يناقش المؤلفان في ختام كتابهما افتراضاً لا يبدو بالنسبة لكثير من المحللين مستبعداً، حيث يخصصان له فصلاً بكامله، وهو في أكثر صيغة وضوحاً: ما الذي يحدث إذا لم تخرج أميركا من العراق؟
وهذا الافتراض ـ السؤال ومناقشة المؤلفين له يستمدان أهميتهما من أن ملامح الاستراتيجية الأميركية المعلنة أخيراً لا تستبعده، بل ان تقرير مجموعة دراسة العراق يوحي بمخاوف حقيقية من أن هذا هو ما قد تعمد إليه إدارة بوش حتى اليوم الأخير من ولايتها، أي بعد عامين من الآن، وقبل هذا كله وبعده فإن الوقائع على الأرض تدفع باتجاهه، ويكفي أن نتذكر أن أكثر من مئة قاعدة أميركية في العراق، بعضها في حجم المدن لا يزال العمل مستمراً في بنائها واستكمالها حتى هذه اللحظة.
وفضلاً عن ذلك فإن خسائر العراقيين في عقود النفط المبرمة مع الشركات الأميركية في ظل الاحتلال قد زادت على 200 مليار دولار، وإذا كان هذا هو الفارق في الأسعار فهل يبدو أن الأميركيين سيرحبون بالتخلي عن كعكة نفطية تلك حوافها الخارجية، وهذا هو أسلوبهم في الانفراد بالتهامها؟
يستهل المؤلفان مناقشتهما بالإشارة إلى الحقيقة البديهية، وهي أنه إذا لم تنسحب الولايات المتحدة فإن الحرب ستستمر، الأمر الذي يعني أن أكياس الجثث والطائرات المحملة بالجنود الجرحى والمعاقين ستواصل العودة إلى أميركا وأن أعداداً متزايدة من العراقيين سيلقون حتفهم أو يتعرضون لإصابات أو إعاقات، وسيحدث المزيد من الأضرار المادية على أرض العراق، وتهدر أرصدة مالية هائلة كان يمكن أن تستخدم في جعل الحياة أكثر أمناً وأرفع مستوى في العراق وفي أميركا وفي غيرهما من بلاد العالم.
وهما ينضمان إلى الكثير من العسكريين والدبلوماسيين الأميركيين في تأكيد أن استمرار أميركا في مسارها الحالي ليس مبرراً أياً كان العنوان الذي تضعه إدارة بوش. ومن المهم في هذا الصدد الالتفات إلى تأكيد لفتنانت جنرال وليام أودوم المدير السابق لوكالة الأمن القومي الأميركية أنه: «ما من قائد عراقي لديه من السلطة والشرعية ما يكفي للسيطرة على العراق سيكون مؤيداً لأميركا».
ويحذر جورج ماكجفرن ووليام بولك بأن عدم انسحاب أميركا بسرعة وبطريقة منظمة في وقت قريب من العراق يحمل معه الاحتمال المؤكد المتمثل في اضطرارها إلى الانسحاب المرتجل والمتعجل وتحت ضغوط بالغة الصرامة.
شبح الهزيمة في خلفية هذا الجزء من الكتاب يطل عبر السطور تخوف حقيقي من شبح هزيمة مفعمة بالإذلال، كتلك التي أجبرت الأميركيين على الهرب من سايغون تحت سمع العالم وبصره في الأيام الأخيرة من حرب فيتنام.
وإذا تحول هذا السيناريو إلى واقع فإن تأثيره لن يقتصر على مجريات الأحداث في العراق والشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم، ولكنه سيزيد الحياة السياسية الأميركية تسمماً، وسيخلف وراءه مجتمعاً عراقياً غاضباً ومفعماً بروح الثأر والانتقام، مما يفتح الباب واسعاً أمام حشد هائل من العمليات المسلحة ضد الولايات المتحدة في العراق نفسه، وعلى امتداد العالم.
الأمر الذي يمكن توقعه في هذا الإطار هو تصعيد العمليات الانتحارية، مما يعني زيادة ملموسة في عدد القتلى والجرحى من العسكريين الأميركيين، وبالمقابل احتمال تكرار عمليات الحصار والإبادة، على غرات ما قام به العسكريون الأميركيون في مدينتي الفلوجة وتلعفر، مما قد يحمل معه مخاطر هائلة بتفكك المجتمع العراقي إلى مكوناته الأساسية، التي ستسعى لحماية وجودها بالمزيد من تصعيد عمليات العنف ضد قوات الاحتلال وبصفة خاصة العمليات الانتحارية.
بما في ذلك الاحتمال شديد الخطورة الذي تحقق بالفعل في بعض جوانبه والمتمثل في تحويل بعض وحدات الجيش والشرطة إلى ميليشيات تعمل وفق أجندة طائفية أو عرقية أو غير ذلك من التوجهات. ولا ينفصل هذا بحال عن تصاعد التهديد للأمن الإقليمي، وهو أمر قد لا يبرز بصورة فورية، وإنما قد يكون متوقعاً على امتداد العقد المقبل، حيث يفتح الافتقار إلى الأمن الباب واسعاً أمام اندلاع الحروب ليس بين المكونات الرئيسية للمجتمع العراقي، وإنما كذلك مع الدول المجاورة.
وحتى إذا لم يقع هذا التطور فإن عمليات الانتقال الكبير والإرغامية لجموع السكان داخل العراق نفسه لابد أن تترتب عليها أوضاع دموية مفعمة بالبؤس والمرارة، ومن المؤكد أن هذا كله سيفتح الباب أمام التدخل الأجنبي وهذه المؤشرات ستترتب عليها نتائج يصعب التنبؤ بها ولكنها ستكون رهيبة حتى في أفضل الأحوال.
مثل هذه السيناريوهات ستكبد القوات الأميركية والبريطانية تكلفة باهظة ومن المؤكد أن القادة العسكريين تحت ضغوط الخسائر التي يتعرضون لها سيعجزون حتى بالتعاون مع المخططين العسكريين عن خفض المعدلات المتصاعدة للخسائر، تماماً كما حدث في الفلوجة وتلعفر، وسيعمدون إلى استخدام «القوة الوحشية» وفق تعبير بريمادير نايجل ايلوين فوستر في مقال نشره في مجلة «مليتري ريفيو».
السيناريو المقصود هنا هو انسحاب القوات الأميركية إلى قواعدها المشيدة حديثاً واستخدامها للقوة البحرية، وإمطارها للمدن والبلدات والقرى العراقية بالقنابل، ولكن أياً كان مدى دقة معلومات المخابرات التي توجه هذه الضربات وأياً كانت دقة تنفيذها في إطار ما يعرف بالقصف الجراحي، فإنها لن تؤدي إلا إلى النظر إلى أميركا باعتبارها قوة متنمرة ووحشية ومفتقرة للإنسانية.
وهذا التوظيف للقوة الجوية سوف يثير رد فعل بالغ الضراوة في صورة عمليات مسلحة تصعد من الفوضى والعنف وتجعل العراق بلداً من المستحيل أن يحكمه أحد. وحتى إذا تم دعم الضربات الجوية بعناصر برية تقوم بعمليات التفتيش والتدمير، فإن النتائج لن تعدو أن تكون مفاقمة مشاعر البؤس والمرارة والنزوح إلى التدمير.
ومن المحتمل أن تجد الولايات المتحدة نفسها وقد استدرجت، على غرار إسرائيل وجنوب إفريقيا في ظل نظام التفرقة العنصرية من قبلها، إلى استخدام أسلوب الكانتونات، بمعنى أنها في غمار سعيها إلى توفير الأمن لقواتها ستوجد مناطق منعزلة إحداها عن الأخرى بحواجز أو مناطق فاصلة لا يمكنها السيطرة عليها، وهذا النظام لم يقدر له النجاح في أي مكان آخر، لكنه كان له تأثير مدمر على الشعب الواقع تحت نير الاحتلال وعلى سمعة القوة القائمة بالاحتلال.
والتحركات التي يتم القيام بها في هذا الإطار، سيؤثر كل تحرك منها في الآخر في إطار حلقة جهنمية تقود الولايات المتحدة إلى التردي لتصبح دولة عسكرية النزعة تنظر إليها الشعوب على امتداد العالم بمزيد من الخوف والكره.
وهم الحرب الطويلة
يلفت المؤلفان نظرنا في صفحة 126 من كتابهما إلى ملمح مهم وجدير بالمناقشة حقاً، فهما يشيران إلى أن بعض من يوافقون على الانسحاب الأميركي من العراق بتردد يبدون هذه الموافقة لأنهم يعتقدون أن الانسحاب سيمكن أميركا من الانخراط بصورة أكثر نجاحاً في «الحرب الطويلة» ضد «العدو الشامل» أي الإرهاب.
لكن إلى أي حد يعد هذا أمراً معقولاً ومنطقياً؟
كل من تابع تطورات الوضع في العراق منذ الحرب العراقية ـ الإيرانية يعرف الحقيقة البسيطة، وهي أن الرأي العام الأميركي قد تم خداعه واستدراجه إلى تأييد حرب غير مبررة ولم تكن حتمية بحال.
لم يكن العراق في أي وقت من الأوقات يشكل خطراً على الأمن القومي الأميركي أو حتى تهديداً للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط. وليام فاف في مقال شهير له نشر في صحيفة «انترناشيونال هيرالد تربيون» في 2 فبراير 2006 يذهب إلى أبعد من ذلك فيقول إن التهديد الإرهابي لأميركا لم يكن كارثياً ولا خطيراً.
وهو يضيف: حتى إذا أدرجت خسائر الحادي عشر من سبتمبر فإن عدد الأميركيين الذين لقوا مصرعهم على أيدي الإرهابيين الدوليين منذ ستينات القرن العشرين سيغدو هو نفسه عدد الذين قتلوا بفعل الصواعق أو حوادث المرور أو ردود فعل الحساسية تجاه الفول السوداني. ولكن حتى بفرض الموافقة على ما تؤكده إدارة بوش من أن الإرهاب خطر قاتل بالنسبة لأميركا، فإن بقاء قوات الاحتلال في العراق وقيامها بقتل العراقيين يوفران أفضل بيئة يمكن أن يسعى الإرهابيون إلى توفيرها.
ومن شأن مواصلة احتلال العراق وغيره من الدول أن يجعل «الحرب الطويلة» ضد «الخصم الشامل» حرباً لا سبيل إلى انتصار أميركا فيها، حيث إنها ستفضي إلى القضاء على ما كان الآباء المؤسسون لأميركا يعتزون به، وهي القيم المتعلقة بالحرية والحياة الأفضل للجميع.
دروس من العراق
رداً على السؤال المنطقي الذي يدور حول ما إذا كانت هناك أي دروس مستفادة بالنسبة للأميركيين من «مغامرتهم» في العراق، يشير المؤلفان إلى ما يقوله الفيلسوف الألماني الكبير هيجل من أن الشعوب والحكومات لم تتعلم أي شيء من التاريخ قط ولم تتصرف وفقاً للمبادئ المستخلصة منه.
وهما يعيدان إلى الذاكرة أيضاً أن المفكر الأميركي صمويل هنتنجتون أشار في معرض حديثه عن حرب فيتنام إلى أن صانعي السياسات يحسنون صنعاً بأن «يزيلوا من أذهانهم أي ذكريات عن هذه الحرب». ومن الجلي أن هذا هو ما حدث في واشنطن، حيث إن صانعي القرار هناك كرروا في العراق عدداً من أسوأ الأخطاء التي ارتكبها الأميركيون في فيتنام.
في ضوء هذا يطرح المؤلفان سؤالاً وجيهاً حقاً، وهو: هل ينسى الأميركيون حرب العراق نفسها ويكررون في أماكن أخرى الأخطاء التي وقعوا فيها هناك؟
من المحقق أن كل من يريد مؤشرات دقيقة في معرض الرد على هذا السؤال عليه أن يبادر بإلقاء نظرة سريعة على الخطوط والملامح الرئيسية للخطة الاستراتيجية الجديدة التي طرحها الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، مؤخراً.
علينا أن نتذكر أيضاً أن هنتنجتون طرح مقولته عن نسيان حرب فيتنام على أساس أنها حرب فريدة، حيث ان الامبريالية والكولونيالية أوشكت على الاختفاء من الحياة السياسية العالمية، بمعنى أنها ذكريات تنتمي إلى ماض لم تعد له أهمية تذكر ولكن هل الأمر كذلك حقاً؟
ربما كانت هذه الأمور ذكريات بعيدة في أذهان أبناء الشمال الثري من العالم، لكن ماذا عن أبناء آسيا وإفريقيا؟
إن ما جرى في العراق يؤكد لنا أنه لا الإمبريالية اختفت ولا الكولونيالية أصبحت شبحاً ينتمي إلى الماضي، وتاريخ العراق نفسه منذ أن أصبح «مستقلاً» بمقتضى معاهدة موقعة مع بريطانيا في عام 1922 يؤكد لنا الواقع المرير.
علينا أن نتذكر إلى أي حد وصل تلاعب البريطانيين والأميركيين بأقدار هذه المنطقة من العالم. لعل الكثير من القراء لم ينسوا بعد دور الولايات المتحدة في التلاعب بمنعطفات الحرب العراقية ـ الإيرانية، وهو دور لم يكشف الكثير عن أسراره بعد.
ولعلهم أيضاً يتذكرون أن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين حرص قبل أن يقرر غزو الكويت على استدعاء ابريل جلاسبي السفيرة الأميركية في بغداد آنذاك، ليسألها وفق محاضر كشف النقاب عن نصها في وقت لاحق عما إذا كانت واشنطن تقر مثل هذه الخطوة، التي لم يتخذها إلا بعد أن تلقى ما قرأه على أنه ضوء أخضر منها، ونصوص المحاضر معلنة ومنشورة، وموجودة في إطار ما يعرف باسم «وثائق واشنطن» فمن شاء فليعد إليها.
وأعقب ذلك ما هو معروف من وقائع التاريخ مروراً بما جرى في «خيمة صفوان» الشهيرة وصولاً إلى الغزو الأميركي للعراق في 2003، والذي كان أمراً اختاره صانعو القرار الأميركيين اختياراً وفي مواجهة معارضة دولية ورفض صريح من جانب مجلس الأمن الدولي.
هكذا فإن «الذكريات» لم تشحب في أذهان أبناء العراق، لأنها كانت في حقيقة الأمر واقعاً كابوسياً مردي يعيشونه.
هل سيغادر الأميركيون؟ ربما كان وزير الخارجية العراقي الأسبق عدنان الباجهجي ينطق بلسان العراقيين جميعاً عندما كتب يقول: «الحقيقة هي أن العراقيين جميعاً بلا استثناء يريدون رحيلاً مبكراً للقوات الأجنبية».
ويشير المؤلفان هنا إلى أن الجهل الأميركي بأبعاد رؤية العراقيين لعلاقتهم بالأميركيين ربما يكون مسؤولاً عن قيام صناع القرار الأميركيين باتخاذ أعمال ومواقف وتحركات تنظر إليها الغالبية الكاسحة من العراقيين على أنها تجسيد للإمبريالية، بينما كان بعض الأميركيين يتوهم أنها أبعد من ذلك، وأنها تتسم بالطابع البناء وبعد النظر.
من المهم هنا تذكر التشديد الأميركي على مفهوم الأمن، وعلى تأكيد العديد من المسؤولين الأميركيين للعراقيين مراراً وتكراراً أن القوات الأميركية ستغادر العراق لدى استتبات الأمن. و في هذا الإطار جاء قول الرئيس الأميركي جورج بوش: «إننا لن نرحل، ولسوف ننفذ المهمة. فوجود عراق حر في قلب الشرق الأوسط هو أمر حيوي للسلام والأمن المقبلين».
ولكن هل يحتمل أن ينهض «عراق حر» من قلب هذا الركام من الرماد والدم في المستقبل المنظور؟ هل سيغادر الأميركيون أبداً؟ أم أن انجاز المهمة مرتبط بنفاد آخر قطرة نفط عراقية؟
إن السيناريو المتضمن في هذا التصريح للرئيس الأميركي والمندرج في صميم استراتيجيته الجديدة، وقوامه الحقيقي هو الأمن قبل السيادة، لم يقدر له إلا في النادر من الأحوال التحقق في تاريخ الشعوب، والسر في ذلك هو أن بقاء الأجانب يثير رد فعل وحيد هو نضال القوى الوطنية لطردهم خارج البلاد بغض النظر عن مدى ضخامة قوة الأجانب وجبروتها.
عندما يخرج الأجانب فحسب ينحسر مبرر استمرار سنوات النار، وهذا هو الدرس الكبير في تجارب أيرلندا والجزائر وفيتنام والشيشان وغيرها كثير من دول العالم. وليس هذا إلا القاعدة، والعراق ليس استثناء من هذه القاعدة. ربما كان هذا التركيز على «الأمن» هو الذي قاد المخططين الأميركيين إلى الاهتمام الفائق بعناصر الشرطة والأمن الداخلي على تعدد أشكالها في العراق، على حين تم إهمال برامج إعادة الإعمار إلى حد التلاشي شبه التام من قائمة أولويات الأميركيين في العراق.
حملات جديدة
الأخطر من ذلك أن التركيز على الأمن في العراق قاد الأميركيين إلى التركيز على حملات جديدة على غرار العراق.
وإذا كنا قد رأينا أن مئة قاعدة عسكرية أميركية بعضها بحجم المدن قد شيدها الأميركيون ولا يزالون يبنونها حتى هذا اللحظة في العراق، فلابد لنا من أن نتذكر أن هذا النموذج نفسه يجري تكراره، الآن في إفريقيا ومناطق أخرى من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، والتي انطلاقاً منها تشن حملات بالفعل، وينتظر أن تشن حملات أخرى في المستقبل.
هكذا فإنه بينما لم تستفد أميركا بأي من الدروس المستخلصة من العراق، فإن العديد من الشعوب تقوم بالقراءة الصحيحة، وترى أن عليها أن تحصن نفسها ضد حملات أميركية زاحفة يجري التخطيط لها في العديد من أرجاء العالم.
ربما هذا هو على وجه الدقة ما يجعل العديد من الدول ترى أن الأسلوب الوحيد لتأمين نفسها في مواجهة الحملات الأميركية المتوقعة هو اعتماد الخيار النووي، وربما كان هذا هو بالضبط ما يبرر قطع كوريا الشمالية الشوط كاملاً في تبني هذا الخيار، ومن الواضح أنها لن تكون الدولة الأخيرة التي تتبناه.
في ختام الكتاب، يلوح لنا مؤلفاه جورج ماكجفرن ووليام بولك تلويحة الوداع، بأن يعيدا إلى ذاكرتنا ـ نحن القراء ـ الكلمات النبيلة التي قالها بنجامين فرانكلين، وهي: «لم تكن هناك حرب جيدة قط». وهذه كلمات نبيلة حقاً، لكن السؤال هو: هل يتذكرها الأميركيون؟
إن علامة الاستفهام هذه لا يمكن إلا أن تكون منطقية ومبررة تماماً، خاصة عندما نأخذ في الاعتبار ما يشدد عليه المؤلفان في السطور الأخيرة من الكتاب وهو أن أبرز المستشارين في واشنطن ينصحون بشن حرب دائمة، ولم يعد الأمر يقتصر على النصح، وإنما انتقل إلى التخطيط لشن هذه النوعية من الحروب بدعوى مواجهة الإرهاب العالمي.
إذا تحقق هذا، وانتقل الجهد الحربي الأميركي إلى جبهة أخرى، ونحن نرى جميعاً بأعيننا أن جبهة جديدة تفتح في شرق افريقيا، فإن دروس فيتنام والعراق تكون قد فاتت على صانعي القرار في واشنطن، وكذلك الدروس التي استوعبها البريطانيون في كينيا والفرنسيون في الجزائر والأميركيون أنفسهم في الفلبين والروس في الشيشان.
ربما كان هيجل محقاً في قوله إن الشعوب والحكومات لا تتعلم من التاريخ، ولكن من الحكمة ـ ولابد لنا من التسليم بأن واشنطن لا تخلو من الحكماء ـ أن يعمد صانعو القرار في واشنطن إلى مراجعة ملفات دروس فيتنام والعراق قبل شن حملتهم العسكرية المقبلة، لعلهم يوفرون على أنفسهم وعلى شعوب العالم نهراً جديداً هادراً من الدماء.
عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين
