خرجت هيئة معايير الغذاء البريطانية، مؤخراً، بتقرير يعد الأول من نوعه حول جودة منتجات الأرز في السوق البريطانية، حيث أفاد ذلك التقرير، بشكل أثار حالة من الاستياء بين البريطانيين، أن 54% فقط من الأرز الباسمتي الموجود في السوق هو أرز أصلي لا يحوي أي إضافات تنقص من قيمته وجودته الغذائية.

ومن المعروف أن الأرز الباسمتي هو أحد أفضل أنواع الأرز في العالم وتتم زراعته في شمال الهند وشرق باكستان. ووجد التقرير أن النسبة الباقية من كميات الأرز المتوافرة في الأسواق قد تم خلطها بأنواع أخرى أقل جودة، وقدر أحد مسؤولي الهيئة أن المحتالين الذين يقفون وراء هذا الأمر نجحوا في اختلاس نحو 5 ملايين جنيه إسترليني من وراء خلط الأرز الباسمتي بأنواع أخرى أقل قيمة.

وأشار التقرير الذي جاء بمثابة الصدمة للرأي العام البريطاني إلى أن الأرز الباسمتي ليس وحده الذي تعرض للغش من قبل المحتالين والنصابين بل إن العسل بمختلف أنواعه وبعض أنواع الخمور واللحوم والزبدة والأسماك والبن وعصائر الفاكهة والجبن وحتى البطاطس ـ جميع هذه المنتجات تم خلطها بشكل يقلل من قيمتها الغذائية ويضخ المزيد من المكاسب المادية غير القانونية في جيوب اللصوص الذي يقفون وراء مثل تلك العمليات من النصب والاحتيال.

وقد تسبب هذا التقرير، وفقا لمجلة نيو ساينتست، في إثارة حالة من البلبلة والصخب بين وسائل الإعلام البريطانية والأوروبية التي خرجت بمقالات كثيرة تفيد فيها أن الاحتيال الغذائي قد تحول إلى «بيزنس» وتجارة مربحة للغاية لسرقة المستهلك.

ولأسباب واضحة للغاية لا يعرف أحد الحجم الحقيقي لهذه التجارة غير الشرعية، غير أن دراسات مسحية وبعض حملات التفتيش التي قامت بها جهات رسمية بريطانية أفادت أن الشركات المنتجة للأغذية والتي تتبع تلك الأساليب الدنيئة في جني الأرباح تكسب مئات الملايين من الجنيهات سنويا على حساب المستهلك.

يقول مارك وولف، وهو عالم في هيئة معايير الأغذية البريطانية: «عندما قمنا بدراسات مسحية على بعض أنواع الأغذية تبين لنا أن مستوى عمليات النصب والاحتيال تصل إلى 10% من حجم السوق». وأضاف المسئول: «قطاع الأغذية البريطاني يبلغ حجمه نحو 70 مليار جنيه إسترليني سنويا، ومن ثم فإن نسبة صغيرة من الاحتيال يمكن أن تدر على أصحابها ثروات فاحشة».

غير أن التقرير أكد أن المحتالين أضحوا في خطر داهم بفضل تطور التقنيات العلمية التي تتيح للاختصاصيين من خلال الحمض النووي والتحاليل الكيميائية الأخرى، تتبع مسار إنتاج الأغذية بمختلف أنواعها وذلك من المزرعة حتى وصولها إلى منزل المستهلك.

و أفادت المجلة أن الإتحاد الأوروبي أبدى انزعاجه الشديد من هذه المشكلة في الفترة الأخيرة لدرجة أن مسؤوليه أطلقوا مشروعا واسع النطاق لدعم وتوسيع نشر تلك التقنيات وتعميمها على مستوى الدول الأعضاء وذلك في خطوة لتحجيم قدرة المحتالين على الإضرار بالمستهلكين وبالسوق بشكل عام.

و تشير التقارير إلى أن أول تدوين رسمي لعمليات الاحتيال الغذائي بدأ عندما قام عالم كيميائي ألماني يدعى فريدريك أكيوم بتقديم ورقة علمية بعنوان «حول الغش الغذائي والتسمم المطبخي», والتي فضحت ما كان يُمارس من غش واحتيال غذائي في المطبخ والسوق الغذائي البريطاني لاسيما في العاصمة لندن في تلك الآونة.

وأوضحت الورقة العلمية كيف يقوم الخبازون بتقليص كمية الدقيق عند صنع الخبز بمختلف أنواعه وكيف يتم غش البيرة بإضافة بعض السميات التي كانت تؤثر بالسلب في الصحة العامة للمواطن. وكانت أسوأ الممارسات التي رصدتها الورقة العلمية هي استخدام الرصاص والنحاس والحديد والزئبق في صنع بعض الحلوى حتى تكون أكثر جذبا للأطفال، وهو ما يمثل خطراً داهماً على الأطفال في فترة نموهم.

غير أن التطور العلمي في الفترة الأخيرة أتى بعدد كبير من التقنيات التي من شأنها كبح جماح هؤلاء المحتالين والسيطرة على سوق الغش الغذائي لاسيما على مستوى الأخطار التي يمكن أن يشكلها على الصحة العامة. وفي الوقت ذاته فإن تجار الغش الغذائي بدأوا يفطنون للأمر عن طريق إيجاد أساليب لغش الأغذية من دون التسبب بأخطار صحية.

فالمكاسب التي يجنونها حاليا من تجارتهم تتمثل في غش الأنواع الجيدة من الأغذية مثل الأرز والألبان والخمور وزيت الزيتون وغيرها بخلطها بأنواع أقل تكلفة. ومن ثم فإن الأسعار العالية التي يدفعها المستهلك لشراء أنواع جيدة من الأغذية مثل زيت الزيتون اليوناني وغيره، فضلا عن الزيادة في حجم التجارة العالمية-هذان الأمران يعنيان أن تزوير المُنشأ قد أضحى تجارة مربحة للغاية.

و جاء ازدياد الطلب بشكل غير مسبوق على الأغذية العضوية ليفتح سوقا أخرى أكثر ربحا يستغلها المحتالون، لاسيما وأنه لا توجد هناك طريقة محددة تؤكد أن هذا الغذاء بالفعل عضوي أم لا. و بعد اكتشاف فضيحة الأرز البسمتي، بدأت هيئة معايير الغذاء في تطوير تقنية جديدة لفحص الأغذية تقوم على استخدام البصمة الوراثية من خلال الحمض النووي، وهي التقنية ذاتها التي يستخدمها رجال المباحث في فك ألغاز الجرائم.

وعن طريق هذه التقنية استطاعت الهيئة أن تضع يدها على عدد كبير من المحتالين العاملين في هذا المجال. وفي وقت سابق من العام الجاري بدأت إحدى المحاكم البريطانية في التحقيق مع شركتين بريطانيتين من مدينة إسيكس وغرمتهما 800 ألف جنيه إسترليني لكل منهما بسبب خلط الأرز البسمتي بنوع أقل جودة من الأرز بعد أن تبين من خلال البصمة الوراثية أن ما تبيعه الشركتان من أرز لا يتمتع بمعايير الجودة المتعارف عليها.

وأكدت الهيئة أن هذه التقنية قد ساعدت في تقليص حجم عمليات الغش التي يتعرض لها إنتاج الأرز الباسمتي في بريطانيا على وجه التحديد. وتقوم الهيئة حاليا بالتعاون مع شركاء لها في الإتحاد الأوروبي لاستخدام التقنية ذاتها من أجل التحقق مما إذا كانت بعض المنتجات الغذائية خالية من المواد المعدلة وراثيا أم لا، وذلك بعد ظهور تقارير اتُهمت فيها بعض الشركات بتضمين مواد معدلة وراثيا في بعض المنتجات الغذائية المفترض أنها خالية من المواد المعدلة وراثيا بموجب ما تحمله من ملصقات تفيد ذلك.

و أفاد مصدر من هيئة معايير الغذاء البريطانية أن الهيئة تعكف حاليا على القيام بعدد من الاختبارات التي تهدف إلى فحص عدد كبير من الأغذية المنتشرة بين المستهلكين لمعرفة مدى تطابقها مع المواصفات ومقدار ما تتعرض له من احتيال وغش.

وتستعد الهيئة في الفترة المقبلة إلى الإعلان عن نتائج خمس دراسات مسحية جديدة عن الغش الذي تتعرض له الفواكه والأسماك واللحوم في السوق البريطانية. الخطة التالية بحسب المصدر ذاته هو أن يتم التنسيق بين البيانات التي يتم جمعها وتسخيرها من أجل تتبع عملية الإنتاج من المزرعة حتى وصولها إلى أيدي المستهلك. والهدف في النهاية هو جمع هذه البيانات داخل نظام إلكتروني يمكن من خلاله تتبع عملية إنتاج المنتج الغذائي من لحظة زارعته في الحقل حتى وصوله إلى مائدة المستهلك.

يقول العالم وولف إن «أكبر تحد يواجه الباحثين في هذا الصدد هو الأغذية التي تباع تحت تصنيف أخلاقي مثل الأغذية العضوية وتلك التي تباع تحت ذريعة «التجارة العادلة» و«حماية الريف», وغيرها من الإدعاءات التي يمكن أن توصف بأنها حق يُراد به باطل.

فمثل تلك المنتجات تباع بسعر باهظ ولكن في الوقت ذاته لا يوجد هناك أسلوب علمي يمكن من خلاله التحقق من مصداقيتها. غير أن المشكلة الأكبر تتمثل في رأي الخبراء في أنه بمجرد أن يجري التوصل إلى تقنية لرصد الغش فإن المحتالين يتوصلون إلى تقنية مضادة. فالأمر غدا بمثابة لعبة القط والفأر بين الطرفين.

إعداد: حاتم حسين