باعتباره المحرك الفعلي للاقتصاد العالمي، يتصدر النفط، أو الذهب الأسود كما يحلو للبعض وصفه لقيمته الاقتصادية العالية والدور الحيوي الذي يلعبه على الساحة العالمية، يتصدر العناوين الرئيسية للصحف على امتداد المائة عام الماضية بسبب ما يردده البعض من مخاوف من إمكانية نفاد الاحتياطي العالمي، الأمر الذي من شأنه أن يُنذر بعواقب وخيمة قد تهدد النظام الدولي بكامله.
ففي عام 1874 انتشرت مخاوف من نفاد الاحتياط الأميركي للنفط في غضون أربعة أعوام من ذلك التاريخ. وظلت تلك المخاوف عالقة بالأذهان بل زادت بمرور السنوات والعقود في ضوء تنامي الطلب بشكل رهيب على الذهب الأسود.
و ظل المتشائمون على رأيهم المتمثل في أن النفط على وشك النفاد
وأن ما يُبقي على استقرار الأوضاع في الآونة الحالية ما هو إلا عبقرية مهندسي البترول في العالم الذين نجحوا بفضل ما تحقق من تطورات علمية وتقنية رهيبة في الإبقاء على تدفق النفط وفي استخرج المزيد من المشتقات النفطية، مؤكدين أن الأمر بات حقيقة فعلية بعد أن ثبت أن الطلب على النفط يتخطى العرض بشكل رهيب للغاية.
غير أنه في المقابل هناك وجهة نظر مغايرة تماما تُفند آراء أصحاب وجهة النظر المتشائمة وتؤكد أن السيناريوهات المتشائمة تعتمد على بيانات متعلقة بالاحتياطات المؤكدة للنفط. وأصحاب وجهة النظر المتفائلة يستشهدون في هذا الصدد بالتصريحات الرسمية التي صدرت عن كبريات الشركات العاملة في مجال النفط في العالم، ومنها شركة أرامكو السعودية، التي تعد أكبر شركة نفطية في العالم،
حيث صرح مسؤولوها أمام مندوبي منظمة أوبك للدول المصدرة للنفط بأن المملكة العربية السعودية لديها نفط يكفي ل140 عاما مقبلة بناء على معدلات الاستهلاك الحالية. ووفقا لتحقيق أجرته مجلة «فوكس» في القضية، فإن أصحاب وجهة النظر المتفائلة يؤكدون أن السيناريوهات المتشائمة التي تُرسم لمستقبل النفط في العالم لا تتجاهل التطور التقني الذي يتيح المزيد من الاكتشافات النفطية يوميا فحسب،
وإنما هناك أيضا ما يمكن وصفه بسوء الفهم لمصادر النفط في العالم، وهو الأمر الأهم في هذا الصدد، إذ أن هناك، من وجهة نظرهم، المزيد من الإمدادات النفطية التي تجري تحت أقدامنا وأنه لا يتعين علينا سوى البحث في المكان الصحيح فحسب.
فمنذ أن تم بناء أول حفارلاستكشاف النفط في ولاية بنسلفانيا في 1859، كان من المتصور أن المكان الصحيح لاستكشاف النفط هو التكوينات الجيولوجية التي تتشكل من الرواسب البحرية الموجودة منذ نحو 150 مليون إلى 200 مليون عام. هذه الرواسب تحتوي على بقايا كائنات بحرية تحولت إلى نفط خام بفعل بعض التفاعلات الكيميائية الناتجة عن التعرض لحرارة عالية وضغط متواصل من الأجواء المحيطة.
ومنذ ذلك الحين تركز نشاط مهندسو البترول على المواقع الجيولوجية التي تحوي حفريات لمثل تلك الكائنات البحرية التي تتحول بفعل الحرارة والضغط إلى نفط خام. وتطرح المجلة في هذا الصدد سؤالا تقول إنه يفرض نفسه حاليا في ضوء الأهمية المتنامية للذهب الأسود: ماذا إذا كانت هناك مصادر أخرى للنفط تكون موجودة مباشرة تحت أقدامنا ويمكن العثور عليها بسهولة لكننا لم نكتشفها حتى الآن لأننا ببساطة لا نتوقع أن تكون موجودة في ظل إيماننا بالنظرية التقليدية لوجود النفط في أماكن دون غيرها؟
إن تفنيد نظرية وجود مصدر واحد للنفط هو أمر يرجع إلى أكثر من قرن من الزمن وبالتحديد عندما أثبت العالم الكيميائي الفرنسي مارسيلين بيرتيولو أن المواد الكيميائية العضوية مثل النفط يمكن أن يتم الحصول عليها من مصادر أخرى غير بقايا الكائنات البحرية.
وأول من أيد هذه النظرية كان العلماء الروس في عقد الخمسينيات من القرن الفائت والذين كانوا وقتها تحت ضغط كبير للعثور على مصادر جديدة للنفط لتوفير احتياجات الإتحاد السوفييتي السابق من الطاقة. وكان أكثر العلماء المؤيدين لهذا النظرية هو العالم الروسي نيكولاي كودرياستيف الذي ضرب أمثلة عديدة لحالات عُثر فيها على نفط داخل صخور في أماكن عديدة من العالم من دون أن يكون هناك أي وجود لكائنات بحرية داخل تلك الصخور.
ومؤيدو تلك النظرية يرون أن الهيدروكربونات موجودة في باطن الأرض منذ تكون الأرض قبل نحو 5,4 مليارات عام. وعلى الرغم من بساطة وفائدة هذه النظرية المناوئة لنظرية وجود النفط بين حفريات الكائنات البحرية فقط، حيث يمكن في حالة صحتها أن تدر على العالم فوائد جمة، إلا أنها لم تجد لها صدى خارج الإتحاد السوفييتي، مما أدى إلى نسيانها والتخلي عنها جراء ما قدمه المشككون فيها من أدلة تثبت عدم صحتها من وجهة نظرهم.
واستمر إهمال هذه النظرية حتى عقد الثمانينيات من القرن الفائت، عندما تعهد عالم نمساوي يدعى توماس غولد من جامعة كورنيل في نيويورك بإحياء النظرية مرة أخرى. فبفضل خبرته الطويلة في مجال الفلك، كان غولد يعلم أن هناك أدلة كبيرة على وجود مواد هيدروكربونية في كواكب المجموعة الشمسية،
ولا يرى أي سبب لاستبعاد إمكانية أن يحوي كوكب الأرض كميات كبيرة من هذه المواد وباحتياطات كبيرة تفوق كل التوقعات. ويرى غولد أن وجود هذه المواد هو حقيقة ثابتة لا تقبل أي شك حيث إنه يرى أنها موجودة في الطبقات البكتيرية الموجودة في باطن الأرض.
وأبدى غولد اهتماما كبيرا بالتقارير التي كتبها بعض الباحثين والتي أفادوا فيها أنهم وجدوا ميكروبات حية في عينات من النفط مستخرجة من أعماق كبيرة تحت سطح الأرض. غير أن المشككين في نظريته رفضوا تلك الأدلة قائلين إنها ترجع إلى تلوث تسبب فيه وجود بعض الميكروبات التي تسكن سطح الأرض وليس أعماقها.
وأدرك غولد حينها أن السبيل الوحيد أمامه لإثبات صحة نظريته ودحض نظرية الآخرين هو أن ينجح في العثور على بكتيريا ونفط معا في آن واحد وفي مكان يرى أصحاب النظرية التقليدية أنه لا يمكن أن يحوي نفطا. وظل غولد يبحث عن ضالته هذه حتى وجدها في عام 1986 بعد أن أقنع مجلس الطاقة الحكومي في السويد بالتنقيب عن النفط في منطقة بالسويد يطلق عليها اسم سيليجان رينغ.
وبعد أربعة أعوام من العمل المتواصل، وبعد إجراء سلسلة من الحفر على أعماق متفاوتة وصلت إلى 6700 متر، استطاع غولد إثبات صحة نظريته،إذ تم العثور على 12 طنا من النفط الخام من موقع بحسب النظرية القديمة التقليدية لا يمكن أن يوجد به أي نفط على الإطلاق
لأنه ببساطة لا يحتوي على أي حفريات بحرية. ومن خلال هذا الكشف استطاع غولد تفسير أمر آخر كان قد راهن عليه من قبل من خلال خبرته في علم الفلك وهو كيف تستطيع البكتيريا الحياة على أعماق سحيقة تحت سطح الأرض وتتحمل ما تتعرض له من درجات حرارة عالية وضغط غير طبيعي.
غير أنه على الرغم مما جاء به من أدلة فإن المتشككين ظلوا على رأيهم المتمثل في أن كميات النفط والغاز التي ظهرت في الصخور التحتية هي نتيجة تلوث سطحي يمكن تفسيره عن طريق النظريات الجيولوجية النفطية التقليدية. وحتى وفاته في 2004 لم يستطع غولد إقناع المتشككين بنظريته،
ولكن على الرغم من ذلك فإن آراءه لم تستبعد بشكل كامل من قبل الرافضين لها. فقد أكد العالم الفيزيائي فريدمان فرويند من وكالة ناسا الأميركية: «على الرغم من أن غولد لم يكن محقا في افتراضاته الأساسية ، إلا أن هناك إمكانية لوجود مصادر للمواد الهيدروكربونية في الصخور الموجودة في باطن الأرض».
عدد كبير من علماء البيئة يظنون أن نظرية وجود النفط داخل الصخور على أعماق كبيرة قد يستخدمها البعض ذريعة لمواصلة الاستخدام المفرط للنفط في شتى ميادين الحياة. وفي الوقت ذاته فإن الأهمية المتنامية للنفط في الاقتصاد العالمي تجعل الجميع يتمنى صحة نظرية غولد لأنها تمنح مزيدا من التفاؤل والأمل في المستقبل.
إعداد: حاتم حسين