هذه الحلقة الأخيرة تدور في معظمها حول أسئلة وإجابات وكلها تتعلق بمستقبل المناطق الرئيسية التي ينقسم إليها عالمنا المعاصر. ويجملها مؤلف كتابنا البروفيسور «ألين هاموند» تحت عنوان: الخيارات الإقليمية، وهذه الخيارات تتعلق بأقاليم العالم الكبرى، من الصين والهند في آسيا إلى قارة أميركا اللاتينية إلى الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وإلى إفريقيا السمراء جنوبي الصحراء الكبرى وصولا إلى المنطقة التي تعيش على أراضيها الأمة العربية وجاراتها، وهي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

من البديهي أننا نعيش في عالم يزداد ترابطا وتواصلا وتلك ظاهرة جديرة بأن تسود وتتعمق خلال السنوات والعقود القادمة من هذا القرن الحادي والعشرين. بيد أن هذه الظاهرة تجمع في طياتها تناقضا أساسيا: بين التقارب الشديد الذي سوف يشهده عالمنا وكوكبنا وبين التفرد والتميز الشديد إلى حد التباعد الذي تنقسم إليه الأمم والشعوب فوق ظهر الأرض من ناحية الثقافة والتاريخ والظروف الجغرافية ومستوى النمو وما إلى ذلك.أما على مستوى كل إقليم بعينه فالتساؤلات تمضي تحديدا على النسق التالي: هل تستطيع أميركا اللاتينية أن تتغلب على ميراث من إهمال الفقراء لصالح مزايا الأغنياء وهو ما جعل هذه الجارة الجنوبية للولايات المتحدة واحدة من أشد مناطق العالم ظلما ومسغبة وافتقارا إلى الإنصاف؟

هل ستتمكن الصين في السنوات القادمة من التغلب على تناقضاتها الداخلية ومشاكلها الكامنة في المجالين الاجتماعي والبيئي ومن ثم تستكمل مسيرتها، بل هي انطلاقتها الراهنة إلى حيث تطمح إلى إنشاء سوق صناعية حرة ومن ثم التحول إلى شكل من أشكال الحكم الديمقراطي؟

هل يقدَّر للهند، المشهود بأنها أكبر ديمقراطية في العالم والمتوقع لها أن تصبح أكثر أقطار الكوكب سكانا أن تنجز مهمتها التاريخية المتمثلة في انتشال ملايين من سكانها من وهدة الفقر المدقع والنَبْذ الاجتماعي؟

هل يستفيد أفارقة جنوبي الصحراء الكبرى من تجربة جنوب إفريقيا في التوصل إلى مجتمع أكثر تآلفا بين شرائحه وفي إرساء قدر من السلام الاجتماعي والاستقرار السياسي باعتبار ذلك هو البيئة الصحية الحاضنة للتنمية.. وذلك دون أن تدفع إفريقيا السمراء ثمنا فادحا لقاء ما تعانيه حاليا من إهدار الموارد وغوائل الجفاف واضطراب موازين البيئة الطبيعية، ناهيك عن الفساد السياسي والخلل الاقتصادي؟

هل يستطيع أهل الشرق الأوسط (العرب بالذات في مشرق وطنهم ومغربه) أن يتجاوزوا الأنظمة غير الديمقراطية وينجحوا في تحديث اقتصاداتهم والنهوض بمجتمعاتهم أم أن حمى النزال سوف تستمر محتدمة بين أساليب الحكم الجامدة وبين تيارات الإسلام الراديكالي مما يجعل المنطقة مكتوبا عليها أن تظل فريسة العنف وزعزعة الاستقرار؟

هل يقدر لكل من روسيا وجاراتها في شرقي أوروبا أن تكمل مسيرتها المذبذبة الراهنة في عملية التحول والانتقال من اقتصادات السوق المخططة مركزيا ومن ثم يكون التغيير من بقايا النظام الشيوعي إلى النظام الديمقراطي (الليبرالي)؟

هل يقدر لأميركا وأوروبا الغربية واليابان.

وهي أغنى دول العالم، أن تحافظ على انفتاح اقتصاداتها وتظل ممسكة بمقاليد القيادة العالمية أو أن مشاكلها الداخلية وعلاقاتها الدولية، بكل ما تنطوي عليه من سلبيات وعثرات وأخطاء، يمكن أن تودي بها إلى غياهب العزلة والانكباب على مشاكلها الداخلية ومن ثم الانكفاء على الذات؟

أخيرا يوجز المؤلف تساؤلاته التي يفتتح بها آخر أبواب الكتاب قائلا (ص129): إن الأسئلة التي طرحناها تتعلق بخيارات أساسية وربما مصيرية ومحصلة هذه الخيارات هي الكفيلة بأن تشكل بحق شكل وصيغة العالم في السنوات المقبلة من زماننا الراهن وهي التي ستقرر بالتالي ما إذا كنا نحن والأجيال القادمة سنعيش في عالم يسوده السلام والرخاء أم في عالم يعاني من التلوث والعنف والإحباط.

مسك الختام

نحن إذن بإزاء أهم الأبواب الختامية من هذا الكتاب، وهو ينقسم إلى فصول يتعلق كل فصل منها ـ كما ألمحنا ـ بمنطقة بعينها من مناطق العالم. وقد عمد المؤلف إلى اختيار عنوان ذكي الدلالة لكل فصل بحيث ينبّه قارئه إلى المشكلة أو القضية الجوهرية الماثلة أمام كل من تلك المناطق أو الأقاليم.

من هنا يعرض المؤلف مقولاته وأحكامه الختامية في الكتاب على النسق التالي:

(1) أميركا اللاتينية: نمو منصف أم استقرار مضطرب؟

هناك نصف مليار إنسان يعيشون في جنبات تلك القارة. وللوهلة الأولى تبدو أميركا اللاتينية محظوظة بكل ما قد يفيد في النمو الاقتصادي من حيث الموارد والعمالة والموقع الجغرافي وتنوع الأقاليم المناخية. بل يبدو أن أقطارها استطاعت أن تتعافى إلى حد كبير من كارثة الانهيار الاقتصادي التي ألمّت بدولها خلال عقد الثمانينات..

وأفضت الإصلاحات الديمقراطية التي شهدتها القارة إلى أن رفعوا أسماء جميع دولها ـ باستثناء هايتي وغويانا ـ من قائمة البنك الدولي لأفقر البلدان من حيث الدخل السنوي، بل إن منها ـ تشيلي مثلا ـ ما أحرز نموا سنويا مرموقا بلغت نسبته 7 في المئة لدرجة كانوا يقارنونها بإنجازات النمور الاقتصادية الشهيرة في جنوب شرقي آسيا.

التعاسة في الأعماق

مع هذا كله فالصورة البراّقة على السطح تنطوي على مشاهد مأساوية وكئيبة في الأعماق. وما على الباحث سوى أن يقارن بين أفخر الدور والقصور واليخوت والسيارات وبين ما تعيشه دواخل برازيليا أو ساو باولو أو كولومبيا أو باراغواي من تعاسة تدنو عن المستوى اللائق بكرامة الإنسان، وبحيث يمكن القول إن هناك أكثر من 20 في المئة من سكان أميركا اللاتينية يرسفون في أغلال الفقر المدقع ويحصلون على ما يكاد يسد الرمق بشق الأنفس، ولا ينال هذا الخمُس من سكان القارة سوى نسبة 4 في المئة فقط من إيراداتها.

وإذا ما طبقنا أطراف المعادلة الثلاثية التي صاغها مؤلف كتابنا ـ سيناريو الانفتاح + الانغلاق + التغيير بإرادة البشر لأفادتنا المعادلة بأن فتح الأسواق على مصاريعها جدير بأن يفتح على القارة اللاتينية أبواب العنف والصراعات الداخلية المسلحة، وأنشطة الميليشيات المتمردة من كل عقيدة ومذهب وترويج لعصابات زراعة وتهريب المخدرات (الكوكايين المدمر بالذات). ومن هنا يبقى الحل الثالث الذي يرى المؤلف دائما أنه يبشر بالعلاج ويتمثل في ديمقراطية السياسة وحشد إرادة البشر وفي عدالة الاقتصاد وتوسيع نطاق اللامركزية وتفعيل التحول الديمقراطي.

(2) الصين وجنوب شرقي آسيا: هل يتاح الاستمرار للمعجزة الآسيوية؟

هنا يعيش ثلث سكان العالم، وبالتالي يرتبط مصير كوكبنا بمستقبل هذا الثلث الذي يضم كل العقائد وكل الرسالات وكل المذاهب والتيارات والاتجاهات.

لقد شهدت العقود الأخيرة من القرن الماضي إنجازا مرموقا حققته آسيا من شرقها إلى جنوبي شرقها، ولدرجة ألقت بظلال نجاحها حتى على الاقتصاد الأميركي بجلالة قدره، والسؤال هو: هل يمكن أن يستمر هذا «النموذج الآسيوي» بكل ما ينطوي عليه من تناقض بين اقتصاد منتفض بالحيوية وبين سياسات للحكم مازالت تعاني قيودا مفروضة على الحريات وحقوق الإنسان؟

ومهما يكن من أمر، فالحاصل أن اقتصادات جنوب آسيا كانت في العقود الأولى من القرن العشرين أقل نموا وربما أشد تخلفا حتى من الاقتصادات المناظرة في قارة إفريقيا، لكن 4 عقود من النمو المتواصل والجهود الحثيثة المستنيرة أفضت مع الثلث أو الربع الأخير من القرن العشرين إلى تحقيق معدلات مشهودة من النمو بما يقارن حتى مع عدد من دول القارة الأوروبية ذاتها.

صنع في الصين

جاءت النتيجة أقرب إلى الإبهار في الصين حيث باتت عبارة «صنع في الصين» شعارا يتردد في القصور والبيوت والأكواخ في طول الكرة الأرضية وفي عرضها ولدرجة أن طرحت تنبؤات تقول بأن الصين جديرة أن تملك أضخم اقتصاد في العالم كله مع هذه السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين.

لكن الوجه الآخر لعملة النجاح ينذر بخطر يتمثل في ثمن النجاح ذاته: إن التوسع الصناعي في جنوب آسيا والصين جاء بأمراض بيئية من أهمها تلوث الأنهار ومواقع المياه العذبة، وجاء بأمراض اجتماعية في مقدمتها شيوع الفساد والرشوة ومن أخطرها اتساع الهوة بين المحظوظين في المدن والحواضر والمحرومين في البوادي والأرياف.

إن الصين مثل اليابان بلد محدود الموارد بالنسبة لبلد كبير وله مكانة يعتد بها بين أمم العالم، ويكفي أن نتدبر معا الحقيقة التالية: الصين عليها أن تطعم 20 في المئة من سكان العالم من واقع 7 في المئة فقط من محاصيل العالم المتاحة من أرضها الزراعية، ولسوف تواجه أيضا أزمات في توفير المياه وخاصة في مقاطعاتها الشمالية والغربية، كما أنها لا تحتكم من «حطام الدنيا» سوى على 4 في المئة من غابات هذه الدنيا.

ورغم تقلص رقعة الفقر الذي كان ضاربا أطنابه في ساحات الصين، فمازالت المشكلة قائمة. ويكفي أن يقال إن هناك 250 مليون مواطن صيني يعيش يوميا على أقل من دولار واحد فقط حسب إحصاءات البنك الدولي، وإن هناك 70 مليون صيني ما زالوا يرسفون بين براثن الفقر المدقع.

التلوث الصناعي

وطبقا لسيناريو السوق المفتوحة، تدل الشواهد على استمرار النمو والانفتاح الاقتصادي الذي تقوده بكين لدرجة قد توصّلها مع منتصف القرن الحالي إلى مكانة تتيح لها صوتا مسموعا للغاية في شؤون الكرة الأرضية. لكن سيناريو الانغلاق يحذر من حركات رفض وتمرد وربما عنف فوضوي قد تجتاح الصين وخاصة في المدن والمراكز الحضرية التي نزحت إليها هجرات بالملايين من سكان الأرياف النائية والمتخلفة والمحرومة من ثمار ذلك الانفتاح الذي شهدته العقود الختامية من القرن العشرين.

لهذا يحذّر السيناريو المتشائم من مغبة النجاح غير المنضبط وغير الرشيد.. إنه مثل كأس الشراب الذي قد يبعث قدرا من انفراج الأسارير ولكنه يسلم إلى حالة أقرب من الغيبوبة تحول دون التفكير السليم. ففي منطقة تونغباي مثلا أنشأوا مصنعا عملاقا للورق فأدى المصنع إلى تطوير المنطقة وتشغيل آلاف من السكان، ولكنهم ظلوا يلقون مخلفاته الكيميائية، وأغلبها مواد سُمّية المحتوى في مجاري النهر القريب، فكان أن أصيبت مصادر مياه المنطقة بالتسمم الذي ما لبث أن انتقل إلى صحة السكان فاندلعت أزمة في الصحة وفي المياه أيضا.

لا حل إذن، لا في الصين ولا في جنوب شرقي آسيا، سوى بترشيد عملية النمو وبحساب كل خطوة تقدم عليها تلك البلدان الناهضة في القارة الآسيوية الشاسعة.. حسابا يوازن بين العائد والتكلفة وبين المغارم والمغانم على ألا يكون هذا كله على حساب صحة الإنسان.

(3) الهند: إعلان استقلال جديد

في عام 1997 احتفلت الهند بالعيد الخمسين لاستقلالها وأعرب الهنود ومراقبو الشأن الهندي عن اعتزازهم أولا بصمود الهند على جادة الديمقراطية، وثانيا بإنجاز مرحلة مرموقة من التقدم الاقتصادي في مجالات الزراعة والصناعة ولاسيما في مضمار تطوير برمجيات الحواسيب الالكترونية.

بيد أن هذه الاحتفالات ما كانت لتحجب موضوعيا تحديات المستقبل بكل شراستها البالغة وفي مقدمتها ذلك التحدي الديموغرافي المخيف وتجسده الحقيقة البسيطة التالية:

إن الهند تضم 930 مليون نسمة يعيشون على رقعة من الأرض تبلغ ثلث مساحة الولايات المتحدة، ويشيع بينهم معدلات عالية في الخصوبة والتكاثر وخاصة بين سكان الأرياف الهندية لدرجة سوف تصل بحجم السكان الهنود إلى نحو 2 مليار إنسان عند منتصف القرن الحالي، وهم يزيدون دون أن تزيد أشبار الأرض التي يقيمون عليها مما يجعل طاقة الحمّل (بمعنى قدرة الاستيعاب وتلبية الاحتياجات لهذه المساحة الأرضية) عبئا رهيبا لا يطاق:

صحيح أن اقتصاد السوق ـ كما صوره سيناريو النمو الانفتاحي في كتابنا ـ أوصل الهند إلى مكانة النمر الآسيوي، لكن الصحيح أيضا أن الآثار الجانبية ـ السلبية بالتأكيد ـ لهذا النمو جديرة بأن تحرك نوازع الغضب لدى الملايين من السكان الذين أطاح النمو الرأسمالي الشرس بما كانوا يتعيشّون عليه من سبل الحياة البسيطة الزهيدة، فما بالك وأن هذا السخط يمكن أن تزيده بل وتؤجج شراراته عوامل الفرقة الدينية ـ اللغوية ـ المذهبية والإثنيّة على السواء!

هنالك يؤكد الكتاب على أهمية مواصلة مسيرة الديمقراطية في الهند، وما يرتبط بها من لا مركزية الحكم الفيدرالي في الولايات لكن مع الوعي بأهمية إنهاء النظم الاجتماعية التي تجاوزها الزمن، نظام المنبوذين مثلا، ومواصلة برامج محو الأمية وترقية التعليم والتأمين الصحي وهنا يشيد المؤلف بما حققته ولاية كيرالا الهندية الجنوبية من إنجازات في هذا المضمار.

(4) إفريقيا السمراء: التغيير أو المأساة!

واضح من العنوان بالطبع أن الخيار صعب لكنه مفروض إن لم يكن محتوما، لكن المؤلف يؤكد أيضا على أهمية قيام وتفعيل السوق الإفريقية المشتركة تعزيزا للتبادل التجاري بين أقطار القارة، وبحيث تستطيع دولها أن تضمن مركزا تفاوضيا قويا تجاه الاحتكارات الدولية العملاقة وفي مواجهة الشركات متعددة الجنسيات ولاسيما في مجال اتفاقات ومعاملات المواد الخام ومستلزمات الطاقة ومدخلات التصنيع.

مأساة غرب إفريقيا

يحذر المؤلف من الإمعان في تكريس الديكتاتورية في إفريقيا وإنكار حقوق الإنسان والحرمان من الحريات الأساسية للبشر. والنموذج المأساوي الذي يسوقه في هذا الخصوص هو أحوال غرب إفريقيا: الكونغو وسيراليون وليبيريا على سبيل المثال حيث وصل الأمر إلى استخراج الماس، وهو أثمن المعادن الكريمة، لا من أجل تصنيعه ـ أو حتى مبادلته لقاء السلع الإنتاجية أو حتى الوسيطة اللازمة لعمليات التنمية، ولكن من أجل بيعه في أسواق النخاسة التجارية لقاء شراء الأسلحة ومواد التدمير والتخريب التي تفيد بارونات الحرب الأهلية على حساب شقاء الملايين من السكان.

أما وصفة المؤلف للشفاء من هذه الأمراض فأول بنودها يتمثل في اعتماد إفريقيا على نفسها لكي تدرك عن وعي مدى ما يتمتع به باطن أرضها من موارد معدنية وخامات أوّلية ثمينة، وما يحفل به ظاهر أرضها من غطاء نباتي، من غابات وأحراش وأدغال وحقول تكفل للقارة موقعا متميزا على خارطة العولمة في ما يأتي من سنوات القرن الجديد.

(5) أوروبا وأميركا واليابان:

هنا يتطرق الكتاب إلى الحديث عن روسيا التي يصفها بأنها الدولة التي تسيطر على أكبر كتلة يابسة فوق ظهر الأرض، ثم يتابع أحوالها وهي تعيش مرحلة انتقالية، شأنها في ذلك شأن دول شرقي أوروبا التي كانت تشكل معا المعسكر السوفييتي الذي تداعى إلى زوال مع فاتح التسعينات الماضية. وربما كان من ميزات روسيا أنها قليلة السكان بالنسبة لمساحتها الشاسعة (150 مليون نسمة) .

ومن شأن دوران عجلة النمو أن تفضي إلى عوائد سريعة الثمار في مجتمعات استطاعت أن تحقق مستويات محترمة من التعليم العام والأكاديمي والتقني شريطة أن تحذر هذه البلدان أي روسيا وأوروبا الشرقية من أمرين أولهما تناقص السكان بفعل انخفاض خصوبة الشباب وارتفاع آجال السكان المتقدمين في السن، فضلا عن عوامل تدهور البيئة أو تلوثها من جراء انفلات التطور الصناعي أو الأنشطة العسكرية (كارثة مفاعل تشرنوبيل النووي نموذجا).

أما في أميركا وأوروبا واليابان، لا تزال أطرافا محظوظة بالثروة والتقدم فوق رقعة كوكبنا، فإن المؤلف يطرح أمامها مع قرب نهاية الكتاب خيارا واضح المعالم يقول: القيادة أو الركود، بمعنى أن للقيادة مسؤوليات وللنجاح ثمنه أو كما تقول سطور المؤلف (ص231): إن سيناريو الاقتصاد الحر المفتوح والاستعداد المتواصل لقبول التغيير ينطوي بدوره على حلقة مفرغة أو دائرة جهنمية إن صح التعبير.

فالانفتاح يقتضي مزيدا من الانفتاح والتوقف عنه يعود بأوخم الآثار وأخطر ما يواجه هذه الأقطار التي حققت أشواطا بعيدة في مجال التصنيع الفائق هو الخطر الناجم عن هذا التصنيع الفائق ذاته! إنه خطر البطالة الناجم عن الاستغناء بالآلة عن الإنسان والاكتفاء بشبكات الحاسوب عن دوام البشر من العمال والموظفين. والبطالة تنيّن شرس لا يلبث ينفث من فكيه نارا من الإحباط والانحراف والشعور بالقهر وعدم الجدارة، فضلا عن الفقر والتشاؤم إزاء احتمالات المستقبل.

(6) شمال إفريقيا والشرق الأوسط:

ينظر المؤلف إلى أوتوقراطية الاستبداد بالمنطقة على أنها أكبر خطر يهدد مستقبلها، وهو يرصد أيضا تناقضات الأوضاع في المنطقة: بين أراض قاحلة وثروات نفطية حافلة وعقيدة تكاد توحد أهلها في ظل الإسلام. وهو يتوقع أن يأتي عام 2010 الوشيك فإذا بنفط الشرق الأوسط يشكل نصف إمدادات العالم كله من البترول وعندما يهلّ عام 2025 ستكون خمس دول فقط من أقطار الشرق الأوسط قادرة على تزويد العالم بنسبة تصل إلى 60 في المئة من احتياجات مجموع سكان كوكبنا من هذه المادة الإستراتيجية النفيسة.

في نفس السياق يرى المؤلف أن مشكلة المنطقة ستكون موارد المياه المتاحة لتلبية احتياجات مستقبلها. لكن بقدر الاحتياجات إلى المياه، فالمنطقة في رأيه مازالت بحاجة إلى تحولات ديمقراطية تكفل تأكيد روح المواطنة وتضمن لعموم السكان ما لهم من حقوق الإنسان.

وبالمناسبة فالشرق الأوسط وشمال إفريقيا منطقة ليست بالفقيرة ولا المحرومة. إن مجموع ناتجها الاقتصادي جدير بأن يقترب من 2 تريليون دولار وهو بهذا يفوق الهند ذاتها التي تفوقها بكثير بالطبع في عدد السكان.

ومن مشاكل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن كثيرا من حكوماتها ترفض مشاركة الجماعات (المعتدلة) في العمليات الديمقراطية مما يؤدي إلى زيادة الاتجاهات المتطرفة، ومن ناحية أخرى فمن هذه الحكومات من يبذل القليل لتحسين أحوال السكان الاقتصادية والاجتماعية مع أن هذا هو البلسم الوحيد لعلاج التطرف وما ينجم عنه من آثار.

إيجابيات التفاؤل بالشرق الأوسط

مع هذا كله فالمستقبل ليس كئيبا ولا محفوفا بضباب اليأس أمام الشرق الأوسط. فالمنطقة كما يراها مؤلف الكتاب، تحوي أطرافا دينامية تؤدي أدوارا حيوية على ساحة الاقتصاد العالمي: معدلات الأمية انخفضت، وتعززت في المقابل مكانة المرأة في كثير من مجتمعات المنطقة، فيما استطاعت بعض أقطارها أن تبلور كوادر من الشباب المتعلم والطامح إلى المشاركة في عمليات التحديث في ظل مجتمع العولمة.

ولو أحسنت المنطقة استثمار عوائدها السخية لخدمة أغراض الحكم الرشيد والتنمية المستدامة والحفاظ على الموارد من مغبة الإهدار وأخطار التلوث، ولو التمس أهلها صياغة عقد اجتماعي يؤكد على المواطنة والمشاركة والاستنارة والعدالة وأهداف التنمية والتقدم والديمقراطية لانفتحت آفاق أرحب لمستقبل واعد أمام المنطقة.

أخيرا يودع المؤلف قارئيه (212) بسطور أقرب إلى النبوءة يقول فيها: المشكلة أن معظم حكومات الغرب تريد أن تبقى الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كما هي عليه بدلا من أن تدعم آفاق التحرير السياسي. وعليه، فقد يأتي التغيير بخطى بطيئة.. ولكن في ضوء الأوضاع السياسية الملتهبة في المنطقة، فضلا عن الضرورات الاجتماعية المتزايدة فقد تكتشف أن لم يعد ثمة وقت أمامنا وقد ينفد الزمن تماما كما كانت حبات الرمال تنفد في الساعات الرملية القديمة.