يسرد المؤلف في هذه الحلقة قصة الاجتماعات الثلاثة التي عقدت بين الأمير فيصل وحاييم وايزمان والجدل الذي دار حول الاتفاق الذي وقع بينهما في لندن واعتبر اعترافاً عربياً بكيان لليهود في فلسطين. ويوضح كذلك الخلافات الدولية بشأن طبيعة اللقب الذي ينبغي أن يمنح للشريف حسين قبل أن يتفق الجميع على تسميته «ملك الحجاز». ثم ينقلنا إلى رفض الحكومة البريطانية الإفراج عن مراسلات الحسين ـ ماكماهون خوفاً من أن تؤثر سلباً على وعد بلفور لليهود.
في يوم من أيام شهر مايو عام 1918 تلقى الشريف حسين طلبا من هنري ويلسون رئيس الأركان العامة الامبراطورية بأن يستخدم أعضاء أسرته الشيفرة البريطانية في الاتصالات بينهم حتى لا يتمكن الأتراك من الإطلاع عليها.
وبرروا ذلك بأنهم اكتشفوا أن القوات التركية في مدينة معان، جنوب شرق الأردن، حصلت على معلومات مسبقة عن التحركات العربية وحاول البريطانيون إقناع شريف مكة بسهولة الشيفرة الخاصة بهم، غير أن مؤلف الكتاب يؤكد أنهم كانوا يهدفون أيضا إلى إيجاد وسيلة للإطلاع على المراسلات الجارية بين الشريف حسين وأبنائه، ولكن الشريف راودته الشكوك في ذلك الطلب.
وفي وقت مبكر من ذلك الشهر كانت العلاقات بين الشريف وابنه فيصل قد تعرضت لما يمكن أن نعتبره دسيسة من دافيد هوغارث ـ الذي ساعد لورانس من قبل على الالتحاق بالاستخبارات البريطانية ـ فعندما كان في زيارة لمدينة جدة في شهر يناير ذلك العام أسرّ إلى الشريف حسين بأن ابنه يهدر الأموال على عائلة البكري في دمشق.
ويذكر جيمس بار في كتابه أن من المؤكد أن هوغارث نقل ذلك عن شكوك لورانس في نسيب البكري. وقد سبق أن ذكرنا أن المراجع العربية تؤكد أن نسيب البكري هو واحد من زعماء الحركة القومية العربية المنادية باستقلال سوريا، وأن تلك العائلة كلها كانت ضالعة في مقاومة الأطماع الاستعمارية البريطانية والفرنسية.
وقد صُدم فيصل بعد ذلك من الاتهام الذي وجهه إليه والده بهذا الشأن، وعندما التقى بكل من الضابط البريطاني بيرس جويس وهنري ويلسون في منطقة، أبي الأسل يوم 13 مايو، ناقش معهما شكوى والده وذكر أنه يريد السفر جنوبا إلى الحجاز ليوضح الأمر له، ولكن الشريف حسين رفض ذلك وبعث إلى فيصل برقية يقول له فيها بحدة: «مت في معان أو استول عليها قبل أن تراني»®. ونتيجة لذلك أسرع ويلسون بالسفر إلى جدة بعد أن وعد الأمير فيصل بأنه سيبذل أقصى جهده لحث الشريف على العدول عن رأيه.
وفي يوم 27 مايو التقى ويلسون والشريف حسين لأول مرة في ذلك العام في جدة. وأبدى ويلسون تأثره بحرارة استقباله، وفي لقاء ثان أثار معه مسألة استقباله للأمير فيصل، ولكن حسين أجابه بأن من النتائج الحتمية للحرب عدم رؤية الآباء لأبنائهم، غير أن ويلسون قاطعه وسأله سؤالا صريحا هو:
«لماذا لا يريد استقبال فيصل؟» واعترف الحسين بأن السبب الحقيقي الذي أثار قلقه هو أن عودته إلى الحجاز قد تفسر على أنها دليل على هزيمته، فأوضح له ويلسون أن الأمير فيصل أراد بعودته أن يعرض على أبيه خططه ويعرف رأيه في كيفية حكم المناطق العثمانية بعد الحرب، وتوسل إلى الشريف أن يعيد النظر في قراره.
ورق قلب حسين ووافق على مجئ فيصل بشرط أن يعود إلى موقعه قبل بداية شهر رمضان في يوم 7 يونيو. وخرج ويلسون من اللقاء ليرسل برقية إلى بيرس جويس يخبره فيها بأن على فيصل أن يحضر إلى جدة في غضون الأيام العشرة التالية.
وايزمان في القاهرة
غير أن ويلسون لم يكن يدري أن البريطانيين كانوا قد وافقوا على إجراء لقاء بين فيصل وحاييم وايزمان الذي كان قد وصل إلى القاهرة في وقت مبكر من شهر ابريل على رأس وفد صهيوني لفتح الطريق أمام الهجرة اليهودية بعد الحرب.
ويشير مؤلف الكتاب إلى أن وايزمان نال تأييد الضباط العسكريين البريطانيين في القاهرة بإصراره المخادع على أنه «لا يريد حكومة يهودية، ولكن يريد فحسب منح وطن لليهود في الأرض المقدسة». وقد استطاع وايزمان التأثير حتى على غيلبرت كلايتون رئيس المكتب العربي في القاهرة، وقد سبق أن أطلعنا على موقف ذلك المسؤول البريطاني المعارض لوعد بلفور المشؤوم.
وانفجر غضب ويلسون عندما علم بعد فوات الأوان بنبأ اجتماع فيصل ووايزمان، إذ كان قد فرغ لتوه من حث الشريف حسين على أن يكتب إلى فيصل رسالة يشرح له فيها أنه لم يتهمه إطلاقا بتبديد الأموال، وبدأ ويلسون في الشعور بالخوف من انفجار حسين إذا اكتشف أن فيصل يتفاوض مع الصهاينة دون أن يحصل على موافقة مسبقة منه.
وأصبح الموقف شديد الحساسية حتى ان المكتب العربي طلب من ويلسون ألا يذكر للحسين شيئا عما يجري، ولذلك فإنه عندما التقى به مرة أخرى يوم 31 مايو أخبره بعدم وجود إمكانية لمجيء فيصل قبل بداية شهر رمضان بسبب الخطط العسكرية.
في ذلك الوقت كان هناك شيء آخر يقلق الشريف حسين. ويقول ويلسون في تقرير له: «إن الملك الآن بدأ يتحدث فجأة عن لقبه وهو: «ملك الحجاز»، وعن تسمية حكومته في المراسلات الرسمية باسم «حكومة الحجاز» وقد تساءل الحسين: «لماذا لا تسمى «الحكومة العربية»؟!.
وفوجئ ويلسون بالسؤال وقال للسير ريغينالد وينغيت في وقت لاحق إنه لم تكن لديه أية فكرة عما جعل الملك حسين يفجر هذا الموضوع فجأة والذي لم يناقشه معه من قبل بالتفصيل. وذكر أنه قال للحسين إن الحكومة البريطانية لا تستطيع الاعتراف بحكومة عربية برئاسة الحسين إلا إذا كان مدعوما بالرؤساء العرب الآخرين.
ولم يتضح شيء حتى أول شهر يونيو 1918 عندما اجتمع ويلسون وحسين مرة أخرى، وبدأت تظهر ببطء أسباب قلق الأخير. وفي ذلك الاجتماع الذي استغرق ثلاث ساعات مساء ذلك اليوم، أخذ الحسين يعيد سرد قصة مراسلاته مع كيتشنر وماكماهون، وقال إنه فهم أن البريطانيين يؤيدون إقامة خلافة عربية .
وذلك من خلال أول اتصال مبدئي من كيتشنر في أكتوبر عام 1914، ولذلك فإن لقبه كملك للحجاز يصبح بلا معنى، ثم هدد بالاستقالة وأضاف: «إنني لم أخدعكم وحكومة جلالة الملك على الإطلاق». وأشار إلى أنه إذا لم يظهر حاكم واحد للجزيرة العربية فإن النتائج ستكون سيئة جدا.
حديث المدينة
وإذا عدنا بالذاكرة إلى الوراء قليلا في يوم 29 أكتوبر عام 1916 في جدة لوجدنا أن الكولونيل ويلسون قد أصيب بحالة من الذعر عندما تسلم برقية من الأمير عبد الله بن الشريف حسين يخبره فيها بأن شعب مكة اعترف لوالده بالإجماع بلقب «ملك الأمة العربية».
وكتب ويلسون تقريرا إلى ماكماهون يقول له فيها إن النبأ كان مفاجأة تامة له، ومما زاد الطين بلة أن بعض الجنود الفرنسيين المسلمين دعوا لمشاهدة عملية التنصيب، ونظرا لعدم معرفتهم اللغة العربية لم يستطيعوا فهم ما كان يقال وتصوروا أن الناس تحتفل بالسنة الهجرية الجديدة فأخذوا يهللون مع بقية الجمهور، وبعد عدة ساعات عرفوا أن حديث المدينة يدور حول قيامهم بتهنئة الشريف حسين بتنصيبه ملكا بالنيابة عن الجمهورية الفرنسية.
وأضافت رسالة ويلسون ان الضابط الفرنسي المسلم المسؤول ذهب إلى فراشه لينام وهو محموم في انتظار قرار الحكومة الفرنسية بالنسبة للاعتراف الذي تسبب الجنود فيه. وازداد الأمر تعقيدا عندما تحدث ويلسون غاضبا عبر الهاتف مع عبد الله وسأله» لماذا لم يبحث ما نواه مقدما قبل الإعلان عنه، فزعم عبد الله أن مفاوضات حول إعلان النبأ قد أجريت بينه وبين ماكماهون. وقد ذهل ويلسون.
ومن لندن طالب سير إدوارد غراي وزير الخارجية البريطانية آنذاك بتفسير للأمر. وفي القاهرة أسفرت محاولات فك اللغز عن أن كلايتون اكتشف أن محمد الفاروقي قال للشريف حسين إن ماكماهون كان ينوي أن يقدم إليه لقب «ملك العرب». والفاروق هذا كان أحد ضباط الأركان في غاليبولي العثمانية عندما حاول البريطانيون الهجوم عليها وسلم نفسه لهم.
وكان يضفي على نفسه أهمية بابتكار أحاديث خيالية مع المندوب السامي البريطاني في القاهرة. وكان إقرار كلايتون بذلك أمرا محرجا له لأنه كان ضحية أيضا لأقاويل الفاروقي. واستطاع المكتب العربي بالقاهرة فك شفرة برقيات الفاروقي منذ بداية شهر يوليو، وعرف بمحاولته مع الشريف حسين، ولكن عندما رفض الشريف الفكرة افترض المكتب أن المسألة انتهت.
وكان مبرر الحسين لذلك الرفض أنه ثار ضد «لجنة الاتحاد والترقي» التركية التي استولت على الحكم في تركيا لا ضد السلطان نفسه، وذكر أنه رفض الفكرة لأنه بتنصيب نفسه ملكا معناه أنه يتحدى سلطة السلطان. غير أن الشريف حسين استسلم للفكرة عندما عاد ابنه عبد الله إلى طرحها لدحض اتهام علي حيدر لأبيه بأنه دمية في أيدي البريطانيين.
وكانت الحكومة العثمانية قد عينته أميرا لمكة في يونيو 1916 ليحل محل الشريف حسين ولكنه عاد إلى لبنان بعد قضاء ثمانية أشهر في المدينة المنورة. وقد هدد الأمير عبد الله بوقف الثورة ضد الأتراك إذا لم يتم الإعلان عن تنصيب أبيه، وقضى الأمير ليلته بعد الإعلان في مكة ممسكا بالهاتف لإخبار الحكومات الحليفة والمحايدة بالأنباء، ووضع صيغة برقيات التهنئة لتوزيعها على التجار في جدة لتوقيعها وإعادتها.
ورطة بريطانية
وهكذا وقعت بريطانيا في ورطة فقد أصبح من المستحيل ألا تعترف بالشريف بعد أن سارعت حكومات روسيا وصربيا وإيطاليا إلى تهنئة الملك الجديد. وقد أدرك ويلسون، بعد أن أفاق من المفاجأة، أن اعتراف بريطانيا بحسين ملكا سوف يساعد على إضعاف إدعاء الأعداء بأنها تخطط لحكم الحجاز.
وقد وووفق على تسميته «صاحب الجلالة الشريف» مؤقتا، ولكن نشأت مشكلة كيفية مخاطبته على المدى الطويل، وكانت المشكلة معقدة ففي لندن قال مسؤولو مكتب الهند إنهم لا يمانعون في الاعتراف بحسين باعتباره «ملك العرب» غير أن الفرنسيين عارضوا أي لقب يمكن أن ينقل السيادة على المستعمرات العربية في شمال إفريقيا، وفضلوا لقب «ملك الأماكن المقدسة».
ولكن مكتب الهند رفض ذلك لأن اللقب يشير إلى زعامة روحية تقترب كثيرا من الخلافة. واقترح وينغيت لقب «ملك الحجاز» الذي ووفق عليه في نهاية الأمر وأعلن عنه على نطاق واسع في العالم في أول يناير 1917، وكانت تلك أول إشارة إلى الحدود الحقيقية لالتزام ماكماهون الذي سبق أن أبداه للشريف حسين.
مناورات وايزمان
وفي موضعين آخرين من الكتاب يشير جيمس بار إلى لقاءين آخرين بين فيصل ووايزمان: الأول في شهر يونيو 1918 في منطقة الوحيدة، وفيه زعم وايزمان أن الحكومة البريطانية أرسلته ليناقش معه ما أسماه المصالح اليهودية في فلسطين. ويقول مؤلف الكتاب إن فيصل كان عنيدا رغم ما عرف عنه من أدب جم، وأجابه بأنه مجرد شخص يعمل لدى أبيه ولذا فلا يستطيع مناقشة تسوية بشأن فلسطين بالتفصيل بأي شكل من الأشكال إلى أن تصبح الشؤون العربية أكثر استقرارا.
ومضى وايزمان في مزاعمه قائلا إن «إنشاء فلسطين يهودية سوف يساعد على قيام مملكة عربية يؤيدها اليهود»!! ثم زعم مرة أخرى أن اليهود لا يريدون حكومة خاصة لهم ولكنهم يريدون العمل تحت الحماية البريطانية. وفي الفصل الخامس والعشرين من الكتاب يتناول جيمس بار لقاء آخر تم بين فيصل ووايزمان أثناء وجود الأمير في لندن في شهر ديسمبر 1918، ففي أول عام 1919 تم توقيع اتفاق بينهما.
ويذكر جيمس بار أن الطرفين وافقا على تحديد حاسم للحدود بين الحجاز وفلسطين بعد انتهاء مؤتمر السلام، وعلى حماية عرب فلسطين في ممتلكاتهم وحقوقهم، مع مساعدتهم على نموهم الاقتصادي، كما أن «الأماكن الإسلامية المقدسة» ستظل تحت الإدارة الفلسطينية.
ويشير صاحب الكتاب إلى أن ذلك الاتفاق اعتُبر دائما اعترافا مجانيا بشرعية وجود دولة يهودية، ولكن فيصل اضطر إلى التوقيع على مضض تحت الضغوط البريطانية ولكنه أضاف تحفظا مؤداه أنه لن ينفذ هذا الاتفاق إلا بشرط نيل العرب استقلالهم. ويذكر الكتاب أن فيصل آنذاك كان يعتمد على بريطانيا للمساعدة في إيجاد توازن مضاد لنفوذ فرنسا في الشرق الأوسط.
الرواية العربية
لقد أثارت لقاءات فيصل والصهاينة جدلا كبيرا في الوطن العربي، لذلك أستأذن القراء الأعزاء في التوقف قليلا عن مناقشتنا لكتاب جيمس بار لكي ننقل من المصادر العربية وغيرها روايتين عن ذلك الاتفاق المشار إليه. فالرواية الأولى تزعم أن «عظماء اليهود الإنجليز» قاموا بزيارة الأمير فيصل وتظاهروا بالعطف على العرب وقضيتهم وأظهروا استعدادهم لتأييدها بنفوذهم، ثم طلبوا إليه أن يوقع على بيان كتبوه باللغة الإنجليزية.
وقالوا إنه ينطوي على إظهار العطف على فكرة الوطن القومي فوقعه فيصل باللغة العربية بعد أن كتب ما نصه: «مشترطا أن ينال العرب استقلالهم من رفح حتى طوروس وخليج العجم»؟ ولما سأله بعضهم لماذا عجل في التوقيع أجاب: لقد اشترطنا لتأييدهم إنشاء مملكة عربية، فإذا أنشئت فلا يهمنا شيء.. وواضح أن هذه هي رواية المدافعين عن فيصل من العرب.
أما الرواية الصهيونية فتقول إن البيان الذي وقعه فيصل تضمن اتفاقا من سبع مواد نورد هنا نصوص بعضها بترجمتها بالأسلوب العربي الذي كان سائدا آنذاك وكما جاءت في المجلد الثالث من كتاب «الثورة العربية الكبرى» للمؤرخ أمين سعيد:
المادة الثالثة: تؤخذ جميع التدابير وأفضل الضمانات لتطبيق تصريح الحكومة البريطانية يوم 2 نوفمبر سنة 1917 حين وضع دستور حكومة فلسطين. وفي هذه المادة إشارة خبيثة إلى موافقة بريطانيا آنذاك على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين والتي أشار إليها بيان بلفور بعد ذلك بأيام قليلة.
المادة الرابعة: تتخذ كل التدابير لتشجيع وتنشيط الهجرة اليهودية إلى فلسطين بمقياس كبير وبالسرعة الممكنة لإسكان المهاجرين في الأراضي، وتصان حقوق الفلاحين العرب مع مساعدتهم في تقدمهم الاقتصادي.
المادة السادسة: تكون المقدسات الإسلامية تحت إشراف إسلامي.
المادة السابعة: ترسل الجمعية الصهيونية إلى فلسطين لجنة من الخبراء لدرس قابلية البلاد الاقتصادية، وتقدم تقريرا عن أفضل الوسائل لتحسينها، وتضع الجمعية الصهيونية هذه اللجنة تحت تصرف الحكومة العربية لدرس قابلية المملكة العربية الاقتصادية وتقديم تقرير عن أفضل الوسائل لتحسينها، وتستخدم الجمعية الصهيونية خير جهودها لمساعدة الحكومة العربية في إعداد الوسائل لتحسين الموارد الطبيعية والقابلية الاقتصادية في بلادها.
تحفظات فيصل
وتقول المصادر اليهودية إن فيصل وضع التحفظ الآتي على هذا الاتفاق: «إذا توطدت دعائم الحكومة العربية كما طلبت في كتابي بتاريخ 4 نوفمبر 1918 إلى وزارة الخارجية البريطانية، فأقوم بما كتب في هذه الاتفاقية، وإذا أجريت تبدلات فلا أكون مسؤولا عن عدم قيامي بما جاء فيها».
ويقول أمين سعيد في كتابه إن من رافقوا الأمير في رحلته إلى لندن وحضروا الاجتماع في فندق كارلتون الذي يقول الصهيونيون إن الاتفاق وُقِّع فيه، ينفي هؤلاء المرافقون وجود هذا الاتفاق بالشكل الذي أعلن عنه الصهاينة ويقولون إن الأمير فيصل وقع بيانا عاديا لا يزيد في مضمونه عن الإعراب عن العطف على اليهود،.
وقد تحدى بعضهم الصهيونيين، حينما أذاعوا هذا الاتفاق، أن ينشروا متنه مع توقيع فيصل عليه فلم يفعلوا. غير أن جريدة «جويش كرونيكل»، وهي لسان الجمعية الصهيونية في انجلترا، نشرت يوم 4 أكتوبر 1919 بيانا للأمير فيصل نفسه عالج فيه المسألة اليهودية بصراحة فقال:
«يجب أن تظل فلسطين جزءا من سوريا فليس بينهما حد طبيعي ولا فاصل، وما يؤثر في الواحدة يؤثر في الأخرى، ويجب أن يؤثر فيها، فالعرب يرون فلسطين ولاية عربية ولا يرونها بلادا قائمة بنفسها، ونحن نسعى لننشئ إمبراطورية عربية تتألف في أقل ما يكون من العراق وسوريا وفلسطين. وقد قيل لي إن جميع اليهود يعتمدون على التصريح الذي فاه به بلفور، ويتطلعون إلى إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، أي أن هذه الأماني تناقض أفكار العرب ولا ترضيهم.
فأناشد اليهود ـ وهم ساميون قبل العرب ـ طالبا معاونتهم إيانا في إنشاء المملكة العربية حتى إذا كثر عدد اليهود في فلسطين تيسر أن تُجعل ولاية يهودية من ولايات هذه المملكة العربية» فلو كان ما يقوله الصهيونيون عن وجود ذاك الاتفاق صحيحا لما نشر بيان فيصل هذا وهو يناقضه على خط مستقيم.
ونصل الآن إلى الخاتمة التي اختتم بها المؤلف كتابه ويقول فيها إن العرب أخذوا في البحث عن وسائل لوقف تدفق الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وفي بحثهم بدأوا يركزون اهتمامهم على المراسلات التي جرت بين حسين وماكماهون قبل اندلاع الثورة في مكة، إذ بدا لهم أنها كفيلة بهدم أساس وعد بلفور.
ورفضت الحكومة البريطانية الطلبات الملحة المتكررة لنشر الرسائل ولكن نسخا منها باللغة العربية تسربت، وفي عام 1937 أكدت الحكومة للبعثة الملكية أنها في سبيلها للبحث عن حل لإعطاء تصريح للفلسطينيين للاقتباس من رسائل حسين ـ ماكماهون في تقاريرهم.
ولم تفصح الحكومة إطلاقا عما وعد به ماكماهون بالضبط في رسائله للشريف حسين، وهذا بالضبط ما كان يرمي إليه ماكماهون. وذهب المسؤولون البريطانيون إلى أبعد مدى في تفسيرهم لما قاله ماكماهون في محاولة منهم لاستبعاد فلسطين من المنطقة التي ذكر العرب أنها من أملاكهم. ونشأت المشكلة عندما ظهرت نسخ بالعربية عن أكثر الرسائل أهمية بعد إخفائها مدة خمسة عشر عاما.
وقد عثر عليها أثناء إخلاء مكتب رونالد ستورز السكرتير الشرقي للمندوب السامي البريطاني في القاهرة، وقد أقلق اكتشافها الحكومة البريطانية أيضا ففي رسالة ماكماهون إلى حسين بتاريخ 24 أكتوبر، يحاول ذكر شرط مقيد لتعهده بقوله إنه يستطيع تقديم ضمانات «في الأماكن التي تتمتع فيها بريطانيا بحرية التصرف دون الإضرار بمصالح حليفتها فرنسا».
ولما كان القصد من صياغة الرسالة أن تكون غامضة فإن تلك العبارة في ترجمتها العربية كانت تبدو وكأنها تأكيد للتعهدات، فيما عدا المناطق التي حددت بشكل غامض، وبحيث توحي بأن بريطانيا كانت قادرة على ضمان طلبات حسين دون التأثير على المصالح الفرنسية.
واعترف رئيس مجلس اللوردات البريطاني بأن تلك «الترجمة المستهترة تغير بالكامل معنى التحفظ الوارد، أو تجعل المعنى شديد الغموض بأي معيار». وأقر ستورز بعد ذلك بأن طريقة ترجمة الرسائل التي قام بها عميله السري المسمى روحي البهائي كانت معيبة. وبحلول ثلاثينات القرن العشرين كانت الحرب تلوح من جديد واحتاجت بريطانيا إلى ضمان دعم العرب لها.
وفي عام 1939، على هامش مؤتمر لندن حول فلسطين، وافق البريطانيون على إجراء فحص شامل للرسائل تقوم به لجنة من ممثلين بريطانيين وعرب. ويشير جيمس بار إلى تقرير تلك اللجنة بقوله إن جملة واحدة فيه تلخص القصة ونصها كالتالي:
«لقد حاول كل من ممثلي العرب والمملكة المتحدة فهم وجهة نظر الطرف الآخر، ولكنهم عجزوا عن التوصل إلى اتفاق بشأن تفسير المراسلات» وعندئذ أدرك البريطانيون أن اعتمادهم على كلمات مكماهون غير مثمرة، ولجأوا إلى الدفاع عن حجتهم القائلة إن فلسطين لم يرد ذكرها في سياق الرسائل. ويختم المؤلف كتابه بقوله:
كان للثورة وجهان: النصر الذي يمثله لورانس، والخيانة التي شعر بها العرب، وقد تشابك الجانبان تشابكا لا فكاك منه. وبدون تلك المراسلات لم يكن ممكنا انغماس بريطانيا في الثورة، ودون الانتصار لم يكن من الممكن الكشف عن عدم مصداقية الخطابات المرسلة إلى الشريف حسين.
ويرى المؤلف أن كلا من جانبي هذا التراث مازال يعيش بيننا اليوم فهناك جيل جديد من المستشارين العسكريين في العراق ينكبّون على دراسة لورانس بحثا عن إلهام بينما تظل الذاكرة العربية تحتفظ بمخزون من النقمة العميقة على خديعة بريطانيا لهم، والتنكر للوعود التي بذلتها لشعوبهم والذي مازال العرب يعانون منه حتى اليوم في مناطق كثيرة من بلادهم وفي مقدمتها فلسطين.
عرض ومناقشة: صلاح عويس
