في إطار متابعتها لباب «اسأل الخبير»، طرحت صحيفة «فاينانشيال تايمز» أخيراً عدداً من الأسئلة من خلال قرائها على زبيجنيو بريجينسكي، مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، وذلك عقب صدور تقرير لجنة هاميلتون ـ بيكر حول العراق. وفي معرض رده على الأسئلة أكد السياسي المخضرم أن أميركا بحاجة إلى تغيير إستراتيجي واسع في سياستها،
مضيفا أنه يتعين على واشنطن قبول حقيقة أن أي قيادة حقيقية في العراق يجب أن تقوم على وجود تحالف من رجال الدين الشيعة الذين يضمنون ولاء الميليشيات الشيعية وبين الأكراد أصحاب الحكم الذاتي في الشمال، وأنه كلما أسرعت أميركا بالخروج من العراق، زادت قدرة القادة العراقيين على إشراك جيران العراق في عملية تحقيق الاستقرار فيه. وفيما يلي بعض الأسئلة التي طرحت على بريجينسكي وإجاباته عليها:
ـ هل تعتقد أن الولايات المتحدة اليوم تدفع ثمن سياسة خاطئة تمثلت في محاولة عزل سوريا في الماضي، وهي السياسة التي بدأتها واشنطن عندما كنت أنت تشغل منصب مستشار الأمن القومي للرئيس كارتر وكانت سوريا أول من عارض السياسات الأميركية في الشرق الأوسط والتي كانت تتمثل وقتها في اتفاقيات كامب ديفيد؟ ألم يكن الدخول في اتفاقية سلام مع مصر على حساب سوريا خطأ تدفع أميركا ثمنه اليوم؟
ـ الرئيس الأميركي كارتر التقى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد. وفي الوقت الذي كان فيه الرئيس المصري الراحل أنور السادات مستعدا للتفاوض بشكل جدي مع إسرائيل، لم يكن لدى الرئيس الأسد الاستعداد ذاته. أكان ينبغي وقتها أن يرفض الرئيس كارتر العمل على إحلال سلام بين مصر وإسرائيل؟
ـ إذا كانت إدارة بوش جادة في انسحابها من العراق، لماذا لا تناقش قضية التخلي عن وجود قواعد دائمة لها وكذلك القضية الرئيسية المتمثلة في هوية الطرف الذي سيسيطر على الموارد النفطية؟
ـ لا أعتقد أن إدارة بوش جادة بشأن الانسحاب من العراق وإنما هي تتخبط حول أهدافها على المدى البعيد. الهدف الحالي الخاص بتحقيق «نجاح» أصبح مفهوما غامضا وفي أغلب الظن يعكس درجة كبيرة من الاضطراب في تفكير الرئيس الأميركي الحالي.
ـ ما هي السياسة العملية التي يجب أن تتبناها أميركا تجاه إسرائيل؟
ـ أهم خطوة يمكن أن تقوم بها أميركا حيال الجمود الموجود على المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي هي التعاون مع الاتحاد الأوروبي والوصول إلى سياسة مشتركة حيال الأمر.
المعايير الرئيسية التي يجب أن تستند عليها أي تسوية عادلة للوضع على المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي يجب أن تتضمن الآتي:
ـ لا حق بعودة اللاجئين
ـ اقتسام القدس بين الفلسطينيين والإسرائيليين
ـ الاحتكام إلى حدود 1967 مع وجود قبول مشترك لبعض التعديلات من أجل السماح بتضمين المستوطنات المتاخمة والمكتظة بالمنشآت المدنية داخل الحدود الإسرائيلية مقابل بعض التعويضات في الأرض للفلسطينيين.
ـ وجود عسكري من قبل قوات الناتو في دولة فلسطينية منزوعة السلاح.
ويجب على كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن يوضحا بشكل كامل أن أي رفض من قبل أي جانب لهذه الشروط باعتبارها أساسا لتسوية مشتركة سيكون له عواقب اقتصادية سلبية.
ـ ألا تعتقد أننا بحاجة إلى إرسال مزيد من القوات لإحلال الاستقرار في العراق قبل أن نغادر خلال العامين أو الأعوام الثلاثة المقبلة؟
-إذا كنت تعتقد «أننا بحاجة إلى إرسال مزيد من القوات من أجل إحلال الاستقرار في العراق», فإننا في الحقيقة نحتاج إلى 200 ألف جندي وليس 20 ألف جندي فقط. السؤال هو: من الذي لديه استعداد للذهاب إلى هناك؟ أي عدد أقل من ذلك لن يكفي.
ـ السياسة الأميركية حيال إيران جعلت الأوروبيين يسيرون وحدهم في اتجاه عقد حوار بناء مع الإيرانيين. بصرف النظر عن نتيجة هذا الحوار في المستقبل، ما هي إمكانية نجاح وجود مسارين يلتقيان معا لعلاج واحدة من أخطر قضايا السياسة الخارجية؟
ـ أعتقد أن أفضل معالجة للأمر تتمثل في أن يتبنى كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مسارا تفاوضيا واحدا. غير أن المفاوضات لا يمكن أن تتم عندما يكون هناك طرف يملي شروطا مسبقة حتى قبل بدء التفاوض، فمثل هذا الأمر يتناقض مع جوهر المفاوضات.
ـ ما رأيك في كتاب كارتر الأخير : «فلسطين ـ سلام لا فصل عنصريا»؟ هل ترى أنه يرسم بدقة الموقف في الأراضي الفلسطينية؟ وهل توافقه الرأي في أن منظمة إيباك تعوق أي نقاش علني حر وعادل حول القضايا في أميركا؟
ـ أرى أن الرئيس كارتر محق في تخوفه من أن غياب تسوية مقبولة وعادلة للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني سينتج عنه وضع يشبه بحكم المعطيات على الأرض ما كان يجري في جنوب أفريقيا إبان فترة الفصل العنصري، وهو ما يتمثل في وجود مجتمعين يعيش كل منهما بجانب الآخر ولكنهما منفصلان كلية، إذ يتمتع أحدهما بالرفاهية ويستولي على أراضي الطرف الآخر وهذا الآخر يعيش في بؤس وفقر.
هذه هي النتيجة التي ينبغي تجنبها وأنا أرى كتابه باعتباره مناشدة قوية للتسوية والتواصل بين الطرفين، وهي التسوية التي يجب أن تتم عن طريق مشاركة فعالة ونشطة وأخلاقية من الخارج لاسيما من جانب أميركا. أما ردود الأفعال التي هاجمت كارتر ومنها ما جاء في إعلانات الصحف فإنني لا أراها سوى محاولة للترهيب والنيل من أي نقاش علني مفتوح.
الناس في أميركا الذين ينتقدون سياسة فرنسا الخارجية وسياسة الهند الخارجية ناهيك عن انتقاد الدول العربية لا ينبغي أن يخضعوا لمثل هذا الهجوم من جانب واحد ومحاولات الترهيب التي تتم ضد أصحاب الآراء الحرة.
ـ هل يمكن لوجود عسكري أميركي في المنطقة الكردية ذات الحكم الذاتي في شمال العراق، وهي المنطقة الأكثر أمانا في العراق، أن يمثل جانبا من الحل العسكري الأميركي في العراق؟ وهل ترى أن القوى الإقليمية في المنطقة مثل تركيا وإيران يمكن أن تقبل بمثل هذا الأمر؟
ـ إذا كانت أميركا تريد ترك بعض القوات في شمال العراق، فإنها ستقوم بذلك لعدة أهداف منها منع الانفصاليين الأكراد من شن هجمات على تركيا.
ـ في حال قامت أميركا وبريطانيا وكذلك إسرائيل بشن حرب ضد إيران كخطوة تالية في الحرب على الإرهاب، ما هو الرد الإستراتيجي المتوقع من روسيا والصين أو من كليهما معا؟ وكيف يمكن لمثل هذه الحرب أن تؤثر على التسوية الحالية الخاصة بتحديد قيمة وتداول النفط بالدولار عالميا؟
ـ سيكون الأمر بمثابة كارثة على كل من إسرائيل وأميركا في حال تورطهما في حرب ضد إيران. فأي طرف على علم بالديناميكية الجيوسياسية لمنطقة الخليج العربي يدرك أن مثل هذه الحرب سيكون لها عواقب اقتصادية وسياسية مدمرة على الاقتصاد العالمي وعلى النظام الدولي.
كما أن مثل هذه الحرب من شأنها أن تعزل أميركا وتخلق ظروفا ستتلاشى معها الهيمنة الأميركية على العالم بشكل سريع للغاية، الأمر الذي بدوره سيكون له أثر قاتل على إسرائيل نفسها.
ـ كيف ينبغي أن تعامل أميركا نظام الرئيس السوري بشار الأسد، باعتبار ما يجري في لبنان والعراق؟
ـ الموقف في لبنان والعراق غير مستقر بإجماع الآراء. ولكن سيكون نوع من التبسيط الذي يقوم على الاستخفاف أن نقول إن سوريا هي السبب وراء حالة عدم الاستقرار هناك. الحقيقة تتمثل في أن هناك أسبابا داخلية قوية في كل من لبنان والعراق تقف وراء حالة عدم الاستقرار في الدولتين.
حالة عدم الاستقرار هذه لا يمكن أن تُعالج بسياسة أميركية ترفض التفكير في إمكانية التوصل إلى اتفاق إقليمي يعتمد على مفاوضات موسعة وربما مطولة. والبديل الوحيد لهذه المفاوضات هو صراع إقليمي واسع لا يمكن أي يكون في مصلحة أميركا بأية حال من الأحوال.
ترجمة: حاتم حسين
عن «فايننشيال تايمز»