يأخذنا المؤلف في هذه الحلقة في إطلالة سريعة على المشهد الديموغرافي في العالم، حيث يسلط الضوء على الزيادة السكانية المتوقعة حتى منتصف القرن الحالي فيشير إلى أن تعداد سكان العالم سيصل إلى 5,9 مليارات نسمة بحلول 2050، الأمر الذي سيزيد من الضغط على الموارد من أجل تلبية احتياجات هذه الجموع الغفيرة من البشر.
ورغم التوقعات الوردية التي يوردها بالنسبة للنمو الاقتصادي العالمي، إلا أنه ينبه إلى أن مظاهر الرخاء والترف التي ستنتج عن هذا النمو قد لا تشمل جميع البشر بل إنها قد تؤدي إلى تزايد عمق الهوة بين الأثرياء والفقراء في هذا العالم. ويحذر المؤلف كذلك من مغبة انتشار ظاهرة عولمة الجريمة مع انتشار وسائل الاتصال الحديثة في عالم القرية الصغيرة، وهو الأمر الذي سيفقد التقدم الاقتصادي بهجته ويضفي علية هالة سوداوية من الكآبة والتشاؤم.في مطالع الفصل السادس من هذا الكتاب، يلقي المؤلف نظرة طائرة ـ كما يقولون ـ سريعة وخاطفة ولكنها شاملة على المشهد الديموغرافي في العالم، وبالتحديد على توقعات زيادة عدد البشر في فترات زمنية بعينها.
النظرة الخاطفة تقول: عدد سكان كوكب الأرض يصل حاليا إلى 6 مليارات نسمة. ومن هذه المليارات يوجد نحو مليار أنثى دون سن السادسة عشرة، بمعنى أن أغلبهن إن لم يكن جميعهن يطمحن إلى دور الإنجاب والأمومة لولد واحد أو أكثر. إذن فمن المحتّم أن تطّرد الزيادة في عدد سكان كوكبنا مع كل عام ينقضي في دفتر هذا القرن. وعليه فبعد سنة 2010 (بعد 3 سنوات) يتوقع أن يصل سكان عالمنا إلى 7 مليارات نسمة ثم إلى 8 مليارات بحلول عام 2025.
وعندما يبلغ هذا القرن منتصفه يمكن أن يصل سكان كوكبنا إلى نحو 5,9 مليارات من البشر وهو عدد صعب تخيّله وقد تصدق عليه مقولة مؤلف الكتاب التي يقول فيها: معنى هذا أن كوكبنا سوف يشهد مستقبلا يشتد فيه الازدحام.
مطالب اقتصاد العولمة
في ضوء الزيادة المتوقعة في احتياجات البشر من حيث الكم مع تنوع مستوياتها وأنماطها من ناحية الكيف، فإن الاقتصاد الكوكبي ـ اقتصاد العولمة كما نسميه ـ سيتسع ويطرد بحيث يقترب حجم النشاط الاقتصادي من معدل 30 تريليون دولار سنويا وبنسبة نمو تبلغ 30 في المئة مع كل عام.
ومعنى هذا أن يتضاعف حجم النشاط الاقتصادي مرتين على الأقل خلال السنوات الخمس القادمة ويتضاعف معه أيضا حجم الدخل السنوي للفرد، وتلك ميزة تنطوي على وعود قد تبشر بحياة أفضل وأيسر للبشرية. لكن الوعود تظل محفوفة بحرف «قد» ـ آية على قدر من التشكك وإشارة إلى احتمال الذي يأتي أو لا يأتي.
تتمثل المشكلة في أن يأتي هذا الحجم من زيادة النشاط الاقتصادي العولمي، ولكن من دون مراعاة العدالة في توزيع الثمار الناتجة، وبحيث لا يقتصر الظلم وعدم التكافؤ على الأفراد داخل المجتمع بل يمتد ليشمل أقاليم ومناطق وقارات داخل الكوكب الأرضي شخصيا.
من هنا يرصد المؤلف، من منطلق التحذير، احتمالات توسع اقتصاد العولمة في ظل تفاقم المظالم الناجمة عن استئثار القلة المحظوظة بالعوائد وحرمان الكثرة المهيضة من أي ثمار. والمسألة هنا لا تقتصر على شظف العيش أو حتى مشاعر الظلم، إنها تشكل البيئة الكئيبة التي تتوالد فيها ميكروبات الحروب والجريمة عبر الوطنية والإرهاب الدولي.
الحل في التعليم
ليس هناك عصا موسى ولا حلول سحرية لمثل هذه الأدواء اللهم إلا بتطوير التعليم بما يكفل للبشر مزيدا من التنوير في المعرفة وتعميقا للتدريب على مهارات وصنائع وحرف وأشغال متنوعة ومطلوبة ومبتكرة حيث العمل شرف، وحيث الوظيفة النافعة ـ مهما كان عائدها المادي ـ تفضي إلى شعور ما أحوج الناس إليه باستمرار وهو شعور الجدارة والكرامة اللائقة بالإنسان.
وفيما يفضي التعليم إلى التنوير فإن التنوير يفتح آفاقا أوسع وأرحب أمام المجتمع كي يحقق مستوى من التكافؤ الواجب بين الرجل والمرأة باعتبار أن كلا منهما كائن إنساني ناضج أكرمه خالقه بالمسئولية وألقى على عاتقه / عاتقها أمانة عمران الأرض في إطار من التكامل الإيجابي ومن المودة والتراحم بين الطرفين.
وعندما تستنير رؤية المجتمع، وعندما تشعر المرأة بجدارتها ومسئوليتها شريكا للرجل في عمران الأرض، يصبح الطريق ممهدا لحرية الاختيار، وحرية التعبير، وحرية المعلومات، وتلك هي الشروط الأساسية للممارسة الديمقراطية في صيغتها الصحية والصحيحة.
الهجرة الدولية
مع هذا كله فمازال الأمر ينطوي على قضايا ومشاكل يرصدها المستقبليون ويتعين على مجتمع العولمة أن يواجهها ويلتمس لها الحلول.في مقدمة هذه المشاكل قضية الهجرة الدولية. وبصرف النظر عن دوافع البعض ممن يهاجرون طلبا للعلم أو من أجل المغامرة أو لكي «يشوفوا الدنيا» فإن أغلب الناس يتطلعون إلى فرصة اقتصادية أفضل بعد أن تفاقمت الهوة الرهيبة في الداخل والإمكانات المادية بين عالم الشمال وعالم الجنوب فوق سطح الأرض.
كيف لا وها هي الإحصاءات الدولية الموثوقة (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي) تقول: إن دخل السكان في أغنى 5 من دول الشمال كان يساوي 32 ضعف نظيره في دول الجنوب. وكان ذلك ـ خذ بالك ـ في عام 1970، لكن ما أن جاء عام 1990 حتى زادت النسبة شراسة إلى درجة التوحش في بعض الأحيان..
وها هو دخل أغنى 5 دول محظوظة في العالم المتقدم يصل في عام 1990 إلى 60 ضعف نظيره عند سائر دول العالم غير المحظوظة التي يقارب عددها الآن نحو 186 دولة. ولو سارت الأمور على ما هي عليه الآن لجاء عام 2025 فإذا بأغنياء العولمة يصل دخلهم إلى 100 ضعف فقرائها. وبعده يأتي عام 2050 ليصل المعدل إلى 200 مرة وقد يزيد.
من هنا يحذر أهل المستقبليات من ترك هذا الحبل على الغارب وخاصة أن هذه الهوة التي يتسع مداها عرضا وعمقا لا تقوم بين شمال العالم وجنوبه فقط وهو ما قد يخلق حزازات وتوترات دولية، لكنها جديرة بأن توجد أيضا ـ وبالضرورة ـ داخل المجتمعات الوطنية ذاتها في هذا الركن من دنيا العولمة أو ذاك، وهو ما قد يرفع درجة التوتر الداخلي إلى حيث اشتعاله بالصراعات الطبقية والحروب الأهلية مما يزعزع الاستقرار الاجتماعي بل ويشكل في حال تصاعده خطرا على بنيان الحضارة الإنسانية ذاتها.
ولقد يقول قائل: إن هذه الاختلافات في الحظوظ والمداخيل والثروات ظلت أمرا معروفا أو فلنقل مقبولا أو متعارفا عليه على مر التاريخ، وهذا قول صحيح لولا أن المراحل التي سبقت من التاريخ كانت بعيدة عن آثار تلك الثورة المعلوماتية، ذلك الانفجار الاتصالي الذي جاءت به حقبة العولمة التي طرقت أبواب كوكبنا بعنف منذ الثلث الأخير من القرن الماضي وإذا بالمعزولين يتواصلون.
وإذا بالساكتين الصامتين يعلمون، وإذا بالقانعين يعرفون أن ثمة وجها آخر لحياة أندادهم من البشر، فما بالك عندما تستمر عجلة الميديا الإعلامية والشبكات المعلوماتية في الدوران فإذا بالعالم المخملي الكمالي الغارق في الترف والدعة في كاليفورنيا أو في كوبنهاغن أو في بنجالور أو في هونج كونج أو يوكوهاما أو حتى في قصور البرازيل أو مغاني الشرق الأوسط.
هذا العالم سيجد صورته نابضة بالحياة شديدة الوضوح وقد ارتسمت في التو واللحظة على شاشة حاسوب رخيص الثمن أو عبر شبكة خيوط ضوئية (فايبر أوبتكس) عند حافة كوخ شديد التواضع في أدغال أفريقيا أو أحراش آسيا أو غابات الأمازون أو بوادي الصحراء الأفريقية الكبرى.
يقولون: مهلا.. فلنهّون على أنفسنا ونعيد إليها قدرا من تفاؤل الاطمئنان، فالحل قد يكمن في التكنولوجيا.. في منجزاتها وفي ثمارها وعوائدها وابتكاراتها.
التكنولوجيا ليست الحل
لكن المشكلة يقول مؤلف الكتاب (ص82 وما بعدها) أن التكنولوجيا لم تحل مشاكل التباين الشديد في الدخل بين الناس، ولا أفضت إلى تذويب الفوارق بين جموعهم، وتلك تجربة النصف الأخير من القرن الماضي. لقد شهد العالم واستخدم الهواتف الخليوية المحمولة أو أجهزة الكمبيوتر المتطورة أو موديلات التليفزيون المستحدثة بالريموت أو الشاشات النحيفة أو الألوان والأصوات المذهلة الوضوح والأداء؟
فهل كان في هذه المستحدثات جميعا حلول ناجعة أو حتى معقولة للمشاكل والأدواء التي يعانيها البشر في عالمنا؟. في هذا السياق يحسن المؤلف صنعا حين يعمد إلى تذكيرنا بأن التكنولوجيا ومنجزاتها ومخترعاتها ما هي إلا أداة ـ وسيلة في يد البشر ـ ولابد من استخدامها ضمن سياق اجتماعي معين.
ولابد من تحقيق ما يصفه المؤلف بأنه «ضرورات التفاعل» بين مبتكرات التكنولوجيا وبين تحولات المجتمع بمعنى أن المبتكرات والمخترعات قد تيسر الأمور وتُدخل البهجة على الأفئدة وتسّر القلوب، ولكن لابد وأن يتم هذا كله في إطار أوضاع اجتماعية تجسّد العدل وتحقق تكافؤ الفرص وتقضي على الشعور الممضّ بالظلم أو القهر أو الحرمان.
بيد أن هذه التفاعلات الضرورية ليست بمقصورة فقط على التفاعل الاجتماعي بين الإنسان والإنسان بل لابد أن تمتد لتشمل التفاعل بين الإنسان والبيئة التي يعيش فيها حيث لم تعد قضايا البيئة هي شغل العلماء أو الساسة وحدهم بل ينبغي أن تتحول لتصبح الشغل الشاغل للمجتمع البشري بشكل عام.
الإنسان والبيئة
هنا لابد أن يسأل أهل هذا المجتمع الكوكبي أنفسهم: مع مرور سنوات هذا القرن، يزداد عالمنا تعقيدا، وتزداد حياتنا تشابكا، ويزداد كوكبنا الوحيد ازدحاما إلى درجة الاكتظاظ. ألا يُعد الشأن البيئي ما بين حالات التلوث واستنفاد الموارد والضغط على إمكانات الطبيعة ـ ألا يُعد هذا كله شاغلا خطيرا ينبغي أن يوضع في بؤرة اهتمام إنسان المستقبل قريبا كان أو بعيدا؟
ومن مفارقات عالمنا أن الناس عندما ينشدون تحسين معايشهم فهم يعملون جاهدين من أجل التقدم، يتحولون إلى التصنيع، يزيدون من تسخير موارد الطبيعة، يشيّدون المعامل ويديرون الأساطيل التجارية ويطورون وسائل النقل السطحي وتحت الأرض والجوي. هذا التقدم يعطي ولاشك ثمارا طيبة للبشر بقدر ما ينطوي على مغارم فادحة وآفات خطيرة تصيبهم وتلحق بهم أبلغ الأذى:
إن التصنيع يعني العوادم، وأساطيل السفن والشاحنات والطائرات تعني مزيدا من استهلاك المحروقات المستخرجة من باطن الأرض، وبالتالي مزيدا من الانبعاثات الكربونية الضارة بصحة الإنسان والنبات والحيوان، وبهذا يصنع الإنسان تقدمه بقدر ما يصنع بفعل هذا التقدم مشكلاته الرهيبة وكأنما ينسج إنسان العولمة في القرن الجديد خيوط مأساة أقرب إلى التراجيديا الإغريقية الشهيرة حيث يساق البشر إلى حتوفهم بفعل قوى محتومة غاشمة أو تحت وطأة قدر لا يرحم.وكل شئ بثمن في دنيا البشر.. فما بالك بدنيا العولمة؟
صورة من تايلاند
ومنذ سنوات، نشرت جريدة نيويورك تايمز تحقيقا صحافيا عن شكل الحياة في بانكوك إذ كانت عاصمة الرخاء في تايلاند أيام حكاية النمور الآسيوية في عقد التسعينات ودار التحقيق حول مشكلة بل مأساة اكتظاظ حركة المرور في بانكوك لدرجة الاختناق، وما كانت الحلول سوى استخدام الهواتف النقّالة لتصريف المعايش وإدارة المصالح والأعمال هذا فيما كان الناس يلزمون سياراتهم على مدار ساعات لقطع مسافات ليست بالطويلة ولا بالمستعصية.
كل هذا فيما كانت العاصمة التايلاندية تهنئ نفسها بأنها تحوي من السيارات الفارهة الفاخرة (من أشهر الماركات وأحدث الموديلات العالمية) بأكثر مما تحويه عاصمة أخرى في الدنيا. ولأننا كنا في حقبة النمور إياها فقد شهدت بانكوك أيضا طفرة في إقامة المصانع ونصب المداخن وتشغيل المراجل.
وكانت كل هذه الصناعات تلقي بمخلفاتها في موارد ومسالك المياه وأيضا تنفث سموم أدخنتها في أجواء الغلاف الهوائي، وهكذا فعندما أجروا دراسة في عام 1992 حول معدلات التلوث اكتشفوا أنها زادت في بانكوك عن سائر أندادها من مدن العالم في معدلات التلوث بمادة الرصاص بكل خطورتها البالغة على الجهاز التنفسي وعلى عوامل النمو عند الأطفال.
أما الذي يزيد من خطورة هذه الظواهر ومثيلاتها في أنحاء شتى من العالم فهو آفة الفساد من جهة وسطوة الاحتكارات العملاقة والمصالح النافذة من جهة أخرى. إن الفساد في العالم النامي يشيع الرشوة وشراء ذمم المسئولين عن إنفاذ وتفعيل ضوابط التلوث فإذا بهم يغمضون العيون وإذا بالماء يتلوث والهواء يفسد وصحة البشر تصيبها مختلف العلل والأدواء.
وفي الأقطار الغنية ـ أميركا مثلا ـ يمارس بارونات الاحتكار سطوتهم فإذا بهم يتهربون أو يتملصون من أي التزامات واجبة إزاء البيئة وضوابطها. وفي أقطار متحولة مثل روسيا وشرقي أوروبا يجمع الانحراف بين آفة الفساد وسطوة المافيات والنتيجة واحدة.
هنا يستدعي الكتاب إلى ذاكرتنا المعاصرة المشاهد المأساوية التي عانتها السنوات الثلاث الأخيرة من القرن العشرين. في خريف عام 1997 بالذات تسامع مجتمع العولمة إذ كان ناشئاً، واعداً وناهضاً عن أول الظواهر المنذرة بالأخطار، وهي سحابة رمادية قاتمة وشاسعة غطت بالسخام الملوث مساحة قوامها 18 ,5 ملايين كيلومتر مربع في منطقة جنوب شرقي آسيا، المحسودة أو التي كانت محسودة على تسارع وتيرة النمو.
يومها حملوا إلى العيادات والمستشفيات عشرات الآلاف من الناس المصابين بأمراض شتى في الجهاز التنفسي،يومها أغلقوا المدارس، وسارع الزوار ورجال الأعمال الأجانب والسواح إلى المغادرة تاركين الناس يكابدون وجه النقمة الآخر من نعمة التقدم دون ضوابط وعُملة التحول التصنيعي بغير مراعاة لتوازنات البيئة ولصحة الإنسان.
الأمن هو الأساس
ورغم أن كتابنا معني أساسا بنظرة إلى مستقبل العالم ورصد تطورات ظاهرة العولمة التي باتت تغطي بكل تجلياتها شكل الحياة فوق كوكبنا، فإن مؤلف الكتاب لا يفتأ يؤكد على مقولة يراها غاية في الأهمية ومؤداها ما يلي: لا قيمة لأي ثمرة تحققها ظاهرة العولمة ما لم يتحقق للبشر أمر جوهري هو:
الشعور بالأمن والسكينة وراحة البال. لهذا يخصص المؤلف الفصل الثامن بأكمله لرصد ومناقشة ما يصفه بأنه «الاتجاهات الأساسية ـ المحورية في مجال الأمن». في هذا الإطار يطرح مؤلفنا السؤال التالي: هل سيكون العالم أكثر أمنا في سنوات القرن 21 أو يتعرض لمزيد من الخطر والتهديد؟
وفي معرض تناول القضية يضيف البروفيسور «هاموند» قائلا (ص102): أهمية الإجابة على السؤال لا تقتصر فقط على كون الأمن الشخصي للأفراد يرتبط تماما بمصالح المجموع جميعا، ولكن أيضا لأن التقدم في مجالات الاقتصاد أو الاجتماع أو البيئة يقتضي وجود مجتمعات تنعم بالأمن والاستقرار. ليس هذا وحسب، بل لأن عالم القرن الراهن يزداد ترابطا وتكافلا وتواصلا، كما أسلفنا من قبل، فمعنى هذا أن أي تهديد يلحق بأمن بقعة من بقاع عالمنا جدير بأن يمتد أثره سريعا وفعالا وبالضرورة إلى سائر الأماكن والبقاع.
وفي هذا السياق ـ يضيف المؤلف ـ تتوارد على الذهن مشاهد مخيفة أو منذرة بالخطر: لو اندلعت مثلا حرب أهلية داخل الصين فإن أول آثارها سيكون محسوسا في أميركا حيث يسارع جنرالات البنتاجون إلى إعلان حالة الطوارئ في قواتهم المسلحة: ولو حدث ذلك لشهدت أوروبا هبوطا إلى درجة الانهيار في أسعار الأسهم للاستثمارات الموظّفة في الصين وفي جنوب شرقي آسيا.
ومثال آخر: لو نشبت صراعات جديدة في الشرق الأوسط، سواء كانت على حدود الدول أو داخل أراضيها أو لمقاومة الاحتلال (فلسطين ـ إسرائيل) أو بفعل نزاعات عقائدية أو مذهبية أو على موارد المياه، فإن ذلك كفيل بأن يلحق أفدح الأخطار ـ كما ينبه المؤلف ـ بالنفط اللازم لشرايين الحياة في الغرب الأوروبي ـ الأميركي وأيضا في اليابان وسواها، سواء من حيث مشاكل الإمداد أو من حيث ارتفاع إن لم يكن التهاب الأسعار.
ثم هناك مشاهد مرعبة وسيناريوهات أقرب إلى الكوابيس، وبعضها يتصل بأنشطة المافيا في روسيا وتوابعها سابقا في آسيا الوسطى أو أوروبا الشرقية، وخاصة من حيث الاتجار في المواد اللازمة للنشاط النووي (غير السلمي) بكل ما يمثله خطر انتشار وتداول هذه المواد المهلكة بيد عناصر غير مسئولة لا إقليميا ولا دوليا.
هناك أيضا غوائل الإرهاب التي اجتاحت مساحات وأصقاعا شتى من خارطة عالمنا، وازدادت معها وتائر ووسائل العنف المسلح مع سنوات القرن الجديد، وربما كان الأخطر أيضا هو ذلك الاتجاه الذي يحذّر منه مؤلف الكتاب وقد بات ملموسا ومجسَّدا في أقطار عدة ما بين روسيا إلى المكسيك.
وتمثله ظاهرة استخدام الحراس الشخصيين «بودي جارد» وهي ظاهرة تنبع من آفة أخرى قد نطلق عليها عبارة «خصخصة الأمن» ومؤداها استقالة الدولة القومية الحديثة من أدوارها المطلوبة وتنازلها عن مسئولياتها الأساسية وهي الإمساك بمقاليد الأمن الوطني لا يشاركها في ذلك أي طرف فردا كان أو جماعة.
ربما بدأ استخدام البودي جارد من باب المباهاة واستعراض الأبّهة.. لكن الظاهرة مع تناميها واستشرائها وخاصة في سلوك العصابات الخطيرة في روسيا أو المكسيك أو كولومبيا، سوف تشكل خطرا على الدولة ورعاياها يتمثل في أن يعمد أفراد إلى أن يمسكوا مقاليد القانون في أيديهم .
كما يقول التعبير الأميركي، وإلى إنشاء تشكيلات من الحرس الشخصي تسهر على الأمن الشخصي وتستلهم أفدح تقاليد الجريمة المنظمة التي قامت عليها عصابات المافيا بكل تسلسلها الهرمي من رئيس أعلى (الأب الروحي) يليه مستوى النقيب ـ الرائد (الكابتن) ثم يدنو منهما صغار الجنود المستخدمين قوة إجرامية ضاربة لصالح رؤساء الجريمة الذين يكتفون بإصدار الأوامر من قصورهم المدججة بالحراسة أو عرباتهم المحصنة بالدروع. الخطر هنا يتمثل في أن يتحول الأمر من شراذم الأمن الشخصي إلى تشكيلات عصابية مسلحة ومنها تنظيمات إلى ميليشيات تهدد أمن المجتمع و الوطن والناس، فما بالك بالظاهرة الأخطر التي تحمل صفة «عولمة الجريمة»!
عرض ومناقشة: محمد الخولي

