نختتم بهذه الحلقة استعراض رؤى شلومو بن عامي لمجريات الصراع العربي الإسرائيلي وبخاصة استعراضه لقمة كامب ديفيد . ويعكس الجزء الذي يتناول فيه المؤلف هذا الجانب سياقا مختلفا إلى حد كبير عن سياق الكتاب ككل رغم التقارب مع بعض الجوانب الأخرى فيه.

حيث يقدم المؤلف من خلال استعراضه للقمة وجهات نظر ورؤى تكاد تقترب من مواقف اليمين الإسرائيلي، رغم انتماء المؤلف إلى حزب العمل ذي التوجهات الحمائمية على حد توصيف البعض، وهو ما يكشف التحول الذي انتاب مواقف المؤلف إثر انتقاله من حقل التدريس الجامعي إلى حقل السياسة.

ويستمر هنا المؤلف في دفاعه عن موقف باراك في مفاوضات كامب ديفيد وهو بذلك إنما يدافع عن موقفه هو نفسه لأنه كان عضواً فاعلاً في الوفد الإسرائيلي المفاوض ولكن البارز في هذا الجزء من الكتاب هو إقرار المؤلف بمحورية القدس ومكانتها الدينية في الصراع وبأن الحل الدائم يستعصي من دون تسوية وضعها.

نلحظ في إطار سرد المؤلف لما دار في كواليس مفاوضات كامب ديفيد محاولة تبرئة ساحة باراك من تهمة فشل المفاوضات، وهو أمر قد يبدو منطقيا في ضوء أن شلومو بن عامي نفسه كان أحد أفراد فريق التفاوض أي أنه يبرئ نفسه قبل أن يبرئ باراك، حيث يشير إلى أنه حين وصلت الأمور إلى لحظة حاسمة بدا معها أنه من المستحيل التوصل إلى اتفاق بشأن القضايا الأساسية، فإن الأميركيين والإسرائيليين عملوا على التوصل إلى حلول مرحلية الامر الذي صادف رفضا فلسطينيا.

وواضح هنا أن شلومو بن عامي يريد أن يخلص إلى أن اللوم لا يقع على الطرف الإسرائيلي فحسب وإنما على الفلسطيني أيضا. لقد كان باراك رغم انتقادات اليمين واليسار داخل إسرائيل له ولمواقفه يعمل على التوصل إلى تسوية. وعن مبررات هذه الرؤية لدى باراك .

يشير إلى أنه كان يرى بناء على تقديرات أجهزة الأمن أن الفلسطينيين يشبهون البركان الذي يمكن أن ينفجر مع انهيار العملية السلمية، ولهذا فقد اعتاد على تحذير وزرائه من أن إسرائيل مثل السفينة تيتانيك على وشك أن تصطدم بجبل الجليد وأنها بحاجة ماسة إلى تغيير طريقها الأمر الذي يمكن أن يتحقق من خلال إنهاء النزاع مع الفلسطينيين قبل فوات الأوان.

فضلا عن ذلك فإن هناك بعدا داخليا لضرورة حل النزاع يتمثل في الاستقرار السياسي حيث أن تطورات الخلافات بشأن التسوية مع الفلسطينيين أسفرت عن تصدع سياسي داخل إسرائيل ذاتها بدأ يشق طريقه بكثافة منذ توقيع اتفاقات أوسلو، حيث سقطت عدة حكومات وتم اغتيال رئيس وزراء هو رابين.

غياب المقترحات الفلسطينية

هنا يبدو أن الفكرة المحورية التي يسعى المؤلف إلى التأكيد عليها هي إلقاء التبعة مرة أخرى على الفلسطينيين حيث يشير إلى أن عدم تقديم مقترحات فلسطينية بديلة أدى إلى إفشال كامب ديفيد2 ويعيد ذكر موقف كلينتون الذي راح يكرر على عرفات أنه لا يتوقع منه الموافقة على المقترحات الأميركية أو الإسرائيلية ولكنه يتوقع منه أن يقدم مقترحات بديلة يمكن أن يتم التوصل من خلالها إلى أفكار جديدة يتم تقديمها للوفد الإسرائيلي وبالتالي إقناعه بتقديم تنازلات وفي ذلك ينقل عن كلينتون قوله: «أريد شيئا ما لكي أقدمه لباراك»، غير أنه لم يحصل في النهاية على شيء.

لقد كان رد عرفات على مطالب كلينتون هو التساؤل: هل تريد أن تشارك في جنازتي؟ في إشارة إلى إمكانية اغتياله على شاكلة ما تم مع السادات اذا ما قدم تنازلات في المفاوضات تتعلق بالقضايا الأساسية ومنها بالطبع قضية القدس وعودة اللاجئين. وفي ذلك يشير إلى أن أعضاء الوفد الفلسطيني كثيرا ما أكدوا لنظرائهم من الإسرائيليين على أن قضية القدس إنما تعد في يد عرفات وحده، والتي ليس لهم أي نوع من المشاركة في إمكانية حسمها.

إن التفسير الذي يقدمه شلومو بن عامي أن عرفات لم يكن يتصرف على نحو سياسي، فالقدس إنما تعد قضية محورية بالنسبة للفلسطينيين وتعبر عن هويتهم، إنها المدينة الأكثر قداسة ليس فقط بالنسبة للفلسطينيين بل للمسلمين كذلك، وعلى ذلك فإنه إزاء صعود الغرب والصهيونية الكفار في نظر الكثير من المسلمين وفقدان القدس فإن فكرة البطل المخلص صلاح الدين تعد ماثلة في ذهن عرفات، ما يعني بالنسبة للمؤلف وجود أصل ديني للنزاع.

وهو ما يؤكده الطريقة التي تصرف بها مفتي القدس عام 1930 إزاء ما رآه آنذاك من أن الطبقات الدنيا الفلسطينية لن تستطيع التوافق مع القومية العلمانية فكان تحويله القدس والحرم الشريف إلى رموز للقضية الفلسطينية، فيما رأى أنه يحمي الشخصية المسلمة في القدس من شرور الصهيونية ومواجهة محاولاتهم هدم المسجد الأقصى وإعادة بناء الهيكل على أنقاضه، الأمر الذي أصبح مجالا لتعبئة الجماهير المسلمة في فلسطين.

وهنا يواصل المؤلف رواية الأمر من زاوية رؤيته الخاصة، مشيرا في معرض التأكيد على ما يذهب إليه بما حدث في اضطرابات 1929 والتي اندلعت بشكل أساسي على خلفية النزاع بشأن هذه القضية.

الجدل الديني والسياسي

تأكيداً على محورية القدس في النزاع، الأمر الذي من المفترض أن يعزز مبررات عرفات في عدم تقديم أي تنازل بشأنها، يذكر المؤلف أن حرب 1967 عززت دور القدس بالنسبة للهوية العربية والفلسطينية، وهو موقف من الواضح أن شلومو بن عامي لا يرتاح إليه فينتقده وإن كان بشكل غير مباشر من خلال الاستعانة بما كتبه المفكر العربي السوري صادق جلال العظم في نقد الذات عقب هزيمة 1967.

والذي ينتقد تحويل مرجعية الصراع من سياسية إلى دينية، ورغم أننا قد نجد اتساقا في موقف العظم انطلاقا من الرؤى العلمانية التي تحكم إطاره الفكري، إلا أنه على الجانب المقابل فإن جانبا كبيرا مما يحرك الموقف الإسرائيلي ليس الشعبي فقط بل والرسمي كذلك إنما يقوم على خلفية دينية، ما يعني أن البعد الديني بغض النظر عن مدى توظيفه من عدمه من قبل أطراف الصراع، إنما يعد بعدا أصيلا لا يمكن تجاهله أو إغفاله.

وفي إطار استعراضه لتطورات الموقف بشأن دور القدس في انهيار مفاوضات كامب ديفيد والحرص على التمسك بالبعد الديني للقضية يشير المؤلف إلى أن الاندفاع نحو الماضي يعد سمة مميزة في الخطاب السياسي العربي، متطرقا إلى ما يذكره إدوارد سعيد من أن ذلك إنما قد يكون نوعا من الهرب من مواجهة صعوبات الحاضر وتحديات المستقبل.

وعلى ذلك يشير إلى أنه أتيح له شخصيا أن يحذر عرفات ذات مرة في لقاء جمعه معه في مقره بكامب ديفيد لقد راح يذكر له، في حضور كامل فريقه التفاوضي، أن علاقاته مع الولايات المتحدة جيدة، غير أنها غير عميقة، لقد كان الأميركيون منذ أوسلو يعلقون آمالا على عرفات بأن يكون الزعيم الفلسطيني الذي يساهم في التوصل إلى تسوية تنهي النزاع الفلسطيني غير أنه خلال كامب ديفيد بدأت الشكوك تراود الأميركيين، حسب رواية المؤلف، في أن يكون عرفات هو هذا الزعيم. وهذا الانقسام بين القيادة الفلسطينية والولايات المتحدة يمكن أن يكون له أثار سلبية عديدة على عملية السلام في المستقبل.

لقد كانت المقترحات الأميركية التي قدمها كلينتون خلال اجتماعاته بفرق التفاوض خلال القمة تقوم على دولة فلسطينية على كامل أراضي غزة ونحو 91% من أراضي الضفة مع مبادلة على نحو 1% من الأرض، إلى جانب توفير ممر آمن بين الضفة وغزة .

وتقسيم القدس رغم أنه تقسيم لم يكن واضحا تماما إنما كان يضم على الرغم من ذلك تقسيم المدينة القديمة إلى قسمين متساويين وكذلك الإقرار بالسيادة الفلسطينية على الحرم الشريف، وفي ذات الوقت تجاوز حق العودة للاجئين الفلسطينيين ولكن مع التأكيد على بذل جهود مكثفة من أجل تعويضهم ماليا وكذا تسهيل إعادة استقرارهم في إطار الدولة الفلسطينية.

إن ذلك ربما يعد وفقا للمؤلف أكثر مما توقعه الفلسطينيون من خلال أي اتفاق، غير أنهم راحوا يصفون العرض بأنه يقدم لهم دولة من البانتوستانات متسائلا كيف يمكن القول أن دولة على كامل أراضي غزة ونحو 92% من أراضي الضفة مع ممر آمن يربط بين الإقليمين أنها دولة بانتوستانات؟

ومرة أخرى نجد المؤلف يتخلى عن أدنى قواعد الموضوعية حيث يوحي سياق حديثه وكأن ما تم تقديمه للفلسطينيين لا يتعلق بحقوق لهم وإنما هبة من الجانب الإسرائيلي. فضلا عن ذلك فمن الملاحظ تعميم المؤلف حديثه عن طبيعة الموقف الفلسطيني بما يجعل عليه من السهل تمرير تهمة التشدد به وبالتالي تقبل فكرة أن الفلسطينيين هم السبب في فشل المفاوضات.

وتكشف قراءة في مصادر أخرى ليست بالضرورة عربية حتى لا تكون متحيزة عن طبيعة المواقف الفلسطينية المرنة التي تم طرحها خلال المفاوضات باستثناء القضايا الجوهرية التي كان التنازل بشأنها يعني تفريغ الحل من مضمونه، وهي بشكل خاص تتركز في قضية القدس وعودة اللاجئين.

شهادة كلينتون

يشير كلينتون نفسه في مذكراته إلى أن عرفات كان يريد الحصول على أكبر نسبة ممكنة من الضفة الغربية وغزة، النسبة الأقرب إلى كامل الأرض والسيادة الكاملة على القدس الشرقية والمسجد الأقصى فيما عدا الأحياء اليهودية هناك، وحلا لمشكلة اللاجئين لا يتطلب التخلي عن مبدأ حق العودة.

وعلى عكس الصورة التي يقدمها شلومو بشان موقف عرفات، فإن كلينتون والمفترض أنه أكثر حيادا من شلومو بشأن تناول ما جرى في كامب ديفيد ومن مجمل الصراع العربي الإسرائيلي ككل، يشير إلى حقيقة شعور عرفات بالظلم، وهو شعور ينم عن المسار الذي كانت تتخذه المفاوضات وشعور عرفات بوطأة الضغوط التي تمارس عليه لجهة تقديم تنازلات.

ويقدم ذلك إضاءة هامة على طبيعة موقف عرفات التي يجب أن تحظى بالتقدير بغض النظر عن الاختلاف معه بشأن الكثير من القضايا ونهجه التفاوضي.. لقد كانت القدس وقضية اللاجئين الخط الأحمر الذي وضعه لنفسه لعدم تجاوزه، وهو ما يشير إليه ما ذكره كلينتون نفسه من أن الرئيس الفلسطيني ولدى محاولة إقناعه بتقديم تنازلات كانت رسالته الأخيرة أنه إذا تم إرضائه في مسألة القدس فإن بإمكانه أن يقول الكلمة الأخيرة المتعلقة بكم الأرض التي يستطيع الإسرائيليون الاحتفاظ بها للمستوطنات.

ولعله مما يشير إلى عدم تجاوز عرفات لهذه الخطوط الحمراء ما أشار إليه رؤساء وملوك عرب حاول كلينتون الاستعانة بهم من أجل إقناع عرفات بقدر من المرونة من أنه كان خائفا من الإقدام على ذلك.. الأمر الذي كان يطيح في حقيقة الأمر بتاريخه النضالي حال إقدامه على هذه الخطوة.

من كامب ديفيد وما جرى خلالها من مفاوضات كانت صعبة على جميع الأطراف، وبعد أن استعرض بتقييمه الخاص مختلف مراحل محاولات التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي يحاول شلومو بن عامي تقديم ما يمكن اعتباره جردة حساب لموقف إسرائيل من التطورات التي واجهتها في إطار صراعها مع الدول العربية منذ لحظة قيامها، وهنا نلحظ غياب جانب من الموضوعية الذي حاول المؤلف أن يسم به كتابه وافتقده بشكل رئيسي خلال تناوله لقمة كامب ديفيد.

من الجوانب التي يذكرها المؤلف في هذا الصدد أن إسرائيل ولدت في حالة حرب، وأنها لا تعيش إلا على السيف منذ تلك اللحظة. لقد ألقى ذلك بتأثيراته على طبيعة الدولة اليهودية لجهة تعزيز نفوذ العسكريين، بالطبع بشكل مختلف عما هو عليه الوضع في عدد من دول العالم الثالث، لجهة سيطرة العسكريين على مقدرات الحكم وإنما لجهة سيطرتهم على مقدرات السياسة الخارجية.

والملمح الأساسي لهذا التأثير هو معارضة العسكريين للاختراقات السياسية في تاريخ إسرائيل، ومن ذلك ما يذكره المؤلف مثلا من أن الجنرال موتا جير أساء قراءة مبادرة السادات السلامية وكان رافضا لها، وأن خلفه فيما بعد الجنرال شاؤول موفاز عارض بقوة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.

وكذلك مبادرة كلينتون وأخيرا عارض الجيش الترتيبات المتعلقة بالانسحاب من غزة، الأمر الذي تم فرضه عليه عمليا من خلال رئيس الوزراء. وإزاء هذه الطبيعة التي تتسم بزيادة تأثير العسكريين فإن الإنجازات الدبلوماسية اليهودية غير العادية في السنوات الأولى من قيام إسرائيل تم تهميشها في الذاكرة الجماعية.

لقد احتل الأمن في فترة بن غوريون مرتبة تصل إلى حد القداسة كما أن مفهوم الحرب الوقائية احتل مرتبة متقدمة، ولعدة سنوات فإن السلام مع العالم العربي والخروج من حالة العداء معه لم يكن ينظر إليه على أنه خيار قابل للتطبيق. وعلى ذلك وفي إطار محاولة كسر الحصار العربي للدولة الإسرائيلية كان التفكير بتحقيق ذلك يتم من خلال محاولة تجاوز مركزية القضية الفلسطينية بالانخراط في علاقات ثنائية مع الدول العربية.

وفي ذلك يشير المؤلف إلى محاولات إسرائيل خلال الخمسينات الانضمام إلى تحالفات إقليمية ومنها التحالف الثلاثي التي تم في مواجهة مصر مع بريطانيا وفرنسا. كما اتخذت هذه التحركات فيما بعد شكل الالتحاق بحروب دولية مثل الحرب على الشيوعية خلال فترة حكم ريغان وكذلك الحرب على الإرهاب خلال حكم بوش الابن. غير أن ذلك النهج في النهاية، وفق ما يراه شلومو بن عامي، إنما يعد هروبا من الأزمة ولن يسهم في الخروج منها.

اختراقات الصقور

يتطرق المؤلف إلى جانب أو ملمح آخر من ملامح الصراع العربي الإسرائيلي ومحاولات تسويته فيشير إلى أنه من الملاحظ في تاريخ الاختراقات بشأن الصراع أنها جاءت نتيجة تغيير في توجهات الصقور، وليس جراء توجهات الزعماء الذين أبدوا اعتدالا.

وقد كانت تلك حالة مناحيم بيغن وموشيه ديان في 1978 مع مصر، وكذلك حالة إسحاق رابين في 1993. وفي إطار تناوله تطورات الصراع العربي الإسرائيلي يشير إلى أن الانتصارات الإسرائيلية على الجيوش العربية لن تؤدي بأي حال إلى السلام، وهو ما يشير إليه حالة حرب 1948 وكذلك تطورات ما بعد حرب 1967، على العكس فإن حرب 1973 .

وكذلك الانتفاضة خلال الثمانينات وحرب الخليج كان لها تأثيرات على إسرائيل لجهة تعزيز فرص السلام أكثر من الانتصارات الإسرائيلية، وعلى ذلك فإنه رغم الهزيمة والقمع الوحشي في الانتفاضة الثانية فإن الفلسطينيين يمكن لهم بحق أن يزعموا أنهم فرضوا مراجعات قاسية على أعدائهم الإسرائيليين.

وفي هذا الإطار يفسر الانسحاب الأحادي من غزة وكذا بناء الجدار الأمني في الضفة الذي يوازي وفقا له الاعتراف بفشل مشروع إسرائيل الكبرى. يعد ذلك انعكاسا أو مظهرا آخر من مظاهر التأثيرات التي تشير إلى أن إسرائيل أجبرت على تقديم تنازلات من أجل السلام فقط تحت ضغط التراجع.

إن سلام الشجعان، وفق المؤلف، والذي جرى الحديث عنه بين رابين وعرفات في عام 1993 قد تراجع الآن إلى مستوى الترتيبات الأحادية وهذا ليس سلام شجعان وإنما هو سلام الإجهاد وفي النهاية لقد استغرق الأمر سنوات عديدة وطوال من أجل إدراك كل من العرب وإسرائيل صعوبة ومحدودية فرض كل طرف إرادته على الآخر.

فأحلام إسرائيل يبدو أنها وضعت على الرف إثر إجبارها من خلال ضغوط دولية على الانسحاب من سيناء 1957 إثر العدوان الثلاثي، غير أن الانتصار الذي حققته في 1967 فتح الطريق مجددا أمامها لاستعادة تلك الأحلام ثم جاءت مبادرة السادات للسلام والتي أجبرت إسرائيل على مواجهة الاختيار بين الأرض أو السلام. واليوم فإنه بعد نحو 32 سنة ما زال النقاش متواصلا غير أن المشكلة أنه ما زالت هناك مجموعة قليلة مقتنعة بأنه يمكن لإسرائيل تحقيق السلام مع الفلسطينيين والاحتفاظ بالأرض.

نظرية الكبسولة

إن مشكلة إسرائيل وفقا للمؤلف أنها لم تقبل الطرح العربي بأن المشكلة الفلسطينية إنما تعد جوهر النزاع العربي معها، وحاولت على مدى سنوات تجاهل مركزية القضية. ولكن عندما أصبحت تمثل تحديا على مستوى لا يستطيع زعيم إسرائيلي تجاهله، فقد تم اللجوء إلى نظرية الكبسولة والتي تقوم بشكل أساسي على التوصل إلى اتفاقات مع الدول العربية المحيطة على أساس تهميش القضية الفلسطينية.

والحيلولة دون أن تؤدي إلى اندلاع حرب عربية إسرائيلية جديدة أو أن تؤدي إلى توتر إقليمي في المنطقة. ويشير المؤلف إلى انه من منطلق هذا الفهم تصرف مناحيم بيغن في كامب ديفيد باعتبار انه باتفاقه مع مصر يؤمن سيطرة إسرائيل على الضفة (ما يسميه المؤلف بيهودا والسامرة) غير أن المشكلة الفلسطينية التي اختفت عمليا عن المشهد فيما بعد حرب 48 .

وبدأت تعاود الظهور فيما بعد حرب 67 إنما تمثلت في ظهور حركة سياسية قوية على الصعيد الفلسطيني، لم تتردد في اللجوء إلى تكتيكات الإرهاب - التعبير الإسرائيلي عن المقاومة - لا يمكن ببساطة تجاهله، وعلى ذلك فإن نجاح عرفات إنما يتمثل في الإبقاء على مركزية المشكلة الفلسطينية في سياسات المنطقة رغم الانفصال المصري من خلال السلام مع إسرائيل.

ولذلك فقد فشلت محاولة مناحم بيجين للقضاء على التحدي الفلسطيني من خلال حربه على لبنان، غير أن المؤلف يشير إلى أن فشل بيجين إنما كتب في النصوص التي وقعها في كامب ديفيد، فهو الذي اشترك في التوقيع على المواد التي تعترف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني غير أنه فيما بعد حاول التملص من الالتزام بهذه النصوص وإفراغها من مضمونها من خلال إغراق الضفة الغربية بالمستوطنات.

من جهة ثانية يشير المؤلف إلى أن العديد من الاختراقات التي تم تحقيقها إنما تمت بفعل مواقف عربية وهو ما يتمثل بشكل أساسي في تطورات ما بعد حرب أكتوبر والتي قادها السادات في محاولة لكسر الجمود الذي شاب عملية السلام، وكذلك الأمر بالنسبة للانتفاضة التي أجبرت إسرائيل على التخلي عن الكثير من مفاهيمها السياسية التقليدية.

مستقبل التسوية

وفي سياق محاولة تقديم رؤية مستقبلية بشأن مستقبل الصراع يتساءل المؤلف بشأن ما إذا كانت الأوضاع في المنطقة على وقع الحرب على العراق وحرب الرئيس بوش على الإرهاب تفتح ما يسميه نافذة جديدة لسلام عربي إسرائيلي؟ ويشير هنا إلى أنه على غرار ما جرى بالنسبة لمؤتمر مدريد للسلام عام 1991، فإنه يبدو أن فرص السلام في الشرق الأوسط تعتمد على مدى توافق الظروف الدولية والإقليمية التي تدفع بها إلى الأمام.

وعلى ذلك يتوقع المؤلف أنه مع إعادة انتخاب بوش لفترة ثانية فإن فرص السلام قد تزايدت، غير أنه مما يقوض ذلك الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة في العراق. من ناحية أخرى فإن استقرار الأنظمة العربية وخشيتها من تنامي الأصولية الإسلامية.

وكذلك خشيتهم من أن يكون لاستمرار عدم حل القضية الفلسطينية تأثيرات تهز من عدم استقرار هذه النظم قد يساعد على توفير ظروف أفضل نحو حل المشكلة. وفي ذلك يشير إلى تبني الجامعة العربية المبادرة السعودية للسلام عام 2002 والتي يرى أنها جاءت كرد فعل عربي على الحرب الأميركية على الإرهاب، بمعنى أنها محاولة للتلاقي عربيا مع المطالب الأميركية.

وإذا كان الكتاب يتوقف عند التطورات الأخيرة التي يشهدها الصراع فإن النقطة الأساسية التي ينبغي التأكيد عليها هي صحة ما يذهب اليه المؤلف وينبغي على كافة الأطراف إسرائيليا وعربيا التعاطي على أساسه وهو مركزية القضية الفلسطينية بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي، وأن أي محاولات لتجاهل حله وبشكل عادل قد يؤدي بالمنطقة إلى الدوران في حلقة الفرص الضائعة لمدة نصف قرن آخر.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق