مؤلف هذا الكتاب هو أكاديمي بارز في المعاهد العلمية الأميركية، تخرج من جامعة هارفارد دارساً وأستاذاً لعلوم الرياضيات ومازال يمارس البحث العلمي والتعليم الجامعي في ميدان علوم المستقبليات ويرى أن أهم ما ينبغي أن يعكف عليه المشتغلون بالشأن العام من ساسة ومفكرين هو وضع التصورات المستقبلية بمعنى السيناريوهات السياسية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية بما يكفل للدول والشعوب رؤية استباقية لما يطويه دفتر المستقبل بكل ما يحفل به من إيجابيات أو سلبيات.
ويقدم المؤلف هنا رؤى مستقبلية لما سيؤول إليه العالم في القرن الحادي والعشرين والسيناريوهات المحتملة لمجريات الأحداث في هذا القرن انطلاقاً من معطيات الواقع العملي التي تتبدى في العديد من الميادين على مستوى العالم ككل. قبل أن يودع القرن العشرون دنيا الأحياء، وقبيل مولد القرن الحالي ـ الحادي والعشرين، نشأت ـ وبالأدق تسللت ـ ظاهرة باتت الآن ملحوظة في عالم اليوم هذه الظاهرة أطلقوا عليها مصطلحاً أصبح شائعاً في حياتنا الفكرية والثقافية، وهو ظاهرة الاعتماد المتبادل.
وثمة مصطلح أجمل وقعاً وربما أدق تشخيصاً نستمده بدورنا من ثقافتنا العربية ـ الإسلامية، وهذا المصطلح هو: التكافل. وأياً كان المصطلح فالظاهرة المستجدة على فكر العالم مع القرن الوليد هي: التشابك، والترابط والصلات المشتركة بين العلوم والتخصصات المتنوعة، بحيث يتداخل بعضها مع بعض ويستعير بعضها من بعض. لقد استعارت علوم البلاغة والنقد والتعبير من علوم الهندسة والميكانيكا.
بين الهندسة والدراما
وهكذا قرأنا عن آليات النص الأدبي. وبالمقابل، استعارت العلوم التطبيقية البحتة من دنيا الرواية وعوالم الخيال وهكذا قرأنا أيضاً عن تنبؤات الإحصاء وسيناريوهات الاقتصاد.وربما يفسر هذه الظاهرة من الترابط أو التداخل والتفاعل المشترك أو التكافل العلمي والفكري حقيقة يمكن أن نصوغها كما يلي: أن علوم الخيال والإبداع تنشد مزيداً من الدقة والانضباط.
وأن علوم الدقة والضبط التطبيقي تنشد من ناحيتها توسيع مجال الرؤى والتصور وتشغيل ملكة الخيال كي تطل على الواقع من منظور التحليق وليس من زاوية الالتصاق بأبعاد هذا الواقع. إن علوم المستقبليات هي التي تجسد على أفضل صورة ممكنة هذه الحقيقة، ذلك لأنها تبدأ مع معطيات الواقع العملي ولكنها تمتد بها وتحاول استقراءها لكي تحكي مدخلاتها رؤى للمستقبل.
تساؤلات مستقبلية
تعمد هذه الرؤى المستقبلية إلى طرح سؤال من قبيل: أي عالم كامن في ثنايا المستقبل؟
وسؤال آخر من قبيل: ما هي السيناريوهات التي يمكن أن نتصورها بالنسبة لسنوات هذا القرن الحادي والعشرين؟
هذان السؤالان بالضبط يشكلان العنوان الرئيسي لهذا الكتاب الذي نقدمه مع مطالع عام 2007 الجديد والمؤلف كما ألمحنا أستاذ في علم الرياضيات التطبيقية من جامعة هارفارد ويعمل كبيراً للباحثين في المعهد العالمي للموارد وهو في صدارة مراكز بحوث السياسات في العاصمة الأميركية واشنطن.
ومثل كل المعالجات العلمية يعمد كتابنا إلى طرح تساؤلات طموحة ومشروعة أيضا تقول: لقد تحوّل العالم في معظمه (بعد سقوط الشيوعية) إلى اقتصاد السوق الحرة (الرأسمالية) - فهل سيؤدي هذا الاقتصاد إلى مزيد من رفاه البشرية وإلى مستقبل أفضل لسكان عالمنا؟
أو هل تظل الأقطار الفقيرة في عالمنا فريسة لزيادة السكان وتدهور الموارد وضعف المؤسسات وفساد الإدارات الحاكمة؟
أو هل سيدفع سكان كوكبنا ثمنا فادحا لتقدمهم وعلى حساب تضاؤل موارد وتدهور أحوال الأجيال القادمة من سكان هذا الكوكب؟
أو هل نتفاءل بأن العالم يمكن أن ينعم بالسلام والعدل بفضل ما يمكن أن يشهده سكانه من تغيرات اجتماعية وسياسية يثوب فيها الناس إلى رشدهم ويصونون بيئة كوكبهم وتسود في إطارها كلمة القانون ويتحقق رفاه الإنسانية؟
كل هذه التساؤلات يطرحها المؤلف في مستهل صفحات الكتاب، ويؤكد أن لا سبيل إلى تناولها وتحليلها ومحاولة الإجابة عليها، سوى برسم سيناريوهات تحاول أن تقرأ في دفتر المستقبل، وبأسلوب يجمع بين استفتاء حقائق العلم وإطلاق العنان لأجنحة الخيال.
مزايا السيناريو
هنا يصف المؤلف فكرة السيناريوهات فيقول: إنها تحفز على استخدام مَلكة التصور وتساعد على استيعاب الإمكانات المستجدة، على حياتنا وفكرنا وعلى استكشاف البدائل الممكن حدوثها، وعلى إدماج عوامل مختلفة ضمن سياق تفكيرنا بشأن المستقبل.
والمعنى كما يضيف المؤلف هو: أن يصبح بوسعنا أن نتخيل مستقبلا مصابا بتدهور البيئة وتضاؤل الموارد يخيم عليه الفقر وتخنق أنفاسه عوامل العوز ونقص الغذاء واتساع الهوة بين دخل الفقراء والأغنياء مما يفضي بالضرورة إلى الحط من قيمة البشر والاستهانة بكرامة الإنسان بقدر ما يصبح بوسعنا بالضبط أن نتخيل مستقبلا بديلا يستخدم أحدث التكنولوجيات التي نتوصل إليها لكي تحرر الناس من ربقة الفاقة وبراثن الجهل والتخلف - مستقبلا يتيح تلبية بل وإشباع احتياجات البشر وبالتالي تزدهر على ضفافه براعم الثقافة وتنهض صروح الحضارة.
بيد أن مؤلفنا بكل خبراته كأستاذ أكاديمي وباحث متعمق لا يلبث أن يرفع عقيرته منبها إلى خطأ ينساق فيه المستقبليون فيقول: حذار من أن تفكروا في مستقبل العالم وكأنه كتلة واحدة، إن العالم يتألف من مناطق وأقاليم، تعيش على أديمها أمم وشعوب، تختلف فيما بينها من حيث أساليب الحياة، ومن حيث قيم الثقافات ومسار الحضارات، والأفضل والأدق علميا يتمثل في وعي الفروقات التي تفصل بين القارات والأقطار والأقاليم والظروف القومية والوطنية.
في هذا السياق يسوق المؤلف في الفصول الأولى من الكتاب أمثلة على النحو التالي:
لو تعاملنا مع أفريقيا من منظور العولمة الشامل مثلا، لحكمنا عليها باستمرار التخلف وبالحرمان المزمن وباليأس المطبق إزاء التماس حلول ناجعة لمشاكلها المزمنة، لكن الحالة تختلف إذا ما تعاملنا مع أفريقيا من منظورها الإقليمي الخاص: ساعتها سوف ندرك أن هذه القارة المسكينة في الحاضر أمامها فرص واعدة في المستقبل،
وسنجد أن أفريقيا مثلا قارة غير مزدحمة بالسكان، بل هي في بقاع منها قليلة إن لم تكن منقوصة السكان، بمعنى أنها لن تعاني الازدحام أو التكدس أو ضغط العامل الديموغرافي (السكاني) على مواردها وإمكاناتها (كثافة السكان في أفريقيا أقل في معدلاتها من كثافة الولايات المتحدة). والمعنى من ذلك هو أن أفريقيا على مدى سيناريو نصف قرن مثلا لن تعاني خللا في نسبة السكان (المتزايدة) إلى نسبة الموارد (المتناقصة).
سنجد أفريقيا أيضا - ورغم بؤسها الراهن - قارة مازالت بكرا من ناحية الموارد، بمعنى أن مخزوناتها واحتياطياتها من المعادن الأساسية مازالت حافلة وأكثر من واعدة، وبمعنى أن مساحات الأراضي الخصبة في طول القارة وعرضها، فضلا عن مواردها من المياه العذبة ما زالت تفوق ما يملكه عملاقان اقتصاديان صاعدان في القرن الجديد وهما الصين والهند.
في نفس السياق الواعد، أو فلنقل المتفائل بالنسبة للقارة المهيضة السمراء يمضي مؤلفنا فيقول: عندما تنفض أفريقيا عن كاهلها مآسي الصراع المتخلف عن حقبة الاستعمار وهي المرحلة التي لم يكد يمضي عليها سوى جيل واحد من عمر الزمان، فربما تنهض أفريقيا بوصفها القارة الموعودة مما يؤهلها لكي تضطلع بدور شريك كامل أو ناضج في سوق العولمة.
اللغز الصيني
على خلاف الوعد الأفريقي يطلّ كتابنا على الصين ولكن من منظور مختلف بل هو منظور يميل إلى قدر من التشاؤم إزاء مستقبل الأيام، يقول المؤلف: صحيح أن الصين مرشحة حاليا للاضطلاع بدور القوة الاقتصادية العظمى. وصحيح أن هناك من باتوا يراهنون على دورها كعنصر سياسي فاعل وشديد التأثير في السياسة العالمية - لكن الصحيح أيضا أن استقراء تاريخ الصين قد يفضي إلى عكس هذه التوقعات الشديدة التفاؤل،
وهنا يستعرض المؤلف أدواء الصين التي سبق وألمّت بها عبر تاريخها: الحروب الأهلية والانقسامات القومية، والعرقية - الطائفية، الأزمات السياسية الأقرب إلى تصلب الشرايين الديمقراطية، المواجهات بين الحكومة المركزية في العاصمة وحكومات الأقاليم الجهوية، ثم يتساءل هاموند من نفس المنظور المتشائم قائلا: هل يظل بوسع الصين (رغم ما أنجزته وحققته) أن تحافظ على استقرارها الاجتماعي في وجه ما أصبح باديا للعيان من مستويات غير مسبوقة في الجسامة
ومن التدفق المتواصل الكثيف من الهجرة الريفية إلى الحضر حيث تشير التوقعات إلى أن نحو 250 مليون إنسان في طريقهم إلى أن يتحولوا من مواقع الأرياف إلى سكنى المدن خلال السنوات القليلة القادمة؟ وإذا لم تنجح الصين في مواجهة هذه الظاهرة بكل عقابيلها فإلى أي حد يؤثر هذا الفشل على أحوال بقية العالم؟.
أحوال أميركا اللاتينية
لننظر إلى قارة أميركا اللاتينية: إنها في الحاضر تتأرجح بين تيارات اليسار وتتجاذبها تيارات اليمين، وهي بذلك تعاني من وضع يهدده التذبذب وعدم الاستقرار كما يقول أهل السياسة أو هو عدم اليقين كما يقول الاقتصاديون، أميركا اللاتينية تتجه من ناحية إلى نوع من النمو الاقتصادي حيث تسودها والحق يقال رغبة في الإصلاح في البنى الديمقراطية والمؤسسات الاقتصادية،
كما أن مواردها الطبيعية - المعدنية بالذات - معقولة بالنسبة لعدد السكان، مع ذلك فالقارة اللاتينية مازالت تعاني من ناحية أخرى أدواء ومشاكل مزمنة ليس أقلها سوء توزيع الدخل بشكل شديد الإجحاف ومنذر بالخطر الجسيم بين أثرياء متخمين من ملاّك الأراضي ومن مهربي المخدرات ومن تجار السلاح المستندين إلى نظم العسكرية الديكتاتورية وبين الفقراء والمعدمين،
انظر مثلا جحافل الأطفال المشردين في شوارع ريودي جانيرو أو ساو باولو في البرازيل، تأمل سلوكيات الفساد المستشرية من جراء زراعة وتجارة الكوكايين المدمرة في كولومبيا، تابع أخبار العصابات المهولة التي تكاد تفرض كلمتها في نظم الحكم في بقاع شتى من أميركا اللاتينية.
تابع أيضا أخبار فرق الاغتيال التي تعيث فسادا في أرض القارة التعسة. هذه التوترات وما يرتبط بها من غياب العدل وتفشي المظالم وتهديدات الأمن وسوء توزيع الثروة وعوائد الانتاج.. هل من شأن هذا كله أن يقّوض آمال النمو في أميركا اللاتينية ويصادر أية آفاق تنحو بها نحو التقدم في ما يلي من سنوات هذا القرن الحادي والعشرين؟ماذا عن الهند؟
حتى الهند التي سارت بأنباء تقدمها التكنولوجي الأخبار والركبان: لديها طبقة وسطى بالغة الحيوية وجيدة التعليم، ولديها كوادر ناجحة وكفاءات يعتد بها مما دفع انطلاقتها إلى الأمام لتسبق كثيرا من بقاع العالم الثالث، الآخذ في النمو، لكن، ويا لجسامة «لكن» هذه: إن الهند لديها أفقر الطبقات من البشر في العالم، وهو فقر مدقع من ناحية فضلا عن كونه فقراً منتشراً ومخيماً ليشمل عشرات الملايين من ناحية أخرى،
وتزداد الحالة تفاقما حين نعرف أن مستويات الفقر في الهند تكاد تساوي بل وتزيد على نظيرتها في إفريقيا من حيث الأمية وهشاشة الدخل والافتقار إلى أبسط ضروريات الحياة. وحين نعرف أيضا أنه وفقا لمعدلات الخصوبة والتكاثر الديموغرافي الراهنة فمن المتوقع أن يزيد تعداد السكان في الهند عن نظيره في الصين،
ثم هناك سيناريوهات الصراع المذهبي والديني والعرقي وكل هذا يدفع - كما تلح سطور الكتاب - إلى طرح السؤال: إذا كنا نسلّم بأن ثمة إصلاحا قد شهدته الهند في ميدان الاقتصاد، فهل من المتوقع أن تشهد شبه القارة الهندية يوما نوعا من الإصلاح الاجتماعي، وهل يأتي هذا الإصلاح في الموعد المناسب؟
مستقبل الشرق الأوسط
في نفس الإطار تتحول أضواء الكتاب إلى منطقتنا العتيدة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط وهي بالضبط إقليم الوطن العربي بجناحيه في المغرب والمشرق.الكتاب يصف الآفاق والوعود والتوقعات بالنسبة للعالم العربي أو فلنقل الشرق الأوسط حيث معاناة التذبذب وعدم اليقين. نعم منطقة الشرق الأوسط تملك كميات من انتاج واحتياطيات البترول، لكن المنطقة - وهذا أمر ينبغي التنبه إليه - جديرة بأن تواجه أزمة في توافر المياه العذبة في مستقبل الأيام.
هنا يقول المؤلف على وجه التحديد: بحلول عام 2025 (بعد 18 سنة فقط لا غير) وبسبب اطراد الزيادة السكانية، سوف تزيد احتياجات الشرق الأوسط من المياه بأكثر ما تستطيع مواردها أن توفره وبمقدار أربعة أضعاف (400 في المئة). وفضلا عن هذه الأزمة في الموارد الطبيعية، فالشرق الأوسط - كما يضيف المؤلف - يعاني احتياجات أكثر من ماسّة وأشد من ملحّة في مجال الإصلاحات السياسية والاجتماعية (يصدق ذلك على مشاكل البطالة، وأوضاع المرأة،
وحقوق المواطنة ومركز الأقليات ومطالب الشباب ومشاكل المسنّين ورعاية الأطفال ودور الانتلجنسيا من النخب المثقفة وصراعات القوى السياسية وخاصة تلك التي ترفع الشعار الديني دع عنك المذهبي، الخ). المنطقة إذن كما ينبه المؤلف مشحونة بتوترات وضغوط اقتصادية، مواردية، اجتماعية، سياسية لا ينبغي أن تترك لتفاعلاتها وقوانين حركتها دون تعامل رشيد معها وإيجاد حلول عملية ناجعة لها وإلا وصلت الأمور في المنطقة إلى حد الانفجار.
ليس معنى هذا كله أن القوى المتقدمة علميا وتكنولوجيا في خريطة عالمنا معفاة من المشاكل في الحاضر أو في المستقبل: قد تبدو أوروبا الغربية أو أميركا أو اليابان في حال من الرخاء أو الرفاه أو التقدم وخاصة في مجال المال والاقتصاد: لكن السؤال سيظل مطروحا حول إمكانية أن تضع هذه الأقطار المتقدمة ثمار تقدمها في خدمة التقدم على مستوى العالم
وهو ما يكفل لهذا العالم أن ينعم بقدر ولو معقول من الاستقرار والسلام، ويظل السؤال مطروحا بإلحاح أشد في ضوء ما نشهده حاليا من وثوب فئات من قبيل «المحافظين الجدد في أميركا» إلى مواقع الحكم والإدارة والنفوذ السياسية والتنظير الأيديولوجي في أكبر دول عالمنا بحيث كانت النتيجة في مجملها وَبَالا أو ما هو أقرب إلى الوبال على العالم في أكثر من منطقة وفي أكثر من مجال، ولا تحسبنّ أن هذه الكوارث تتمثل فقط في اندلاع حروب هنا أو هناك (أفغانستان، العراق، جنوب لبنان، الصومال، والبقية تأتي).
إن الأخطر هو اشتعال ما أصبح يعرف باسم «صراع الحضارات» وما أصبح يرصد من المساس بالعقائد والأديان، وما أصبح يُتابع من استهانة بالمنظومة الدولية المجسدة في الأمم المتحدة، ومجلس الأمن بالذات لتكون أدوات طيعة في يد الأقوى وعلى حساب الأقل والأفقر والأضعف من شركاء كوكب الأرض الذي نعيش فيه.
من خلال هذه الصورة المتعددة الأبعاد يخلص مؤلف الكتاب إلى التأكيد على أهمية وضع السيناريوهات التي تطمح إلى تصّور رؤى المستقبل سواء في حالة التفاؤل أو حالة التشاؤم أو حالة بقاء الأحوال على ما هي عليه دون أن يطرأ تغيير. وهو يركز على فكرة السيناريو في الفصل الثاني قائلا: إنه ليس مجرد استشراف أو تنبؤ بما قد يحدث، إنه أقرب إلى رؤية توحي بأن العالم ربما يتغير ولكن بناء على معطيات
وأوضاع وظروف تكاد تقترب من القصص أو الروايات بكل ما يحفل به هذا الفصيل الأدبي من أحداث وأزمات وحبكة درامية ولحظات من التأزم وشخصيات خيّرة أو شريرة.بيد أن المسألة ليست مجرد تصورات يضعها علماء المستقبليات في أبراجهم العاجية. ثمة تجارب واقعية أثبتت جدوى السيناريو في رسم مسارات الحركة أمام العديد من المؤسسات العملاقة والمشاريع الضخمة جداً في أكثر من موقع في عالم اليوم.
حكاية شركة
هنا يحيل المؤلف إلى كتاب بعنوان «فن الرؤية البعيدة» وقد أصدره الباحث بيتر شوارتز وأكد فيه كيف أن سيناريوهات الرؤية المستقبلية أفادت مجموعة شل النفطية العملاقة في أن تصبح واحدة من أكبر وأنجح الشركات في عالم اليوم. هذه السيناريوهات ركزت اهتمامها على تزويد مديري الشركة بتصورات توقعت مسبقا،
وبناء على بيانات وإسقاطات رياضية، ارتفاع أسعار البترول. ولم يكن مقصد هذه السيناريوهات هو مجرد التحذير أو حتى الاستعداد المالي أو الاقتصادي بقدر ما كانت تهدف بالذات إلى تغيير ما وصفته بأنه «ثقافة الأسعار الرخيصة» بمعنى تغيير أسلوب تفكير مديري الشركة ومن في حكمهم بعد أن طال عليه الأمد وهو يتعايش مع سهولة الإمدادات النفطية وانخفاض أسعارها.
وفي هذا السياق يحكي شوارتز قصة نجاح هذه السيناريوهات قائلا: وهكّذا، فعندما تضاعفت أسعار البترول 4 مرات بعد أزمة عام 1973، كانت الشركة المذكورة هي الوحيدة التي اتخذت أهبة الاستعداد من الناحية «العاطفية - الانفعالية»)!( اللازمة لاستيعاب صدمة هذا التغيير وبذلك ازدهرت لتصبح ثاني أكبر عملاق نفطي في العالم.
وعندما جاءت صدمة أخرى: معاكسة هذه المرة سجلت فيها أسعار البترول انخفاضا شديدا في عام 1986، كانت الشركة مستعدة من جانبها للاستحواذ على المزيد من المزايا الاقتصادية السخية وكان الفضل في الحالتين لتلك الفكرة البسيطة الساحرة التي مازال القرن 21 بحاجة إليها وتحمل الاسم المستقى من عالم الإبداع الروائي والدرامي: السيناريو.
تأليف: ألين هاموند
عرض ومناقشة: محمد الخولي



