منذ حوالي عقد خلا وناقوس الخطر يدق في سائر البلدان المتطورة محذراً من أن البدانة تخلت عن كونها عامل خطر يتسبب بأمراض أخرى، مثل أمراض القلب، لتتحول إلى وباء حقيقي قائم بحد ذاته في القرن الحادي والعشرين. ولهذا السبب بالذات تقوم السلطات الصحية بتطوير استراتيجيات معينة للتخفيف من وطأة هذا الوباء العالمي مثل ضبط الصناعة الغذائية ومطاعم الوجبات السريعة. لكن أي إجراء من هذا القبيل لن يكون مجديا إن لم يغير الناس عاداتهم وهنا يكمن التحدي الحقيقي.

إن وضع حد للبدانة أو الحد منها أصبح أولوية الأنظمة الصحية في البلدان المتطورة وقريبا جدا ستكون كذلك بالنسبة للأمم الأخرى الأقل تطورا على الصعيد الاقتصادي.

قبل 30 عاما، أطلق في اجتماع لأهم المتخصصين في أمراض القلب في العالم، تنظمه سنويا الجمعية الأميركية للقلب، تحذيراً يحمل بين طياته الكثير من القلق. فعلى الرغم من جميع الجهود المبذولة ضد مرض انسداد شرايين القلبية( الذي يعد الأكثر انتشارا والذي يتسبب بأعلى نسبة وفيات في العالم)، إلا أنه لا يزال ينتشر بقوة . الأمر الذي يعود في المقام الأول إلى الفشل المدوي الذي كان قد سجل على صعيد الوقاية الأولية من البدانة، التي انتقلت من كونها مرضا ضمن مجموعة العناصر الخطرة ساعة التعرض لاختلالات معينة لتتحول إلى وباء له هوية خاصة به.

الرسالة كانت حاسمة ومدوية: لن تنفع أكثر العلاجات الدوائية والتقنية حذلقة بشيء إذا لم يصار إلى وضع حد للوزن الزائد. لا بل إن الأمر أخطر من ذلك، ففي حال تم الإبقاء على الاتجاه القائم حتى الآن فيما يتعلق بظاهرة تجاوز الوزن الملائم،فإن الأنظمة الصحية لن تتمكن من تتحمل النفقات المترتبة ليس فقط على معالجة مشكلة الإفراط في الوزن بذاتها، وإنما أيضا تلك الناجمة عن أمراض مرتبطة بها، مثل مرض السكري نوع 2 وفرط التوتر والتهابات المفاصل والأمراض القلبية واضطرابات الكبد والكليتين . وللحيلولة دون هذا الهبوط المرتقب راحت السلطات في معظم البلدان المتأثرة بهذا المرض تبذل قصارى جهدها للبحث عن مخرج.

منذ بضعة أسابيع فقط، أقر مجلس الصحة في مدينة نيويورك الأميركية بالإجماع معيارا يحظر من خلاله بشكل مطلق على مطاعم المدينة استخدام الزيوت أو المنتجات التي تحتوي على أي نوع من أنواع الدهون المشبعة والتي تسمى «ترانس» وهي مضرة جدا بالصحة القلبية. كما ستكون المطاعم مجبرة، التزاما بالمعيار المذكور، على وضع لوحات إرشادات واضحة تماما في أمكنة يمكن للجميع رؤيتها تبين كمية السعرات الحرارية التي تحتوي عليها الأطباق. لكن غالبية المسؤولين عن الأعمال المشمولة أبدوا احتجاجهم على الوقت الضئيل الذي منح لهم للتكيف مع هذا القانون (قبل يوليو المقبل يجب أن تكون الدهون قد اختفت من مطاعم نيويورك)، بيد أن الخبراء لم يصفقوا لهذا القرار، الذي سيشمل قريبا مدنا أميركية أخرى مثل شيكاغو، والذي يطبق بالفعل في بعض البلدان الأوروبية مثل الدنمارك، فحسب ، بل إنهم يطالبون بإجراءات أكثر صرامة في ميدان الصناعة الغذائية وتحديدا فيما يتعلق بتركيبة منتجاتها وإلصاق البطاقات المناسبة عليها.

ولم تكن أقل إشكالية تلك المنازعات القضائية القائمة منذ أكثر من شهر بين وزارة الصحة والاستهلاك الاسبانية وإحدى الشركات، التي تعد من أكبر سلاسل مطاعم الوجبات السريعة في العالم، أما موضوع الخلاف فهو شطيرة ضخمة من اللحم أحيطت بدعاية صاخبة وتحتوي على 971 سعره حرارية أو ما يعادل 50% من الطاقة اليومية التي يحتاجها مراهق مفعم بالنشاط. ولم تتوقف شركات الوجبات السريعة لحظة واحدة عن الدفاع عن ما تعتبره حق المستهلكين بأن يختاروا ما يأكلونه بحرية، لكن المؤكد هو أن هذه الشركات الكبرى قد تعهدت بعدم التشجيع على استهلاك الوجبات العملاقة، ولا سيما بين الفتيان والأطفال، التي تتسبب ، بصورة مأساوية، بزيادة الوزن والبدانة. وفي واقع الأمر، فإن السلطات الصحية في العالم أجمع قلقة للغاية حيال وزن أجيالها الفتية.

وإذا ما أخذنا بلدا مثل اسبانيا كنموذج لهذه المعضلة الصحية التي تفتك بالناس أينما حلت، فإننا نجد أن 16% من الأطفال يعانون من البدانة ، مما يضع هذا البلد الأوروبي في المرتبة الثانية خلف المملكة المتحدة في قائمة البلدان التي تعاني من أكبر معدل للبدانة بين الأطفال، والمتخصصون يلحون بصورة خاصة على وضع حد للإفراط في الوزن منذ الطفولة، ذلك أن الأطفال البدينين في يومنا هذا سيكونون الراشدين البدينين في الغد. ولمعالجة الأمر وضعت الحكومة الاسبانية منذ أكثر من عام استراتيجية للتغذية والنشاط الجسدي والوقاية من البدانة، هدفها الأساسي هو تحسين العادات الغذائية وتشجيع الممارسة الاعتيادية للنشاط الجسدي بين جميع المواطنين في المجتمع ، على الرغم من التركيز بصورة خاصة على قطاع الأطفال. روح هذه المبادرة تكمن في النظر إلى مسألة البدانة من وجهة نظر متعددة الجوانب والعناصر وإعطائها، تاليا، حلا متعدد الوجوه أيضا تتداخل فيه سائر القطاعات المعنية، بدءا بالصناعة الصيدلانية حتى الصناعات الغذائية، مرورا بالجامعات والمدارس والسلطات والعائلات نفسها.

وبعد مرور عام على إطلاق تلك المبادرة البناءة، بات الشارع الاسباني يرى ويسمع حملات دعائية مكرسة للتشجيع على زيادة استهلاك الفواكه والخضار و اعطاء وجبة الإفطار الأهمية التي تستحقها والهرب من عادة الإكثار من الجلوس ... كما أن العلامات التجارية الرئيسية في عالم التغذية قد انخرطت متطوعة في تلك الاستراتيجية وراحت تتوخى الحذر في الإعلانات المخصصة لأغذية الأطفال والشبان من أجل تدارك الوزن الزائد والبدانة.

لكن من وجهة نظر الاختصاصيين ، فإنه لا يزال هناك شوط طويل لا بد من قطعه على هذا الصعيد ، فمن بين الموضوعات المؤجلة لتحسين هذا الأداء في المستقبل تبرز مسألة تحسين قائمة ما يقدم من طعام في المراكز التعليمية أو تخفيض سعر أكثر الأغذية صحية وتشجيع النشاط الجسدي.

ولا بد من التأكيد مرة تلو الأخرى أن مسألة الحد من البدانة وزيادة الوزن أو قطع دابرهما لا تقوم فقط على إدخال الحمية إلى غذائنا، فإذا لم تستكمل هذه المبادرات بالممارسة اليومية للتمارين الرياضية الجسدية والمكثفة بعض الشيء ولم تبذل الجهود اللازمة لتوفير بيئة ملائمة تبعد الفرد في المجتمع عن الجلوس لأوقات طويلة وتوفر له المتنزهات والصالات الرياضية ، فإن أي تعديل في الحمية سيكون غير مجدٍ. والخبراء لا يكلون ولا يملون من تكرار أن الأمر لا يتعلق بتناول كميات أقل من الطعام وإنما بالتحرك أكثر.

وبالعودة إلى قصة الدهون المشبعة ، فإن هذه المواد الدهنية لا تزال مجهولة إلى حد كبير، لكنها موجودة في منتجات كثيرة يستهلكها الفرد يوميا وتشكل قنبلة موقوتة بالنسبة لمنظومة الأوعية الدموية في القلب. وهي دهون ناجمة عن عملية صناعية تسمى ( الهدرجة) التي توظف من أجل اعطاء ديمومة أطول للأغذية ولجعلها أكثر لذة ولتثبيت طبيعة الأطعمة المقلية ولجعلها سهلة على الدهن. واستهلاك أكثر من خمسة غرامات يوميا من هذه الدهون يزيد بنسبة 25% فرص الإصابة باحتشاء عضلة القلب وينصح بأن لا تتجاوز الكمية أكثر من 2% من السعرات الحرارية التي تسهم فيها هذه الأطعمة ، لكن بحكم وجود كميات كبيرة من المنتجات التي تحتوي على هذه الدهون فإنه من السهل جدا تجاوز هذه الكمية.

في حين قامت شركات الأغذية الكبرى بتحسين أنظمة ( الهدرجة) المعتمدة لديها للحيلولة دون وجود هذه المادة وتعهدت بإعطاء ما لديها من معلومات بهذا الخصوص للشركات الصغيرة كي تحذو حذوها. لكن النواقص المتعلقة بإلصاق البطاقات المناسبة تسهل استمرار بعض الشركات في التهرب من الالتزام الكامل على هذا الصعيد.

ترجمة: باسل أبو حمدة

عن «الموندو» ـ اسبانيا