هذه الحلقة من عرضنا التحليلي للكتاب، تركز بالذات على البديل الثالث، الذي يأتي بعد سيناريو الانفتاح الرأسمالي بكل ما ينطوي عليه من خطر انقسام المجتمع إلى فقر مدقع وثراء فاحش.
ويأتي أيضا بعد سيناريو الانغلاق المنذر بخطر اندلاع حركات التمرد والعنف والمواجهات المسلحة وتدهور عناصر البيئة وإهدار الموارد الطبيعية. يأتي البديل الثالث مبشرا بالأمل في تحولات يرصدها المؤلف من خلال المنظور المستقبلي الذي يطل منه على أحوال العالم التي يرصد تطوراتها خلال العقود الأولى من هذا القرن الحادي والعشرين.يبدو هنا وكأن المؤلف يستوحي ـ من حيث لا يدري - حكمة المقولة التي يتألق بها التراث الإسلامي وهي «إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيرّوا ما بأنفسهم». ومن هنا كان اهتمامه بالتركيز على عنصر إرادة البشر وفْعِل البشر وتصميم البشر وإتباع البشر أسلوبا راشدا ومتعقلا في التعامل مع ما يحفل به هذا الكوكب من موارد وإمكانات.يمتد سيناريو التحولات الذي يبدو المؤلف متحمساً له على أكثر من 7 صفحات في متن الكتاب ويعمد المؤلف إلى إثباتها بحروف لاتينية مائلة إمعانا في تسليط الضوء على أهميتها ودلالتها.
صحيح أن السيناريو حافل بالتفاؤل، لكن المؤلف، وهو كما عرفنا أستاذ فقيه في علم الرياضيات، يعمد إلى بناء هذا الصرح التفاؤلي الذي يشيده أمام القارئ ، لكن على أساس من حقائق ووقائع وبعضها شهده وعاشه العالم بالفعل في المراحل الأخيرة من القرن العشرين.
أول مؤشرات التفاؤل
مثلا كان التدخين آفة فتكت بأجيال عديدة خلال سنوات القرن الماضي: تأمل مثلا أحوال بلد مثل الولايات المتحدة وراجْع أفلام هوليوود عبر تاريخها الطويل ابتداء من السينما الصامتة وحتى سينما الأبيض والأسود ثم سينما الألوان الطبيعية:
سترى كيف كانت السيجارة والغليون والسيجار ومعداتهما وأساليب تعاطيهما جزءاً لا يتجزأ ونمطا لا ينفصل من عادات الناس. يفرح البطل فيدخن، يختال رجل البيزنس فإذا به يشعل سيجارا فخيما مستوردا من هافانا (راجع مثلا سيجار ونستون تشرشل الشهير). يزعل الطيب أو الشرير في الدراما فإذا بالغليون جاهز ينفث دخانا يملأ الشاشة الفضية .
ولا تتورع بطلة الفيلم عن سحب أنفاس من سيجارتها ثم ترسل سحائبها في الهواء مذيلة بضحكات مفتعلة يسمونها ضحكات الفتنة والإغراء. في كل حال فالسيجارة وإعلاناتها وماركاتها وظروف تعاطيها كانت جزءاً لا يتجزأ من نمط الحياة اللذيذة - الدولشي فيتا كما يسمونها في الغرب ـ ومن ثم عندنا في بلاد اليعاربة وفي كل أنحاء العالم الثالث ولو من باب تقليد المغلوب للغالب على نحو ما يقول ابن خلدون.
لكن ها هو المؤلف يشير وبحق إلى أن عقد التسعينات من القرن الماضي شهد تحولات جذرية حقا وكانت تحّولات صحية بكل تأكيد في أميركا بالذات ، وقد جاءت كلها ضد التدخين الذي تحوّل به الأميركان من عادة إلى آفة ومن متعة متخيّلة إلى خصلة مستهجنة بدأت كما هو معروف بحملات نظموها على استحياء لبيان الأخطار الطبية، ثم اتسع نطاقها إلى أن كتبوا على مواد التدخين عبارات توضح مضارها، ثم منحوا تعويضات بالملايين إلى ضحاياها.
وقبل أن تغرب شمس القرن الماضي كانت جميع مرافق الحياة العامة في أميركا قد أصبحت أو كادت تصبح خالية، بحكم القانون، من ممارسة أي نوع من أنواع التدخين. وكان الفضل في هذا كله لإرادة البشر فلا نزل عليهم وحي من السماء ولا توعّدهم أحد بإنزال العقاب على ظهر الأرض.
هنا يتساءل المؤلف في ثقة واضحة: من كان يتخيل أن ينتصر الرأي الاجتماعي العام على شركات الدخان؟ وقد كانت كيانات عملاقة ذات حول وطوْل إلى حيث أجبرت في أميركا بالذات على أن تتراجع عن مسلكها وتبحث لنفسها عن نشاط جديد؟
نموذج من بحر الشمال
نفس الشيء حدث لعملاق ـ بترولي هذه المرة ـ هو شركة «شل» الدولية التي أعلنت يوما عن خطط لإنشائها رصيفا ضخما لاستخراج البترول من بحر الشمال. هنالك هبتّ عواصف الرفض الاجتماعي.
وتم تنظيم حملات دعائية مناهضة للمشروع الذي رأت فيه أوساط شتى خطرا على بيئة شمال أوروبا، سواء على اليابسة التي يسكنها البشر، أو على البحار التي تعيش فيها أنواع الكائنات البحرية. وأدت هذه الجهود المجتمعية والسلمية أيضا إلى إلغاء المشروع و انتصرت البيئة بقدر ما كان الفوز أساسا لإرادة الإنسان.
بعد هذه الإفادات الموثقة، يشهر المؤلف قلمه أو بالأدق ريشته القلمية، ليرسم أمام القارئ عددا من المشاهد التي يتصور حدوثها مستقبليا في سيناريو التحولات الكوكبية التي لابد وأن يتوافر لها شبكة من الوعي والبحث العلمي وعلوم الرصد والإسقاط والتنبؤ الرياضي، على أن يستند هذا كله ـ كما نكرر مع المؤلف ـ إلى توافر الإرادة عند البشر.
من مشاهد السيناريو اتساع نطاق الوعي البيئي في أميركا خاصة وقد توافرت لديها أدلة إحصائية ووقائعية ترسم مسار الكوارث البيئية التي حاقت بأراضيها وكان في مقدمتها إعصار كاترينا مع السنوات الخمس الأولى من القرن الجديد، هذا فضلا عن فيضانات مدمرة في حوض نهر المسيسبي وأعاصير غير مسبوقة اجتاحت ساحلها الشرقي المطل على المحيط الأطلسي وراح ضحيتها المئات من ساكني المدن فضلا عن الأضرار المادية المقدرة بالمليارات.
غرور واشنطن
هذا هو الذي عزز من سطوة الرأي العام الذي وضع الشواغل البيئية في بؤرة اهتماماته. وهذا أيضا دفع واشنطن إلى التخلي عن غرورها التقليدي بالتصرف من جانب واحد. ها هي مشاهد السيناريو تتابع لرئيس الولايات المتحدة ـ في حقبة ليست بالبعيدة من سنوات القرن الحالي - وهو يخطب من فوق منبر الأمم المتحدة، لا مهددا ولا متعاليا.
ولكن مناشدا أن تمتد يد الدول كافة بالتعاون من أجل معالجة ما يتهدد بيئة الكوكب من مخاطر تغير المناخ وتلوث الغلاف الجوي وتضاؤل الموارد الطبيعية.. ولم يتورع فخامة الرئيس الأميركي عن تذكير الناس بما عقد من تحالفات خلال سنوات الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) في مواجهة خطر النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا والنزعة العسكرية الإمبريالية في اليابان..
وكانت النتيجة ـ يضيف السيناريو ـ عقد اتفاقات مهمة وملزمة كانت أميركا ـ عكس ما هو حاصل الآن ـ أول من صدّق عليها وتقضي بتخفيض انبعاثات العوادم الكربونية إلى النصف في غضون 30 عاما لا تزيد من عمر الزمن..
جاءت النتائج مدهشة إلى حد درامي مثير ففي خلال عشر سنوات انخفضت استخدامات الطاقة في الغرب وعكف العلماء والفنيون على إنتاج سيارات ضئيلة العوادم وتوسعوا في استخدام بدائل الوقود الأحفوري مثل طاقة الرياح والشمس، وما أن هل عام 2050 (وعليك خير) حتى بدأ أهل العالم يشعرون بأن مناخ كوكبهم قد مال إلى حال من الاستقرار بعيدا عن تقلبات الطقس وكوارث الطبيعة التي تعودت على أسلوب الغلو والتطرف ما بين ضراوة الجفاف في أفريقيا إلى جائحة الفيضان في نصف الكرة الغربي.
وفورات لصالح الفقراء
هذه الوفورات التي تحققت في تكاليف الطاقة أتاحت للحكومات تخفيض الأعباء الضريبية عن كاهل أثريائها وأن توسع مظلة الضمان الاجتماعي لصالح فقرائها. وعندما افتتحوا صناعات جديدة وأنشطة مستحدثة في مجال مصادر الطاقة البديلة، انخفضت معدلات البطالة (وخاصة في أوروبا).
صحيح أن هناك من الأقطار من عَمَد إلى خفض الضريبة على موارد الطاقة ثم فرض نوعا من العبء الضريبي على موارد كانت متاحة من قبل مثل منتجات الغابات بل مصادر المياه. لكن الصحيح أيضا أن هذه الضرائب أدت بالناس إلى تقدير قيمة هذه الموارد الحيوية.
ومن ثم كان الحفاظ عليها، وترشيد استخدامها والكف عن إهدارها، والعمل بكل جهد على تدويرها بالمعالجة الصناعية بقصد إعادة استخدامها من جديد وهكذا انتشرت أساليب «إعادة التدوير» وأصبحت نمطاً سائدا وفكرا منتشرا في أنحاء شتى من عالم القرن الواحد والعشرين. وكانت أهم فئة اجتماعية أفادت من هذه الأساليب في صون الموارد وإعادة استخدامها هي فئات الشباب على وجه الخصوص.
راحت إذن أيام مجتمعات الاستهلاك الكمالي والإهدار التَرَفي والإسراف الأرعن غير المسؤول في استخدام الموارد ومراكمة المخلفات تحت شعار متهرئ لئيم هو: خذ من التلّ فلن يختلّ.في هذا الإطار نشأ وتطور اتجاه شبابي جديد يطلق عليه سيناريو التحولات الذي نحن بصدده الوصف التالي: «أسلوب الحياة المبسّطة أو المتقشّفة».
وبموجب هذا الأسلوب بدأت فئات الشباب من الجنسين تهتم باقتصادات التوفير في الموارد وينتشر بين ظهرانيها نزعة تنحو إلى نبذ الإغراق في الماديات أو في الانسياق وراء شهوة الاقتناء أو المظهرية أو التباهي المغرور. ظهرت أيضا نزعات تفضّل الرجيم النباتي في تناول الطعام ونزعات تدعو إلى العودة إلى الطبيعة وإلى احترام مكوناتها ولاسيما عدم تلويث عناصرها.
وعندما تقلصت النزعة المادية، بدأ الناس يتنبهون بالتدريج إلى أهمية التفاعل الاجتماعي.. بمعنى أو على الأقل التواصل بين أفراد المجتمع. هنالك نشطت الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية داعية وعاملة من أجل مكافحة انتشار الجريمة، وتعاطي المخدرات، والانسياق وراء الكحوليات، وخاصة في الأحياء العشوائية الفقيرة «المدن الداخلية» كما يسمونها في الأدبيات السوسيولوية بالولايات المتحدة.
دور الدين
هكذا يرصد سيناريو التغيير الذي يعرضه كتابنا كيفية تأثير الإصلاح الاقتصادي على الإصلاح الاجتماعي. وفي هذا السياق أيضا لا تفوته ظاهرة إقبال الناس على التفاعل مع عقائدهم الدينية في دور العبادة أو في خارجها ومشاركتهم عن طيب خاطر في الأنشطة الخيرية والتطوعية التي اعتمدتها تلك الدور والمؤسسات الروحية لصالح قطاعات المهمشين والمنبوذين والمستبعدين والمحرومين من شرائح المجتمع.
لقد أدى هذا كله، ومن خلال عمليات تفاعلية جرت على مدى سنوات عدة، إلى ظهور ما يطلق عليه السيناريو وصف «قوة المواطنين» بمعنى القدرات التي تتمتع بها خلال العقود الأولى من القرن الحالي ـ جماعات المواطنين الذين ارتأوا أن يعملوا خارج نطاق الحكومات الرسمية وبعيدا عن وصايتها، ولكنهم كانوا يكملون جهودها وينجزون ما قد يفوتها.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة هو: ما الذي أعان على انتشار وتعزيز هذه القوة التي تمتعت بها جموع المواطنين في هذا المجتمع أو ذاك؟
السر يكمن في تطور ثورة المعلومات بواسطة شبكات الحواسيب الالكترونية، فمن خلالها أتيحت أوسع وأنجع السبل للتواصل بين أفراد المجتمع، وبفضلها أمكن تشكيل جماعات ورابطات من دون الحاجة بالضرورة إلى مكان للانعقاد أو تكاليف تصرف على المباني والإدارة والصيانة والخدمات والإشراف.
وبفضلها أيضا أمكن تحقيق شكل من أشكال الديمقراطية، بمعنى أن الناس انتظموا في سلك هذه التجمعات المدنية ـ المجتمعية أو الأهلية، ابتداء من مستوى القواعد الشعبية التي هي أول من يشعر بآلام المحرومين ويعايش مشكلات الفئات المطحونة في المجتمع، ويستطيع من ثم أن يستنبط لها حلولا عملية واقعية بغير إغراق في التفاؤل ولا مبالغة في طرح الشعارات.
يضيف السيناريو أن المسألة لم تكن مجرد نزعة إلى فعل الخير ولا تغليب روح الإيثار فالبشر ليسوا ملائكة في التحليل الأخير. المسألة هي أن الناس شعروا بأن مبادراتهم في إصلاح الأحوال وفي التواصل مع أدنى طبقات المجتمع أدت إلى نجاحات كانوا هم أول من أحسوا بها. فقد ساد الشعور بالأمن، وانخفضت معدلات الجريمة، وتقلصت حالات التهاون أو الغياب غير المبرر في العمل. وانتقل هذا الشعور بالإنجاز إلى القطاع الخاص نفسه.
حيث بدأ القائمون عليه يحسّون بمسؤوليتهم تجاه المجتمع الذي يعيشون فيه، فكان أن ترجموا هذا الإحساس إلى ظاهرة توصف بأنها «التحضير» بمعنى احترام قواعد البيئة وترشيد استخدام طاقاتها وعدم تجريف الأراضي ذات الغطاء النباتي اللازم لتنقية الهواء والحفاظ على استمرار الدورة المائية اللازمة لصون معدلات سقوط الأمطار.
في السياق نفسه بدأت تظهر إلى الوجود مدونات لقواعد سلوك المنشآت الصناعية والخدمية الكبرى، وكانت مراعاة البعد الاجتماعي، بمعنى مراعاة مصالح الطبقات البسيطة، من أهم ما احتوته بنود هذه المدونات أو هي مواثيق الشرف التي ذاعت وتبارى الجميع في الالتزام بقواعدها.
صحيح أن مراعاة هذه المدونات السلوكية، بدأت من خلال التطوع ولم ينتظر صدور القوانين التي تجعلها إلزاما، إلا أن التطوع والمبادرة بدوافع الأخلاق كانا أفضل من الالتزام تحت طائلة القانون، ذلك لأنه لم يكن التزاما مطلقا ومتروكا للنوازع المزاجية عند قادة الصناعة أو بارونات الإنتاج، وكان التزاما تتولى رصده ومتابعته مؤسسات المجتمع المدني وهي التي توالي نشر معلوماته، وتروج لبنوده وتحيي من يحترمونه ولا تتورع عن التشهير بالمخالفين أو غير المكترثين.
تبرعات بالمليارات
بيد أن هذه الجهود المجتمعية بكل ما حوته من مبادرات لمؤسسات ومنظمات لم تكن لتحجب مشهدا رائعا آخر من مشاهد التحولات والتغيرات التي يرسمها هذا السيناريو المتفائل لمستقبل مجتمع العولمة وصولا إلى محطة انتصاف القرن الجديد.
هذا المشهد الرائع يمهد المسرح لظهور شخصيات فريدة حقا ورفع لافتات مشرّفة بكل مقياس. تحمل الشخصيات واللافتات أسماء أفراد من طراز تيد تيرنر (الإعلامي الأشهر وهو المؤسس الأول لشبكة سي. إن. إن الإخبارية) وقد بادر في آخر سنوات القرن الماضي إلى تقديم مبلغ مليار دولار تبرعا من جانبه إلى الأمم المتحدة لصالح وجوه الخير في العالم. وهناك أيضا بيل غيتس، بكل عطائه الابتكاري المبهر في مجال ثورة الحواسيب وشبكات المعلومات.
وقد بادر من جانبه في أولى سنوات القرن الحادي والعشرين إلى تقديم مبلغ 50 مليار دولار لصالح أطفال العالم والأسماء عديدة. ومن شأن هذه المبادرات أن تتكرر في بقاع أخرى من العالم وعلى اختلاف الثقافات والشخصيات والعقائد والأديان، وقد يكون بعضها معلنا والآخر مازال بعيدا عن أضواء الإعلام، لكن التقديرات العلمية والإسقاطات الرياضية تفيد .
ـ كما حسبها السيناريو الذي نعرض لفصوله في هذه السطور ـ بأن تبرعات الأفراد القادرين من أجل الأنشطة الخيرية والإنسانية في مجتمع العولمة الجديد، سوف تصل في عام 2025 إلى مبلغ تريليون دولار (12 صفرا على اليمين بالتمام والكمال) من داخل الولايات المتحدة وحدها.. فما بالك بسائر أرجاء العالم.
حكاية غلوبال نت
يتوقع السيناريو أيضا أن تؤدي هذه الأموال الخيرية والطوعية إلى إنشاء شبكة التغيير التي يطمح مجتمع العولمة إلى وجودها وهو يطلق عليها اسم «غلوبال نت».ويتمثل الطموح في أن تصبح هذه الشبكة متاحة مجانا لكل الناس من ساكني الكرة الأرضية عبر الحدود والجبال والغابات والمحيطات. ومن خلالها يتحاور الناس ويتشاركون ويتلقون الخدمات، ويمكن أيضا تلبية ما قد يحتاجونه من ضروريات. وداعا إذن لندرة المدارس والمعاهد العليا بدعوى أن هذه المنطقة بعيدة .
أو أن هذه القرية أو الديرة قصّية أو نائية، فالشبكة العالمية ـ أو شبكة العولمة كفيلة بأن تبني معها جسرا وطيدا وحيويا وفعالا من التواصل عبر الانترنت كي تمدها بسبل التعليم والتنوير والمشاركة الحقيقية والبناءة مع أحدث ما ينجزه زمن الربع أو الثلث الأول من القرن الحادي والعشرين.
وعندما يشيع الوعي ويتسع نطاق التنوير ويتسنى لجماهير الناس متابعة أحدث المعلومات وهم في مواقعهم مهما كانت بعيدة، عندها يمكن القول ـ ولو من باب التفاؤل المحسوب - بأن هذا كله يشكل أرضية ممهدة لإلقاء بذور الديمقراطية بمعنى المشاركة الحرة في رسم وتقرير مصائر الوطن من الصعيد المحلي إلى الصعيد الجهوي وحتى الصعيد الوطني أو القومي..
سيناريو الأمنيات العذبة
في ظل هذا السيناريو أيضا يمكن أن نتصور تضاؤل معدلات اندلاع الصراعات الداخلية والحروب الأهلية، دع عنك الحروب الأشمل والأكثر شراسة والأشد خطورة.. لماذا؟ لأن سيادة العدل وإقرار الحقوق وشعور الإنسان بالكرامة وتوفر سبل تلبية احتياجات الحد الأدنى للحياة البشرية .
وتوسيع فرص العمل وتغليب النزعات الروحية وتطبيق أحكام الدين ومواثيق الشرف في مدونات السلوك وتوطيد الأواصر الاجتماعية ومبادرات الخير والتطوع من جانب مؤسسات المجتمع المدني، فضلا عن آحاد الأفراد من ذوي العَزَمات الكبار.. هذه هي العوامل التي «يراهن» عليها سيناريو التحولات إياه وهو يرسم الصورة التي يرنو إلى تحقيقها مع وصول هذا القرن إلى منتصفه.
في كل حال فهو سيناريو التعلل بالأمنيات العذبة والركون إلى النوازع الخيرّة في نفس الإنسان. أليس هذا الإنسان هو الذي اكتشف عقاقير التخدير الرحيمة في العمليات الجراحية وهو أيضا مخترع أدهى أسلحة القتل والدمار؟
ولأن مؤلف الكتاب مثقف مستقبلي النزعة والتفكير، فقد رأى أن مهمته الأولى إنما تتمثل في طرح تصوراته الثلاثة عن مستقبل الانفتاح المفضي إلى الظلم الاجتماعي، ومستقبل الانغلاق المفضي إلى اندلاع العنف واستشراء البغضاء، ثم مستقبل التغيير الذي لا يفتأ مؤلفنا يؤكد أن لا سبيل إلى حدوثه إلا إذا تضافرت من أجل ذلك إرادات سكان هذه القرية التي تحمل اسم العالم أو اسم الكرة الأرضية.
عرض ومناقشة: محمد الخولي

