى الأميركيين لا يتعدى ما نسبته 10 % من عددهم في الحرب الكورية. وذلك لأنهم لا يفهمون الأمة.إن الأميركيين لا تقودهم مهمة أيديولوجية لإصلاح البشرية. فنحن لا نتحلى بالصبر أو المثابرة التي كانت تتحلى بها شعوب الإمبراطوريات العظمى. إذا كان هناك قضية لا ينظر إليها باعتبارها حيوية بالنسبة إلى حريتنا وأمننا، فإننا لن نخوض قتالاً طويلاً بسبب أفكار تجريدية مثل الديمقراطية أو تقرير المصير أو حقوق الإنسان.
إنه لأسطورة القول إننا ذهبنا إلى حرب من أجل إنقاذ العالم من الفاشية. لقد خضنا الحرب في 1941 لأن اليابان قصفت بيرل هاربر. كما أن اجتياح هتلر لفرنسا، وطرد البريطانيين من القارة وغزو إمبراطورية ستالين لم يكن سبباً كافياً لإرسال الصبية الأميركيين عبر المحيط ليلقوا حتفهم.
وفي عام 1990، لم يقتنع الأميركيون بطرد العراق من الكويت حتى تحدث بوش الأب عن أسلحة صدام النووية. وحتى بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كان الأميركيون متشككين من الزحف إلى بغداد إلى أن تم إخبارنا بأن صدام كان يراكم أسلحة دمار شامل وأنه ينوي على الأرجح استخدامها ضدنا. كان لا بد في أغلب الأحيان من الكذب على الأميركيين كي يذهبوا إلى الحرب.
ربما يقرأ الديمقراطيون البلد بطريقة صحيحة. فالأميركيون لن يرسلوا قوات إضافية إلى العراق، كما يطالب بذلك ماكين. إنهم يريدون الخروج من هذه الحرب وهم مستعدون لتحمل العواقب. ولكن هذه العواقب ستكون بشعة ودائمة. هذا ما يحدث للدول التي ترتكب أخطاء تاريخية.
بقلم: باتريك بوكانان
ترجمة: كوثر علي عن «أنتي وور»
