السمة الرئيسية للسياسة الخارجية التي تبنتها الولايات المتحدة الأميركية خلال الحرب الباردة كانت المقاربة الشاملة للوضع، والتي تمثلت في الاستعداد للترحيب بأي دولة تبدي معارضتها للشيوعية، مهما كان نمط وأسلوب الحكم في هذه الدولة. ودخلت أميركا في تنافس مع النظام السوفييتي وحافظت على التوازن العسكري كما كان موجودا؛ وأدت معالجتها الشاملة والمنظمة تلك للموقف في النهاية إلى انهيار الاتحاد السوفييتي.
وبعد الحرب الباردة جاءت «الحرب على الإرهاب». فالمتشددون الإسلاميون حاولوا تدمير مركز التجارة العالمي في 1993 وفجروا السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا في 1998. ثم شهد العالم هجمات الحادي عشر من سبتمبر في 2001. وفي المقابل هاجمت الولايات المتحدة أفغانستان وألحقت بحركة طالبان هزيمة فادحة. ثم أسقطت نظام صدام حسين في 2003 وأنشأت حكومة ديمقراطية في العراق.
غير أن الولايات المتحدة أثناء الحرب على الإرهاب لم تتبن المعالجة الشاملة التي انتهجتها ضد الشيوعية. فباستثناء الأطراف الموجودة فيما أطلق عليه «تحالف الراغبين»، تبين أن معظم البلدان الأوروبية نأت بأنفسها عما تفعله واشنطن. وفيما يتعلق بالشأن العراقي، فإن الحكومة السنغافورية كانت ومازالت مؤيدة بشدة للرئيس الأميركي جورج بوش و فريق عمله.
فالحكومة السنغافورية قد ساعدت في عملية تدريب الشرطة العراقية فضلا عن أنها شاركت عسكريا بإرسال جنود ووحدات وكتائب عسكرية إلى العراق. الرئيس بوش كان محقا في غزو العراق لإسقاط صدام حسين و محاولة التخلص من أسلحة الدمار الشامل التي أفادت معلومات استخبارية أميركية وأوروبية بأن العراق كان يملكها.
غير أن الغضب تملكني عندما حلت الولايات المتحدة الجيش العراقي وكذلك الشرطة و طردت كل البعثيين من الحكومة العراقية. فقد كنت أخشى من أن مثل تلك الخطوة ستوجد نوعا من الفراغ. وقتها تذكرت عندما استولى اليابانيون على سنغافورة في فبراير 1942 واعتقلوا 90 ألفا من القوات البريطانية والهندية والأسترالية، غير أنهم رفضوا المساس بقوة الشرطة والإدارة المدنية وتركوا الوضع على ماهو عليه
ولكن تحت سيطرة ضباط الجيش اليابانيين، في حين كان هناك أفراد بريطانيون مسؤولون عن الخدمات الحيوية مثل المياه و الكهرباء والغاز. وباستثناء قوة حماية عسكرية صغيرة، فإن معظم أفراد قوات الغزو الياباني والتي كان قوامها 30 ألف جندي غادروا سنغافورة واتجهوا إلى جافا بين عشية و ضحاها. فلو أقدم اليابانيون على حل قوات الشرطة والإدارة المدنية، لكانت الفوضى هي عنوان الوضع آنذاك.
إن النزعة الفردية التي تسيطر على الولايات المتحدة في تناول ما يجري في العالم قد تسببت في تكوين تحالف غير رسمي مناوئ لتحالف الراغبين الذي أطلقه بوش. عدد كبير من أطراف هذا التحالف المناوئ ليسوا في صف المتشددين الإسلاميين. فروسيا والصين بالإضافة إلى بعض الدول الأوروبية قد اتحدت معا ببساطة من أجل حماية مصالحها ضد ما تراه هذه الدول انتهاكا أميركيا لتلك المصالح. هذه الدول ليس بينها وبين الولايات المتحدة تعارض جوهري في المصالح.
ولذا فإنه كي تتمكن من عزل الأطراف المتشددة، فإن على الولايات المتحدة أن تبتعد عن نزعتها الانفرادية وتكسب تأييد أوروبا وروسيا والصين والهند وجميع الدول غير الإسلامية لقضيتها، بالإضافة إلى عدد كبير من المعتدلين الإسلاميين. ثمة حاجة ضرورية إلى وجود تحالف عالمي من أجل إطفاء نيران الكره التي يشعلها المتشددون الإسلاميون.
لقد شرعت إدارة بوش في نشر الديمقراطية في العراق وفي الشرق الأوسط بشكل عام. على المدى البعيد، يمكن للديمقراطية أن تسود غير أن عملية إرسائها لن تكون سهلة. فضلا عن ذلك فإن إجراء انتخابات حرة و نزيهة ليس هو أفضل بداية في اتجاه تأسيس الديمقراطية داخل بلد لا يملك أي سابقة أو تاريخ مع الحكم الذاتي. فبدون إعداد كاف فإن الانتخابات يمكن ببساطة أن تسمح للشعب بأن ينفس عن احباطاته ضد الفساد وعدم كفاءة الطبقة الحاكمة بالتصويت لمصلحة المعارضة بصرف النظر عن سمات هذه المعارضة.
فهذا هو سبب انتصار حماس الانتخابي في الأراضي الفلسطينية. البداية الأفضل يجب أن تكون متعلقة بتحسين التعليم و تحرير المرأة وخلق فرص اقتصادية. الخطوة التالية يجب أن تتعلق بالتركيز على تنفيذ حكم القانون وتعزيز نزاهة واستقلالية القضاء والمحاكم و بناء مؤسسات المجتمع المدني باعتبار ذلك خطوة ضرورية في اتجاه الديمقراطية. عندها فقط يمكن للانتخابات الحرة أن تقود إلى نظام أكثر ديمقراطية.
فالاعتقاد بأن العراق يمكن أن ينتقل من دولة ديكتاتورية إلى دولة ديمقراطية من خلال دورتين انتخابيتين في غضون ثلاثة أعوام هو أمر من قبيل المبالغة في التوقع. فمثل هذا التحول هو محاولة من أجل إدخال تغيير يحتاج إلى أكثر من مجرد دورتين انتخابيتين أميركيتين على امتداد سنتين أو أربع سنوات.
في الحرب التي تخوضها الآن، يجب على الولايات المتحدة أن تتذكر المبادئ والسياسات التي كانت تحكم ردود أفعالها أثناء الحرب الباردة وتعلم أنه لا توجد دولة واحدة بمفردها أو دين واحد أو أيديولوجية واحدة منفردة يمكنها أن تغزو العالم أو تعيد تشكيل ملامحه. إن العالم يتميز بقدر كبير من التنوع.
فالأعراق المختلفة والثقافات المتباينة واختلاف الأديان واللغات والتاريخ، كل هذا يتطلب طرقا عديدة و مختلفة للوصول إلى الديمقراطية وإلى نظام السوق الحرة. فالمجتمعات داخل عالم العولمة تؤثر بعضها على بعض. والنظام الاجتماعي الذي يلبي احتياجات شعبه في مرحلة معينة من تطور هذا الشعب هو النظام الذي سيبلغ الاستقرار داخليا.
وفيما يتعلق ببقية الشرق الأوسط، فإن سنغافورة مدينة بشكل كبير لإسرائيل. فعندما نالت الدولة الاستقلال في 1965، فإن إسرائيل كانت الدولة الوحيدة في العالم التي ساعدتنا على بناء جيش من المواطنين المحليين. والكولونيل الإسرائيلي الذي قاد فريقا من عشرة ضباط في الفترة من 1966 و 1968 زار سنغافورة مرة أخرى بعد ذلك بعشرة أعوام ودُهش من التطور الاقتصادي الذي تحققه الدولة،
وكان يأسف في الوقت ذاته لتباطؤ خطى التقدم الاقتصادي في بلاده. وقلت له وقتها إننا ننعم بسلام مع جيراننا وإن القوات العسكرية السنغافورية هي مجرد رادع و تمثل سلاحا نلجأ إليه كملاذ أخير عندما تقدم أي دولة على أي عمل متهور ضدنا. وفي المقابل فإن إسرائيل تورطت في حروب متوالية.
وكي يتم تسوية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني فإنه يجب أن تكون هناك دولتان، واحدة إسرائيلية والأخرى فلسطينية. ولكن هذه الدولة الفلسطينية يجب أن تكون دولة قادرة على البقاء كي تستحق السلام الذي يُصنع من أجلها. الولايات المتحدة ينبغي لها أن تحث إسرائيل على تشجيع قيام دولة فلسطينية بهذه المواصفات، وذلك لأنه عند قيام مثل هذه الدولة، سيكون لدى الفلسطينيين حافز لتجنب الحرب إذا كانت هذه الحرب ستدمر المستقبل الذي يبنونه لأنفسهم.
إن الرئيس الأميركي القادم سيواجه عالما جديدا. لن يكون هناك العراق فحسب وإنما ستكون هناك أيضا دولة أخرى يتحتم التعامل معها، وهي إيران وستكون المعركة طويلة المدى مع المسلحين الإسلاميين لا تزال في بدايتها. غير أن الولايات المتحدة تغلبت على نكسات الحرب الفيتنامية ومنعت التوسع السوفييتي وأضحت الدولة العظمى الوحيدة في العالم؛ فمن خلال تحالف واسع النطاق وتعامل مناسب مع العالم، يمكن للولايات المتحدة أن تنتصر الآن مرة أخرى.
بقلم: لي كوان يو رئيس وزراء سنغافورة الأسبق
ترجمة: حاتم حسين عن «فورين أفيرز»