ينقلنا المؤلف في هذه الحلقة إلى أجواء ما قبل قيام البريطانيين باحتلال القدس، حيث بدأت المناوشات مع الأتراك في فلسطين بقصف غزة ثم تلتها مدينة بئر السبع لكن مجلس الحرب البريطاني كان يرى أهمية التوجه نحو القدس واحتلالها، لذا صدرت الأوامر للجنرال اللنبي بالاندفاع نحو القدس ولكن الأخير ارتأى تأجيل الأمر قليلاً. وفي 11 ديسمبر 1917 دخل اللنبي مدينة القدس واحتفلت لندن بهذا الانجاز.

يشير المؤلف كذلك إلى وعد بلفور الذي منحه لليهود ويقول إنه لم يكن وعداً بحكومة فلسطين وإنما كان بتقديم الدعم لليهود في كل مكان بالعالم ، ويوضح كيف أن بعض المسؤولين البريطانيين كانوا يعارضونه من منطلق تأثيره على مصداقية بريطانيا أمام العرب وعلى مصالحها على المدى البعيد.

في يوم 26 سبتمبر 1917 أبلغ الجنرال إدموند اللنبي رئيسه في لندن السير ويليام روبرتسون رئيس الأركان العامة البريطانية بأنه يتوقع أن يكون جاهزا لبدء الهجوم بعد شهر أي في يوم 27 أكتوبر. وقد خطط اللنبي لبدء الهجوم بقصف غزة حتى يجعل الأتراك يعتقدون أن الهجوم البريطاني الرئيسي يتركز على تلك المدينة، ولكن الحقيقة هي أن ذلك الهجوم كان خدعة لتحويل الأنظار لأن قوات اللنبي الأساسية ستوجه ضربتها نحو مدينة بئر السبع بعد ثلاث ليال عند اكتمال البدر.

وأثار ذلك التحرك الوشيك اهتمام مجلس وزراء الحرب فاجتمع يوم 5 أكتوبر لمناقشة الموقف في تركيا وكلف روبرتسون ـ المعارض دائما لأي عمل في فلسطين ـ بالاتصال بالجنرال اللنبي لإبلاغه أن المجلس يعتقد أن الاندفاع نحو القدس قد يحث تركيا على الانفصال عن حليفاتها إذا تلته إجراءات دبلوماسية ملائمة. غير أن اللنبي رفض الفكرة عندما طلب منه إبداء رأيه وأوضح أن أمن الجناح الأيمن لقواته يعتمد الآن على العرب في التلال الواقعة شرق وادي عربة الذي يشكل الحدود الحديثة بين جنوب الأردن وإسرائيل حسب قول مؤلف الكتاب.

وقال اللنبي بصراحة للسياسيين في لندن إن «استمرار المساعدة التي يقدمها العرب يعتمد على استمرار تصديقهم أننا سوف نفي بوعودنا بألا نبرم أي اتفاق سلام يترك الأراضي العربية تحت سيطرة الأتراك، وأية فكرة تراودهم حول نيتنا إبرام سلام منفصل مع تركيا، مع احتمال تركهم تحت الحكم التركي، ستؤدي إلى ثورتهم علينا وتعريض خطوط إمداداتنا للخطر».

وكانت هناك عوامل أخرى تستبعد محاولات أبعد مدى لإبرام سلام مع العثمانيين. وكان قيصر ألمانيا في ذلك الوقت يزور الأستانة وخشي البريطانيون من أن يشجع الأتراك على منح العرب حكما ذاتيا ورشوتهم لكي يركنوا إلى الهدوء. وقد أزعج هذا الاحتمال المسؤولين البريطانيين في مصر حيث كان الموقف السياسي يزداد سوءا. ويعود انزعاجهم إلى أن أية صفقة يعقدها الأتراك مع العرب ستؤدي حتما إلى ازدياد الضغط على بريطانيا لتقديم تنازلات مماثلة لمصر.

وبينما رفض غيلبرت كلايتون رئيس المكتب العربي في القاهرة ومدير المخابرات الحربية مطالب الاستقلال المصرية ووصفها بأنها «هراء»، كان الشعور الوطني لدى الشعب المصري يزداد التهابا. وحذرت مذكرة سرية من قبل «من وجود رغبة اجماعية في ضرورة إجبارنا (أي البريطانيين) على الانسحاب عند نهاية الحرب، وذلك بدءا من الحاشية القريبة من السلطان حتى الطبقات المتعلمة». وحتى السلطان نفسه، الذي كان البريطانيون يعتبرونه دمية مطيعة، توفي في أوائل شهر أكتوبر واضطروا إلى تعيين أخيه خلفا له رغم أنهم يعتبرونه أقل إخلاصا من سلفه.

وبعد أيام قليلة من وصول القيصر إلى تركيا تسلموا تقريرا من الاستخبارات من سويسرا يؤكد قرب تقديم عرض بالحكم الذاتي للعرب، وفي الحال وضعت وزارة الخارجية البريطانية على الرف خططها للتقارب مع الأتراك بمجرد أن يضع اللنبي يده على القدس، خوفا من أن يصيب ذلك أصدقاء بريطانيا في الشرق بالإحباط بشكل عام وعلى الأخص العرب.

سوريا انجليزية؟

وفي يوم 26 سبتمبر أيضا توجه لورانس مرة أخرى إلى مناطق سكة حديد الحجاز وبرفقته هذه المرة ضابط جزائري فرنسي هو الكابتن روزاريو بيزاني الذي كان قد وصل إلى العقبة باعتباره ممثلا للبعثة العسكرية الفرنسية. ونبهّه إدوارد بريمون رئيس البعثة إلى أن لورانس شخصية مثيرة للاهتمام ويحلم «بسوريا انجليزية».

وشجعه كذلك على تتبعه في كل مكان. وبعد العودة إلى العقبة يوم 9 أكتوبر وجد لورانس استدعاء له بالتوجه إلى القاهرة للقاء اللنبي الذي كان يريد إبلاغه ببدء تنفيذ خطته الهجومية، في نهاية الشهر، ولكنه أراد أيضا أن يفصح لورانس له عن تكتيكاته. وكان كلايتون قد نبه لورانس من قبل إلى الخطر الناجم عن نجاحهما ـ هو واللنبي ـ في دفع الأتراك إلى الشمال، لأنهما بذلك يجعلان العدو أكثر تماسكا، وإمداداته أسهل وصولا، فيصبح بالتالي أكثر قوة.

وعندما التقى لورانس الجنرال اللنبي ذكر له أن هجماته ضد القطارات أكثر منها ضد الخطوط الحديدية، وقد صممت لإضعاف موارد الأتراك على طول طريق القطارات دون إحداث دمار كبير يدفعهم إلى اتخاذ قرار بمغادرة المدينة وتعزيز قواهم في معان جنوب الأردن بحيث يمكن أن يشكلوا تهديدا خطيرا لمؤخرة جيش اللنبي عند تقدمها إلى فلسطين.

وكان هذا مرضيا للنبي. كذلك كان الجنرال قد تلقى طلبا من الفرنسيين بإلحاق بيزاني بجميع المهام التي يكلف بها لورانس شمال العقبة. ولم يكن اللنبي يثق في الفرنسيين ويخشى من تسرب تفاصيل رحلة لورانس لإحباط طموحات عرب سوريا. وقال في وقت لاحق إن «تفاصيل عملية الاستطلاع في شمال سوريا ظلت محاطة بسرية كاملة لتفادي حصول العدو على معلومات قد تعيق تحركات لورانس في المستقبل وتعرض للخطر سلامة من يتصل بهم».

وفي الفصل السابع عشر من كتابه يعود جيمس بار إلى تكذيب لورانس مرة أخرى في ادعائه أنه ذهب إلى درعا في جنوب سوريا متنكرا لكي يتجسس على الدفاعات التركية في نهاية عام 1917 ولكنه أسر وتعرف عليه الحاكم ويدعى حاجم بك. وقد روى لورانس هذه الحكاية أثناء تأليفه كتابه «أعمدة الحكمة السبعة» عام 1919.

وقد زعم أن ذلك الحاكم اعتدى عليه، وعندما أرسله إلى المستشفى تمكن من الهرب. ويعود السبب في قرار لورانس وصف ما عاناه في درعا في نهاية عام 1917، إلى سياق الأحداث التي وقعت بعد الحرب مباشرة. ففي دمشق كان فيصل واقعا تحت ضغط من الفرنسيين لكي يقبل عرش سوريا في مقابل إنجاز تسوية مع القوميين العرب المتشددين في دمشق ومن بينهم محمد سعيد الجزائري.

وقد اعترض لورانس على هذا الأخير لاعتقاده بأنه غير جدير بالثقة، ودعم لورانس رأيه بالكشف عما حدث له في درعا في رسالة إلى ضابط الاستخبارات فرانسيس سيتر لينغ الذي أصبح آنذاك نائب رئيس المكتب السياسي بالقاهرة، وقد حذره لورانس وطلب منه أن يطلب من المسؤولين البريطانيين ألا يضغطوا على فيصل ليقبل العرض الفرنسي الذي قد يمنح محمد سعيد الجزائري سلطة واسعة.

وعلى أية حال عاد لورانس فغير من التفاصيل الرئيسية لقصته في كتاب «أعمدة الحكمة السبعة» وادعى أن حاجم بك لم يتعرف عليه، وزعم أنه لما لم ينل مراده نادى على الحراس وأمرهم بجلده. ووفقا لرواية لورانس فإنه يقول «بدأ أحد الجنود في جلدي بالسوط بكل ما فيه من قوة بينما أطبقت أسناني لكي أتحمل الألم من عملية الجلد التي كانت مثل وقع الأسلاك المحمية باللهب على جسمي.

ومع كل جلدة تترك علامة بيضاء كخطوط السكك الحديدية ثم تتحول إلى اللون القرمزي الداكن على بشرتي.. الخ». ثم أمر الحاكم بإخراجه فأخذه الجنود إلى مرحاض خارجي ورموه حتى الفجر، وعندما أفاق قليلا اكتشف أن سجنه المؤقت لم يكن موصدا جيدا ووجد بعض الثياب البالية ثم تسلق الشباك وخرج وهو يعرج هاربا نحو الأزرق. وكان ذلك يوم 21 نوفمبر، وبعد خمسة أيام عاد إلى العقبة.

وقد دارت شكوك حول ما إذا كان قد استطاع حقا إكمال رحلة العودة بهذه السرعة وقد أصيب بتلك الجروح في درعا كما يزعم. ويقول مؤلف الكتاب إن تلك الشكوك طرحت التساؤل عما إذا كانت قصة ما حدث له في درعا حقيقية أم كاذبة، ولم يتوفر ما يؤيد قصة لورانس، كما أن أقرباء حاجم بك أنكروا مزاعمه بشدة بعد الحرب وقدموا دلائل لدحضها.

وقد اختفت الصفحة من مفكرة جيبه المتعلقة بالواقعة والتي تغطي الفترة من 15 إلى 21 نوفمبر عندما وقعت تلك الأحداث المزعومة، ويرى جيمس بار أن من المحتمل أن يكون لورانس قد مزقها بنفسه، وهي الصفحة الوحيدة الناقصة سواء في مذكراته لعام 1917 وعام 1918، وكان قد أعطاهما في عام 1926 إلى تشارلوت شو موضع ثقته، وقد حكى لها أيضا حكاية درعا.

وربما انتزع الصفحة ليطمس القصة. ولم تكن هناك حاجة إلى إخفاء المسألة عن شو التي قرأت مسودة «أعمدة الحكمة السبعة» التي كانت تحتوي على سرد الهجوم، إلا إذا كانت لم تحدث بالفعل. وقد أعطت تشارلوت شو المذكرتين للمكتبة البريطانية حيث يمكن قراءتهما الآن هناك. وعلى الصفحة السابقة للورقة المفقودة نجد أنه أدرج ثلاث ملاحظات تحت اسم «قصر الأزرق»، وتحت تلك الملاحظات توجد بتاريخ 14 نوفمبر ملاحظة غامضة هي: «إلى حوران» بالإشارة إلى الإقليم الخصب الذي يقع شرق درعا.

ولكنها مكتوبة بطريقة مختلفة ومن الممكن أن يكون قد كتبها في وقت لاحق. أما الصفحة التي تلي الورقة المفقودة فهي بتاريخ 22 نوفمبر، وأول شيء مدرج عليها يتعلق أيضا بمنطقة «الأزرق» (وهي تقع شمال الأردن) وبنفس طريقة كتابة المادة المدرجة في الأسبوع السابق مما يوحي بأن لورانس ربما كتبها كلها دفعة واحدة في وقت لاحق.

ورغم موافقة المكتبة البريطانية على فحص الأوراق بطريقة تسمى «التحليل الإلكتروستاتيكي للمعلومات» وهو ابتكار أبدعه علماء الطب الشرعي للتوصل إلى معرفة ما كتب في الورقة المفقودة والذي يحتمل أن يكون قد انطبع على الصفحة التي تحتها، إلا أن الفحص كان محبطا نظرا لمرور نحو تسعين عاما على كتابتها.

ولكن نظرة أخرى فاحصة أظهرت في الفراغ الخاص بيوم 18 نوفمبر ـ أي بعد أربعة أيام من التاريخ الذي يذكر لورانس أنه توجه فيه إلى حوران أي يوم 14 نوفمبر ـ وجود علامات خفيفة لكلمة مختصرة تبدأ بحرف «أ» على طريقة لورانس المعروفة ومن المؤكد أنه يرمز إلى كلمة «أزرق» .

ويشير هذا الاكتشاف إلى أنه لم يغادر الأزرق إلى حوران بالسرعة التي زعمها مما يقوي الانطباع بأنه بقي وقتا أطول في قلعة الأزرق، ويعزز هذا الانطباع وصفه المطول في كتابه «لليالي البطيئة» في الأزرق، وما ذكره في رسائله لأمه عن أنه «سيقيم هنا بضعة أيام (يوم 14 نوفمبر)»، ولوالديه في ديسمبر إذ يقول: «أقمت هناك نحو عشرة أيام».

والنتيجة التي تبينها الفحوص الإلكتروستاتيكية المتقدمة أنه كان لا يزال في الأزرق ليل 18 نوفمبر مما يقلص جدا الوقت الباقي لكي يقوم بعملية استطلاع مع شخص يدعى طلال قال إنها استغرقت بضعة أيام ثم القيام بزيارة درعا حيث اعتقل يوم 20 نوفمبر، مادام أنه لم يغادر الأزرق قبل يوم 19 نوفمبر. وإذا كان قد أجرى عملية الاستطلاع مع طلال فلابد أن ذلك حدث أثناء الوقت الذي زعم فيه أنه كان سجينا لدى البيك في درعا.

ويتساءل مؤلف الكتاب: «لماذا أسهب لورانس في ذكر تفاصيل كثيرة جدا عن تجربته في درعا بما في ذلك وصفه لآثار السوط على ظهره التي يستحيل أن يكون قد رآها بالطبع ليشرحها مثلما فعل في خطابه المرسل إلى ستيرلينغ. ويعود جيمس بار فيؤكد لنا أن لورانس لم يبدأ الثورة العربية على الإطلاق ولا استفرد وحده بإدارتها، وذلك على عكس الاعتقاد السائد.

اليهود والقدس

ويخصص صاحب الكتاب فصلا قصيرا عنوانه «اليهود والقدس» وهو الفصل الثامن عشر، ويحصر الفترة التي يتناولها هذا الفصل ما بين شهري نوفمبر وديسمبر عام 1917، ويذكر في مطلعه أن غيلبرت كلايتون كان يأمل في أن تقوم الحكومة البريطانية بوضع سياسة رسمية تجاه الصهاينة، وقد تحقق هذا الأمل بسرعة وبشكل علني أكثر مما كان يتوقعه، ففي السابع من نوفمبر نشرت صحيفة التايمز رسالة من آرثر بلفور وزير الخارجية البريطانية إلى اللورد روتشيلد عضو البرلمان البريطاني والمؤيد البارز للصهيونية .

وهي الحملة التي استمرت عشرين عاما آنذاك لإقامة دولة لليهود في فلسطين (ونرجو أن يلاحظ القارئ أن كلمات مثل «الصهاينة والصهيونية وفلسطين» ليست من عندياتنا، بل يستخدمها المؤلف في موضعها الصحيح). ويصور المؤلف أسلوب إعلان ذلك بأنه تم بحركة مسرحية من بلفور بدت في قوله في رسالته إلى روتشيلد «يسعدني جدا أن أنقل إليك الإعلان التالي للتعاطف مع الآمال اليهودية الصهيونية التي قدمت لمجلس الوزراء ووافق عليها».

ثم ينشر المؤلف نص وعد بلفور المشؤوم. ويرى جيمس بار في كتابه أن من المفارقات أن إعلان بلفور لم يكن في الحقيقة، بشأن حكومة فلسطين، بل كان دعوة إلى دعم اليهود في جميع أنحاء العالم. فقد كان الاعتقاد السائد بحلول القرن العشرين أن اليهود نالوا نفوذا سياسيا كبيرا في العالم. وتحت ضغط القهر الذي عانوه في أوروبا الشرقية هاجرت أعداد كبيرة منهم نحو الغرب في السنوات التي سبقت الحرب.

وبلغ عدد اليهود في بريطانيا ثلاثة أضعاف ما كان عليه حتى تجاوز 250 ألف شخص في السنوات الثلاثين حتى عام 1911. وفي نيويورك لقي اللوبي الصهيوني آنذاك دعما كبيرا من الهجرة اليهودية واسعة النطاق، ولذلك أخذ هذا اللوبي يعمل على سد الطريق في وجه محاولات الحكومة القيصرية للحصول على قروض من عالم المال في وول ستريت. وازداد الاعتقاد بأن اليهود هم كيان سياسي مترابط قادر على ممارسة تأثيره الجماعي والمستقل.

خيال جامح

وكان مارك سايكس يرى أن اليهود يشكلون جزءا من «حاجز عربي ـ يهودي ـ أرميني» بين «فارس ـ مصر ـ الهند وبين ما أسماه «الاتحاد التركي ـ الألماني»، وأن من شأن هذا الحاجز أن يؤدي إلى وقف الزحف الألماني نحو الشرق.

كذلك كان من رأيه وجوب تشجيع الصهاينة على إنشاء ما أسماه «مجتمع يهودي معتمد على نفسه يثبت للشعوب غير اليهودية في العالم قدرة اليهود على قيام تجمع سكاني زراعي بسيط وقوي» ويصف سير ريجينالد وينغيت ذلك الرجل بأنه صاحب خيال جامح لأن سايكس كان يقول «إنه يتخيل أن تندفع أفواج اليهود من أوروبا الشرقية إلى فلسطين لكي يصبحوا حالبي الأبقار ومناحل العسل»!!. وقد حذر وينغيت من أن ذلك الرجل أصبح مهووسا بالإفراط في الحماسة والثرثرة.

ومما أضاف الكثير من رؤيا سايكس الرومانسية بحلول صيف عام 1917، ظهور حوافز أكثر إلحاحا لدى الحكومة البريطانية للتوصل إلى اتفاق مع الصهاينة، فقد رأت وزارة الخارجية ان السكان اليهود في روسيا بحجمهم الضخم يعتنقون الصهيونية في معظمهم، ونظرا لانهيار الموقف في روسيا خلال عام 1917 فقد رأى المسؤولون البريطانيون أنهم إذا قدموا فلسطين لليهود فسوف يقوم الصهاينة الروس، من وراء الستار، بالسيطرة على انزلاق بلادهم نحو الثورة والخروج من الحرب الذي يسمح لألمانيا بتركيز قواتها على الجبهة الغربية. وقد أعجب سايكس بهذا الرأي.

وكان اليهود، حتى ذلك الوقت، قد تحولوا نحو الاشتراكية والشيوعية بسبب معاناتهم من قهر الحكم القيصري في روسيا. وتصور سايكس أن عرض فلسطين على الصهاينة قد يؤدي إلى «زعزعة موقف الاشتراكيين اليهود الذين يعتبرون كارل ماركس نبي إسرائيل الوحيد»، ولكن فات الأوان، ففي نفس اليوم الذي نشرت فيه صحيفة التايمز إعلان بلفور، نشرت أيضا أنباء انقلاب لينين البلشفي في بتروغراد. ويقول مؤلف الكتاب:

«وحتى لو انهارت روسيا فقد كان لدى الحكومة البريطانية سبب آخر يبرر تأييد المطامع الصهيونية، فقد كانت روسيا ـ في ظل اتفاقية سايكس ـ بيكو تصر على خضوع فلسطين لإدارة دولية، ولكن لويد جورج كان يعتقد أن تأييد الصهيونية وسيلة مفيدة لتفادي الهجوم على السياسة البريطانية الإمبريالية، وقناع لإخفاء أطماعه الحقيقية في إلحاق فلسطين بالممتلكات البريطانية بعد الحرب.

موقف مغاير

رغم غموض وفتور وعد بلفور أدركت القاهرة على الفور المغزى من ورائه حتى أن كلايتون سخر من الحماس الذي أبداه سايكس وأفضى بذلك لمراسلة المكتب العربي في بغداد جيرترود بل إذ يقول لها:

«إن العربي في سوريا وفلسطين عندما يرى إطلاق أيدي اليهود ودعمهم من حكومة صاحب الجلالة، سوف يفسر ذلك بأنه الفقدان النهائي لتراثه» ومضى يقول أيضا إن الخبرة التي جناها في تلك الحرب تدفعه إلى استنكار البيانات الموغلة في الإهمال والاتفاقيات الخيالية. ويضيف كلايتون قوله: «نحن مثل أناس يسيرون في الضباب عبر بلاد لا نعرفها ويتوجب عليهم أن يتلمسوا طريقهم ويتنبهوا لكل خطوة يقدمون عليها.

إن العربي على حق، ولن تستطيع أية كمية من الخطب الدجالة أن تخدعه في مسألة ذات تاثير بالغ عليه». وقد ردت عليه جيرترود بل بقولها إنها تتفق معه تماما وإنها «تبغض البيان الصهيوني لبلفور» ثم بعد ذلك كتبت رسالة إلى أمها تقول فيها: «في اعتقادي أن ذلك لا يمكن أن يتحقق فالبلاد لا تتوافق مع الأهداف التي يراها اليهود، فهي بلاد فقيرة وعاجزة عن عملية تنمية ضخمة.

وثلثا سكانها من العرب المسلمين». ثم تصف وعد بلفور بأنه خطة مصطنعة بكاملها جانبت كل علاقة بالحقائق، وذكرت أنها تتمنى فشلها. ومما يحزننا نحن العرب أن نقرأ الآن ما يذكره كلايتون المسؤول عن المكتب البريطاني للشؤون العربية في القاهرة إذ يرى في وعد بلفور «بارقة ضوء واحدة وهي أنه سيؤدي إلى تضامن العرب معا»!!

عروبة الثورة

وفي الفصل الثامن عشر أيضا نجد إشارة من المؤلف إلى أن بعض المسؤولين البريطانيين كانوا يعتقدون أن السوريين لم يكونوا راضين عن أية حكومة تخضع لنفوذ مكة المكرمة. وإذا عدنا إلى مرجع يعتد به من أبناء الثورة العربية الكبرى، وهو المؤرخ العربي الكبير ساطع الحصري في كتابه الذي جمع فيه آراءه وأحاديثه في القومية العربية، نجد أنه يدحض هذا الرأي إذ يقول: «الثورة التي قامت في الحجاز لم تكن ثورة حجازية، بل كانت ثورة عربية بكل معنى الكلمة اشترك فيها عدد كبير من شبان العرب المدنيين والعسكريين من مختلف البلاد العربية.

وإذا قرأتم المكاتبات التي جرت بين الشريف حسين وبين السير ماكماهون، تجدوا أنها كانت خالية من اسماء سوريا والعراق ولبنان، وقد تجدون ذكرا عابرا لبعض المدن ولكنكم لا تجدون فيها أي ذكر لهذه الأسماء التي أصبح كل منها فيما بعد علما لدولة من الدول العربية التي تعرفونها الآن. وجيش الثورة الذي حرر سوريا الداخلية، وبدأ يحكمها في بادئ الأمر حكما عسكريا، كان هو أيضا جيشا عربيا.

كما أن مجلس المديرين، الذي تألف بعد مدة لوضع الأساس لحكومة مدنية، كان مجلسا عربيا يضم رجالا من مختلف الأقطار العربية، فإن رئيس المجلس المذكور كان حجازيا، ونائب رئيسه كان سوريا، وكان مدير الشؤون العسكرية فيه عراقيا، ومدير الأمور العدلية لبنانيا، ومدير الأمور المالية فلسطينيا».

ويذكر كتاب جيمس بار أن البريطانيين انزعجوا من الشريف حسين لأنه لم يبد أية بادرة لتنازله عن مطالبته بسوريا، وعندما سأله هنري ويلسون بحذر عن تعلقه بسوريا أجابه بأن أية محاولة لحصر سلطته في الحجاز سوف تدفعه إما إلى الاعتزال أو قطع العلاقات معهم والحصول على أفضل الشروط الممكنة من الأتراك.

اللنبي في القدس

وفي يوم 11 ديسمبر 1917 دخل اللنبي القدس، وكان احتلال المدينة المقدسة ضربة دعائية كبيرة لرئيس الوزراء البريطاني لويد جورج، وأعلنت أنباء الاحتلال في مجلس النواب البريطاني في يوم 10 ديسمبر. في اليوم التالي نشرت الصحف البريطانية الأنباء بحماسة شديدة. وقالت افتتاحية صحيفة غلاسغو هيرالد إن «الاستيلاء على القدس يضع نهاية لعصر من الظلام واليأس، وبداية عصر من النور والأمل مثلما كان يحلم الأنبياء منذ زمن بعيد».

أما صحيفة التايمز فقد توقعت «قيام نظام جديد» في الأراضي المقدسة «قائم على مثل الأخلاق والعدالة»!! وأخذت الكنائس تدق أجراسها في جميع أنحاء بريطانيا، ولكن كانت ما تزال تختمر في الخلفية مشكلة أخرى، ففي روسيا قام البلاشفة بعد أيام من استيلائهم على السلطة، بالكشف عن تفاصيل الاتفاقيات السرية التي كانت روسيا طرفا فيها .

ومن بينها اتفاقية سايكس ـ بيكو. وقد علم جمال باشا الحاكم العسكري العثماني لسوريا بتفاصيل تلك الاتفاقية بعد أسبوع وقرر استغلالها إلى أقصى حد ممكن. وفي يوم 13 نوفمبر كتب رسالة إلى فيصل يشير فيها إلى تقدم البريطانيين إلى عمق فلسطين ويسأله: «كيف تتخيل قيام حكومة عربية تكون مسؤولة عن إدارة العالم الإسلامي إدارة مستقلة وكريمة بينما يعلن الحلفاء أن فلسطين سوف تكون مستوطنة دولية دينية، وأن سوريا سوف تضم إلى فرنسا، والعراق إلى الحكومة البريطانية؟».

عرض ومناقشة: صلاح عويس