من منظور المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (52 عاما) القادمة من الحزب الديمقراطي المسيحي، ليس لأوروبا الحالية صلة وثيقة بأوروبا التي ارتبطت مع ألمانيا بشكل تقليدي. أوروبا في نظرها بعيدة كل البعد عن المثالية الأوروبية التي كانت سائدة في غابر الزمان، وهي تراها من خلال درجة أقل من البلاغة الكلامية ومزيد من الحس العملي.

خلال العقود الزمنية الأخيرة، كانت ألمانيا ـ البلد الحساس حيال المسألة القومية جراء الصدمة النازية ـ أحد أكثر الشركاء قربا من فكرة التكامل الأوروبي وأكثر تحفظا في موضوع الدفاع عن السيادة أمام مركزية بروكسل.

والآن يبدو أن ميركل، أول امرأة مستشارة وأول مستشار يتحدر من جمهورية ألمانيا الديمقراطية الشرقية سابقاً، مستعدة لتعيش اللحظة الأوروبية في أوج ازدهارها، ذلك لأنها ستقود خلال الشهور الستة المقبلة الاتحاد الأوروبي كما ستقود طوال عام 2007 مجموعة الثماني، التي تمثل نادي البلدان الصناعية الكبرى. وستفعل ذلك ولديها فكرة عن مشروع أوروبي غريب عن الرؤى الكبرى وأكثر حرصا على الوحدة الملموسة التي يمكن أن يصل إليها الاتحاد الأوروبي من أجل مواطنيه.

وفي مقابلة أجريت معها مؤخراً، قالت ميركل : علينا التركيز على ما هو جوهري. والجوهري هو مصالحنا الاقتصادية المشتركة في العالم وحماية الملكية الفكرية والعلاقات مع الصين والهند وحل الصراعات الدولية ووحدة قوانا حين يتعلق الأمر برؤية أين بوسعنا المساهمة بإحلال السلام وصونه.

المستشارة الألمانية، التي تعد الآن بالذات أحد أكثر القادة تأثيرا في أوروبا والعالم، قلقة كذلك حيال فتور الحماس الذي يثيره المشروع الأوروبي، الأمر الذي يمكن رؤيته بوضوح من خلال رفض الدستور الأوروبي في عام 2005 في كل من فرنسا وهولندا. وأكدت ميركل خلال المقابلة أن المجلس والبرلمان الأوروبيين قالا إن المواطنين عاجزون عن الفهم الكامل للاتحاد الأوروبي. وبصورة متكررة يتضح أن كل ذلك لا يمت بصلة كبيرة لحياتهم. ولذلك فإنه من الضرورة بمكان العمل في أوروبا على المشاريع المرتبطة بموضوعات ملموسة جدا.

من بين هذه المشاريع استشهدت المستشارة بموضوع سياسة الطاقة وبناء شبكات الاتصال الكبرى بين البلدان الأعضاء أو التعاون في ميدان المبادرات مثل جاليليو، نظام الملاحة عبر القمر الاصطناعي الأوروبي.

حتى وقت قصير جدا، كان هذا الخطاب المعاكس لخطاب الإفراط في موضوع الضبط والربط في كنف الاتحاد الأوروبي مقتصرا تقريبا على المشككين بالمشروع الأوروبي المشترك. وفي الأماني كان سلف ميركل، الاشتراكي الديمقراطي جيرهارد شرويدر، هو الذي فتح الهوة وبدأت تخامره على المكشوف الشكوك حيال بروكسل وراح يطالب بدون أي تعقيدات بالمصالح الألمانية. وجاءت عملية إعادة توحيد ألمانيا واستعادة السيادة بصورة تامة لتمهد الطريق كي تمارس برلين سيادة أكبر في السياسة الخارجية والأوروبية.

هل يمكن إذن القول وداعا للفكرة الرومانسية القائمة على أوروبا التي بفضل اتحاد الشعوب تمت المحافظة على السلام فيها خلال عقود من الزمن، وهي فكرة كان لها في ألمانيا محاميها الرئيسي.

وترد المستشارة قائلة : أين تبدأ البراغماتية؟ وأين تنتهي الرومانسية؟ أليس الإنسان كائنا عمليا؟ نحن نعلم أن أوروبا تحظى بتاريخ سلمي عظيم ونحن نقدر ذلك ونقوله في إعلان برلين في الذكرى الخمسين لاتفاقات روما ( 25 مارس المقبل). لكن ما كان في السابق حفاظا على السلام داخل أوروبا بات الآن حفاظا على السلام من أجل أوروبا، لأن الأخطار أصبحت تأتي من الخارج فجأة.

وأضافت ميركل، الدكتورة في الفيزياء والمتزوجة من عالم ألماني شهير، من مكتبها في الطابق السادس من مبنى المستشارية، إن الاتحاد الأوروبي عندما تشكل كان إطاراً عمليا للغاية. استهل مسيرته بسلام وعلى الفور اعتمد سياسة مشتركة في موضوع الحديد والصلب، الذي يعد أهم الموارد التي اندلعت الحرب بسببها طوال سنوات.

وما كان حديد وصلب آنذاك فإنه ربما بات اليوم إمكانياتنا العلمية والبحث وحماية الملكية الفكرية «وشددت على أنه» بمعنى آخر، يمكن القول إن أوروبا تحتاج إلى سياسيين يستطيعون النظر إلى ما هو أبعد من أنوفهم، لأن نجاح أوروبا العظيم إنما يكمن في أن المصالح الخاصة يمكن أن توضع قيد التنفيذ بصورة أفضل حين تأخذ في الاعتبار مصالح الآخرين.

وبسؤالها عن الصعوبات التي يطرحها بلد مثل بولندا، العضو في الاتحاد الأوروبي منذ عام 2004، والمتشبث إلى درجة العناد بالمصالح القومية والميال إلى الرفض، فإن المستشارة تحذر من أن «الأعضاء الجدد ليس لديهم خبرة كبيرة في هذا الشأن. لكنه سيكون خطأ القول إنهم لا يستطيعون التفاوض على مصالحهم بما يكفي من النضج، لأنه لم يمض عليهم معنا سوى وقت ضئيل».

في الاتحاد الأوروبي لا يعتمد الدفاع عن المصالح على عدد سنوات الانتماء إلى النادي». فرغم الصعوبات خلال الشهور الأخيرة بين التوأمين الشعوبيين كازنسكي والحكومة الألمانية، إلا أن المستشارة دافعت مرات عديدة أثناء المقابلة عن شركاء الاتحاد الأوروبي الصغار ومتوسطي الحجم.

قبل وصول ميركل إلى السلطة في نوفمبر 2005، اشتكى هؤلاء مرارا وتكرارا من أن التحالف الوثيق بين ألمانيا جيرهارد شرويدر وفرنسا الرئيس جاك شيراك قد وضعهم على الهامش. أما المشروع الذي رعاه شرويدر والرئيس فلاديمير بوتين والخاص بمد خط لأنابيب النفط في البلطيق لتزويد ألمانيا بالغاز الروسي من دون أن يمر عبر بولندا، فلقد أثار حفيظة وارسو، وميركل تقول بهذا الصدد : «يجب التأكد من أن أنبوب النفط ليس ضد بولندا».

ميركل تمد يدها كذلك إلى نظيرها الإسباني خوسيه لويس رودريغيز ثاباتيرو، الذي على الرغم من انه لم يتزامن سوى لمدة عالم واحد مع شرويدر في السلطة، إلا أنه أقام معه علاقة طيبة، لكن العلاقة مع المستشارة لم تكن أفضل. وليس بسبب المسافة الأيديولوجية بينهما فحسب، علما بأن التحالف الذي كان قائما في وقته بين الاشتراكي فيليبي غونزاليس والديمقراطي هيلموت كول هو الذي دفع باتجاه المشروع الأوروبي.

ولقد أظهرت ميركل، التي تقف على رأس تحالف ألماني واسع مكون من الديمقراطيين المسيحيين والاشتراكيين الديمقراطيين، نفسها على أنها أكثر من زعيم صاحب مبادرة، إذ أنها تعتبر نفسها صانعة الوفاق. لكن هذه الفضيلة ـ أو النقيصة، حسب منتقديها تسمع كثيرا وتفعل القليل ـ ستكون بحاجتها من أجل حل المشكلة الرئيسية التي تواجهها خلال الأشهر الستة المقبلة:

المعاهدة الدستورية، التي تنتظر في زاوية ميتة منذ رفض الفرنسيين والهولنديين لها. وهي تقول بهذا الخصوص: «الفرنسيون والهولنديون يريدون كذلك اتحادا أوروبيا له قدرة على المناورة، ومسألة فشل الاستفتاء سنأخذها بعين الاعتبار ولا نستطيع تفاديها. لكننا لا نستطيع قطعا القول إنه لا يجب التكلم أكثر عن مشروع المعاهدة الدستورية. ففي الواقع ان هذا الأمر لا يطلبه أحد لا في فرنسا ولا في هولندا، على حد علمي. لكن لا بد من إمعان النظر بطبيعة التبعات بالنسبة لهذين البلدين وبالنسبة للبلدان التي أقرته».

ميركل تمكنت من إصلاح الخلل الذي ألمّ بالعلاقات بين برلين وواشنطن، جراء موقف شرويدر من الحرب في العراق، وهي فعلت ذلك من دون تفادي الانتقادات التي وجهتها، على سبيل المثال، إلى معتقل غوانتانامو، ومع ذلك فإن صراحة المستشارة سحرت الرئيس بوش.

بوش وميركل يتفقان كذلك على ضرورة تفعيل ما يسمى اللجنة الرباعية الخاصة بالشرق الأوسط، التي تضم الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، بيد أن المستشارة خففت من حدة التوقعات على هذا الصعيد وقالت: «جراء الوضع الصعب، لم تدخل اللجنة الرباعية حيز الفعل في الشهور الأخيرة، لقد قلنا إن اللاعبين المحليين يجب أن تكون لديهم إرادة السلام. فنحن لا نستطيع التحرك من فوق رؤوس الفلسطينيين والحكومة الإسرائيلية، لكن هذه اللجنة تقدم فرصة لتنسيق الجهود الدولية والرئيس الأميركي قال ان الفكرة بدت له حسنة».

ترجمة: باسل أبو حمدة عن «لا فانغوارديا»