يتحدث المؤلف هنا عن لقاء تم بين لويد جورج، رئيس الوزراء البريطاني، والزعيم الصهيوني حاييم وايزمان عرض فيه الأخير تقديم خدمات اليهود الموجودين في فلسطين في حال قررت الحكومة البريطانية احتلال فلسطين. وهنا يشير إلى تحذير جورج لمارك سايكس.

وهو أحد قطبي اتفاقية سايكس ـ بيكو من تقديم أي تعهدات للعرب وبخاصة فيما يتعلق بفلسطين وذلك لعدم إغضاب الحركة الصهيونية وحرصاً على تناميها في ظل الرعاية البريطانية. ويلفت نظرنا هنا ذلك التناقض بين الوعود التي قطعت للعرب عبر هنري ماكماهون وما صدر عن لويد جورج من تحذير لسايكس.

وهذه النقطة لم تغب عن بال لورانس العرب الذي أخذ يتساءل عن حقيقة السياسة البريطانية اتجاه الأعمال التي يقوم بها الصهاينة في فلسطين من شراء الأراضي والاستيطان يرجح مؤلف الكتاب الذي نناقشه أن توماس إدوارد لورانس كان على علم بوجود اتفاقية سايكس ـ بيكو التي كان البريطانيون والفرنسيون يحافظون على سرية بنودها ولم يعلنوها بعد، ولكي يتقرب أكثر من الأمير فيصل بن الحسين شرح له فكرة عن مغزاها ونصحه بضرورة تطوير الخطط العربية لمد نطاق الثورة إلى الشمال وصولا إلى سوريا لإحباط المطامع الفرنسية في سوريا.

وكان لورانس يعتقد أن الحق العربي الناشئ عن الغزو هو الذي يستطيع إبطال الادعاء الفرنسي القائم على نفوذ تاريخي في المنطقة، ولذلك حرص فيصل على ضرورة الوصول إلى دمشق قبل نهاية الحرب العالمية الأولى.

وعندما انتقل الضابط البريطاني بيرس جويس من بلدة رابغ إلى بلدة الوجه في أواخر مارس 1917 أدهشه التغير الذي انتاب فيصل خلافا لما عرفه فيه من قبل. وكان الضابط تابعا للجيش المصري وقد جاء إلى رابغ في نوفمبر 1916 مكلفا بحماية المطار البريطاني الجديد والدفاع عن البلدة ضد الهجوم العثماني.

وذكر جويس أن جل اهتمام فيصل أصبح موجها إلى الشمال ورأى أن الاستيلاء على المدينة المنورة هو مهمة إخوانه عبدالله وعلي وزيد. وشعر جويس بالحيرة من اهتمام فيصل المفاجئ بسوريا وفقدانه الاهتمام بالحجاز، ويرجع ذلك إلى جهل الضابط بما قاله لورانس لفيصل، فكتب تقريرا بعد أسبوع يقول فيه: «لقد أصبح يبدي اهتماما ضئيلا بالمدينة وأعتقد أن مطامحه امتدت إلى مكان بعيد هو دمشق».

وفي يوم 14 ابريل ظهر لورانس في منطقة الوجه بعد غياب امتد إلى أربعة وثلاثين يوما. وكانت الوجه قد أصبحت أثناء غيابه مركزا للعمليات البريطانية، ووصلت الطائرات من ينبع والطيارون التابعون لسلاح الجو الملكي البريطاني في منتصف شهر مارس وتبعهم قائد السرب الميجور روس بعد ستة أيام، واستقر في وادي الحمد للبحث عن مدرج متقدم للطائرات يتيح لطائراته اكتساب مدى أبعد في طلعاتها لقصف خط سكة حديد الحجاز على بعد مئة ميل.

وانتقد لورانس التكتيكات البريطانية لاعتقاده بأن القصف الجوي فيه مضيعة للوقت وللقنابل، وأن الألغام أكثر قوة وتأثيرا على السائقين والأتراك بشكل عام، ولذلك فهو يرى ضرورة القيام بسلسلة دائمة من عمليات التدمير الصغيرة وهي أفضل وسيلة لتعطيل قطارات السكة الحديدية مما يؤدي إلى أن تصبح الحامية العثمانية في المدينة غير قادرة على التقدم نحو مكة ولا التراجع نحو دمشق.

وبعد يوم من عودة لورانس كان يجلس في خيمة فيصل عندما سمع نداء من خارجها ثم توجه فيصل نحوه وقد لمعت عيناه قائلا: «عودة هنا» وعودة أبوطايع في ذلك الوقت هو شيخ قبيلة الحويطات الذي كان لورانس يريد مقابلته منذ عدة شهور، وقد عرف بكراهيته الشديدة لجباة الضرائب الذين ظهروا في المنطقة بعد بناء سكة حديد الحجاز.

وفي عام 1908 احتدم الصدام بينه وبين العثمانيين بسبب دفع الضرائب ثم أصدرت السلطات العثمانية أمرا بإلقاء القبض عليه وإحضاره إلى مدينة معان بعد أن أطلق الرصاص على اثنين من الموظفين أرسلتهما السلطات إليه فقتلهما. وقد كان لهذا الرجل تأثير السحر على لورانس وأسرته شخصيته.

وعكست الخطة التي وضعها فيصل آثار نفوذ الشيخ عودة الطاغي، فقد كان على لورانس أن يتوجه بقيادة شيخ الحويطات نحو الشمال الشرقي من الوجه بعد خط السكة الحديدية بكثير إلى شمال الجزيرة العربية لشراء ألف ناقة وتوفير الطعام وعلف الجمال في الجفر على بعد نحو خمسة وثلاثين ميلا شمال شرق معان، وهي الآن مدينة كبيرة من مدن جنوب الأردن.

وكانت الخطة تقتضي إعداد المؤونة لقوة قوامها600 رجل بقيادة فيصل الذي كان من المقرر أن يصل في نهاية شهر يونيو 1917. وكان قرار البحث عن الأغذية ووسائل النقل في تلك المنطقة يهدف إلى مكافأة قبيلة الحويطات التي كانت تجوب المنطقة بين معان ومدينة العقبة.

وأثناء قيام لورانس وعودة بالمهام اللوجيستية كان على البريطانيين أن يقوموا بتحريك الأسلحة والذخيرة والمتفجرات والطعام إلى نقطة تقع جنوب غرب تبوك، ثم يقوم لورانس باستخدام الجمال التي يحصل عليها بنقل تلك الإمدادات إلى الجفر على أن تتم العملية، حتى يوم 10 يوليو وفق توقعات فيصل.

خلافات تكتيكية

قضت الخطة أيضا بأن تنطلق كل القوة بأكملها نحو واحة الأزرق على بعد خمسين ميلا شرق مدينة عمّان (وهي الآن مدينة كبيرة في الأردن وإن كان مؤلف الكتاب يهتم فقط بالقول إن بها آثار قلعة قديمة)، ومن هنا يحاول فيصل إثارة الدروز في الشمال وتحريضهم على إعلان الثورة وبدء العمليات ضد خطط السكة الحديدية. وكانت ذاكرة التاريخ تفيد بأن الدروز ثاروا مرتين ضد الأتراك في عامي 1895 و1910 وقد قمع الأتراك الثورتين بعنف، ولذلك رأى فيصل أن من السهل إثارة مشاعر الدروز مرة أخرى.

وكانت لدى عودة خطة أخرى بعد أن طلب من البريطانيين الاستيلاء على العقبة في شهر فبراير ولكنه أصبح بعد ذلك يأمل في إثارة المتاعب للأتراك حول معان وإجبارهم على الاستسلام في العقبة، غير أن خطة فيصل لاحتلال العقبة بإنزال بحري لرجال القبائل في أواخر يوليو من شأنها فتح الميناء بها وشق طريق للإمدادات للتأكد من حرمان الأتراك من تجويع قبيلة الحويطات، وقد كانت هذه الخطة مناسبة جدا لأجندة لورانس لتحويل الثورة إلى الشمال.

فضلا عن أنها تحل المشكلة الكبرى التي قد تنشأ عن هجوم محمول بحرا على العقبة وذلك بقيام عودة بمفاجأة الأتراك بالهجوم من البر، ولكن العقبة الرئيسية في وجه هذه الخطة تمثلت في موقف رئيسه غيلبرت كلايتون المشرف على المكتب العربي وعمليات الحجاز الذي رأى أنه يجب ألا يسمح لخطة فيصل ونواياه بأن تتدخل في العمل القائم بين أيديهم والهادف إلى هزيمةالأتراك في المدينة ومنطقة العلا ومداين صالح.

والذي يجب إنجازه حتى يصبح التحرك شمالا فاعلا تماما، وقد تأخر كلايتون في إعلان اعتراضاته الحقيقية على الخطة إذ كان يتوقع أن تصبح مدينة العقبة ذات خطورة بالغة في خطط الدفاع المستقبلية البريطانية عن مصر، ويخشى أن يؤدي احتلال رجال القبائل لها من أن يطالب العرب بالمدينة بعد ذلك.

أما لورانس فقد كانت لديه دوافع أبعد مدى من وراء دعمه لخطة فيصل إذ كان يعتقد أن العرب لن يستطيعوا الاستيلاء على المدينة بسرعة، وأن إضاعة الوقت في ذلك الهدف ربما يؤدي إلى تعزيز مطامع الأمير عبدالله، وإلى تحقيق مصلحة الفرنسيين الراغبين في حصر الثورة في الحجاز على حساب خطط فيصل الشمالية الهادفة إلى القضاء على كل أمل لدى الفرنسيين في احتلال سوريا.

ضغائن لورانس

وهنا يتهم جيمس بار مؤلف الكتاب الكابتن لورانس بالكذب في الصفحة 119 من الفصل العاشر من كتابه، فضلا عن أنه يتهمه بالكذب في أكثر من موضع وسوف نعود إليها، ولكنه هنا يتحدث عن تعارض أهداف لورانس وتأييده لنقل الثورة إلى سوريا، مع آراء زملائه ورؤسائه.

يقول المؤلف: لقد تحول لورانس إلى سلاحه المفضل وهو كتابة تقرير حافل بالضغينة، فأرسل إلى السير هنري ويلسون رئيس الأركان العامة الامبراطورية خطابا في يوم 16 ابريل يتهم فيه عبدالله بن الحسين «بأنه معجب بنفسه وكسول ومبذر وعاجز، وبأنه يطمع في اليمن لنفسه».

ويضيف الكتاب أن لورانس قال في خطابه، بلهجة توحي بأن تأكيدات عبدالله لا أساس لها: «إن عبدالله يقضي يومه في قراءة الصحف العربية وفي تناول الطعام والنوم والمزاح». واختتم رسالته بادعائه أن «عبدالله لا يصلح أن يكون قائدا عسكريا أو موضع ثقة ليقوم وحده بمهام مهمة من ذلك النوع».

وعندما عدنا إلى بعض المراجع التاريخية العربية وجدنا أنها تكاد تجمع على أن عبدالله كان يتمتع بذكاء بالغ وقدرة عالية على القيادة وكسب تأييد القبائل العربية ويؤكد ذلك أيضا جيمس بار في كتابه إذ يقول إن عبدالله كان في الحقيقة على العكس من ذلك ولا يمكن وصفه بعدم القدرة أو العجز، فقد تم تحت قيادته إنجاز نجاح عربي باهر في الكمين الذي أعده لطابور تركي بقيادة اشرف بك خارج المدينة في شهر يناير من تلك السنة.

ويكشف المؤلف عن هدف لورانس الحقيقي من مثل تلك الرسالة القبيحة، فيذكر أن ما كان يخشاه لورانس هو قيام عبدالله بإنجاز مهمة الاستيلاء على المدينة المنورة بسرعة بالغة إذا وفر له البريطانيون الأدوات اللازمة. وكان فيصل قد حذر لورانس في وقت مبكر بقوله: «رغم أن أخاه قد يجنح إلى الكسل ولكنه سريع عندما يتحرك».

ويرى مؤلف الكتاب أن القيادات البريطانية في القاهرة طرحت جانبا فكرة انتزاع الحجاز من العثمانيين وتحولت إلى تأييد الرأي القائل بدفع العرب نحو شمال الجزيرة العربية، ويعود السبب في ذلك إلى سلسلة من الأحداث تتجاوز بكثير مسألة الحجاز، ففي 11 مارس احتلت القوات البريطانية مدينة بغداد بعد حملة استمرت شهرين. وبعد أربعة أيام تخلى القيصر نيكولاس الثاني عن العرش بعد اضطرابات واسعة النطاق ثم التمرد في مدينة بتروغراد الذي أصاب الآلة الصناعية في روسيا بالشلل.

وفي بريطانيا أثارت أحداث روسيا قلق ديفيد لويد جورج رئيس الوزراء ذلك لأن تزايد المعارضة الجماهيرية للحرب لم يكن مقتصرا على روسيا وحدها وخشي لويد جورج أن يحتذي عمال بريطانيا حذو النموذج الروسي، فأراد التعجيل بإنجاز انتصار يرفع المعنويات العامة ويتقي خطر احتمال إثارة اضطرابات عمالية تؤدي إلى إصابة بريطانيا بالشلل مثل روسيا.

ولما كان رئيس الوزراء قبل ذلك من ألد أعداء الأتراك واحتضن لبعض الوقت فكرة شن هجوم بريطاني على سوريا، فقد أصبح في موقف أقوى لمتابعة فكرته بصفته رئيسا للوزراء، وبدلا من التعامل مع الاستيلاء على غزة باعتباره تحركا نهائيا في السياسة الحربية القائمة للدفاع عن مصر، بدأ يتصور الاستيلاء على تلك المدينة الساحلية باعتباره المرحلة الأولى للاندفاع نحو فلسطين.

وهذا الخليط من الاستيلاء على بغداد، واحتمال انهيار روسيا، والإغراء المتزايد لشن هجوم والاندفاع إلى فلسطين، كل ذلك كان له أثره على الثورة العربية. فإذا ما أبرمت روسيا سلاما مع تركيا سيختفي الضغط على جبهة العثمانيين الشمالية وسوف تزداد فرص الإمبراطورية العثمانية في الانتعاش واحتمال آثار الحرب ازديادا دراماتيكيا.

ويلي ذلك خطر ذو شقين فمن المحتمل أن يبرم العرب سلاما مع تركيا الأمر الذي أرادت بريطانيا منعه بدعمها للثورة العربية، ومن المؤكد أن العثمانيين سيصبحون قادرين على تحريك مزيد من القوات نحو بلاد ما بين النهرين وفلسطين مما يشكل خطرا في المدى القصير نتيجة امتصاص قوات بريطانية من الجبهة الغربية، أما في المدى الطويل فإن ذلك سوف يخرب خطط ما بعد الحرب البريطانية، الخاصة بالمنطقة.

وفي أوائل شهر ابريل 1917 استدعى لويد جورج مارك سايكس لمقابلته. وكان سايكس على وشك السفر إلى القاهرة بعد تعيينه المسؤول السياسي الرئيسي الملحق بقوة الحملة المصرية بعد توقع أن يؤدي سقوط غزة إلى إثارة تساؤلات حول المعاهدة التي تفاوض فيها مع فرانسوا بيكو.

وقال سايكس لرئيس الوزراء البريطاني أنه يأمل في إقامة علاقات مع القبائل المختلفة في فلسطين وإثارة حركة تمرد عربية إن أمكن في أقصى الشمال في منطقة جبل الدروز بهدف شن هجمات على خطوط الاتصال التركية وبشكل خاص على خط السكة الحديدية بين حلب ودمشق. وأثار ذلك خشية لويد جورج فطلب من سايكس ألا يلزم الحكومة البريطانية بأي إتفاقية مع القبائل قد تكون ضارة بمصالح بريطانيا وتغضب الفرنسيين.

وفي صباح ذلك اليوم كان لويد جورج قد اجتمع مع القيادي الصهيوني حاييم وايزمان، ولذا قال لسايكس «إن من الأهمية بمكان عدم إغضاب الحركة الصهيونية والاهتمام بإمكانية تطورها تحت الرعاية البريطانية» وكان وايزمان قد قال له أيضا إن يهودا كثيرين يعرفون فلسطين جيدا.

ويمكن الاستفادة بتوظيفهم في الميدان. ولما كان لويد جورج قد شغل سابقا منصب الوزير المسؤول عن الذخيرة، فقد كان على علم بأهمية خبرة وايزمان العلمية، في التوصل إلى طريقة لحل مشكلة نقص الاسيتون المكون الأساسي في إنتاج الكوردايت وهو متفجر لا دخان له استخدمته القوات البريطانية في كل رصاصة أو قذيفة أطلقتها. واتفق لويد جورج مع رأي وايزمان حول إمكانية الاستفادة باليهود.

وقال لسايكس بعد ذلك «أن اليهود قد يستطيعون تقديم مساعدة أكثر من العرب» كذلك كان حريصا على الاستفادة من حالة الفوضى الروسية، وطلب من سايكس بذل جهده لإضافة فلسطين إلى مجال النفوذ البريطاني. وكان الروس يصرون على ضرورة إخضاع فلسطين لإدارة دولية. وقبل أن يغادر سايكس كرر رئيس الوزراء تحذيره له قائلا: «ينبغي ألا تقدم أي تعهدات للعرب وخاصة بالنسبة لفلسطين».

ويعود المؤلف إلى سرد الشكوك الأخرى التي دارت حول ادعاء لورانس أنه قام برحلة في يوليو 1917 تعمق فيها داخل سوريا. فقد ذكر بعض العرب، ومن بينهم نسيب البكري، أن لورانس لم يأت وحده إلى الشمال على الإطلاق.

ونجد في المراجع العربية أن آل البكري في دمشق هم أسرة من الوطنيين القوميين السوريين الذين كانوا يناضلون مع غيرهم من أجل استقلال وطنهم ومن بينهم عطا باشا البكري ونسيب البكري من قدماء المشتغلين بالحركة القومية العربية. وقد أدى سكوت لورانس بعد ذلك عن ذكر شئ عن رحلاته المزعومة إلى إثارة التساؤلات عما إذا كان قد اخترع الرحلة إلى عمق الشمال السوري.

ويرى جيمس بار أن من المؤكد أنه استمتع بالغموض الذي أحاط بتلك الرحلة. وقد حيرّت أقوال لورانس روبرت جريفز مؤرخ سيرته الذاتية، فقد زعم لورانس أنه قام برحلة طويلة حول بعلبك ودمشق وحوران وفي نفس الوقت وصف التقرير الذي بعث به إلى كلايتون بأنه يحتوي على جزء من الحقيقة.

وقدم إلى جريفز نصا لا يمكن إدراك ما فيه ليغريه باستخدامه في السيرة الذاتية التي يكتبها على أمل تشجيع قراء جريفز على تصديق أن لورانس أنجز كل ما زعمه. وقد ظل البعض لعدة شهور واقعا تحت تأثير الفكرة القائلة بأن رحلة لورانس إلى العقبة لم تأخذه إلى أبعد من بلدة الطفيلة الواقعة جنوب الأردن.

اليهود و الأراضي

ويروي الكتاب قصة لقاء جرى بين لورانس في إحدى رحلاته إلى القاهرة، وبين مزارع تحول إلى جاسوس صهيوني اسمه آرون آرونسون الذي قال للورانس إن خطته تدور حول شراء اليهود للأراضي من غزة إلى حيفا للحصول على حكم ذاتي فعلي في تلك المناطق. وكان من الواضح أن لورانس لم يبد أي جهد لإخفاء شعوره إزاء هذه التدابير لأن آرون كتب في مفكرته بعد اللقاء أنه «بروسي معاد للسامية يتحدث الإنجليزية».

وكان كلايتون قد وجه سؤالا مباشرا إلى سايكس ليرشده كيف يتعامل مع الصهاينة، وكذلك فعل لورانس إذ أراد أن يوضح سايكس سياسة بريطانيا إزاء الصهاينة قائلا له: «الآن يريد فيصل أن يعرف (ومن الأفضل أن تصل المعلومات الخاصة به إلى أنا لأنني أحب في العادة أن أتخذ قراري قبل أن يفعل هو ذلك).. ما الذي وعدتم به الصهاينة؟

وما هو برنامجهم؟، وهل امتلاك اليهود للأراضي يتم من خلال عملية شراء منصفة أم هو بيع أو استيلاء عليها بالقوة؟». وتساءل لورانس: «وما دام اليهود نادرا ما يستخدمون عربا في مزارعهم، فهل يقترحون الطرد الكامل للفلاحين العرب أم خفض حياتهم إلى مستوى طبقة عمال المياومة».

وبعد ذلك تحول إلى الفرنسيين الذين قاموا في النهاية ـ بعد سنة من الوعود ـ بتقديم المدافع لمساعدة العرب. وقال لورانس إن فيصل تشكك في أن الفرنسيين قرروا فجأة تقديم المدافع لجعل العرب مثقلين بالديون فيما بعد. واختتم رسالته إلى سايكس بقوله: «أنت تعلم أنني مع البريطانيين، ولكني أيضا مع العرب، أما فرنسا فهي في المرتبة الثالثة عندي.

ولكنني أدرك تماما أننا قد نبيع أصدقاءنا الصغار لكي ندفع لأصدقائنا الكبار، أو نبيع أمننا المستقبلي في الشرق الأدنى لندفع ثمن انتصارنا في منطقة الفلاندرز (نرجو أن نلفت عناية القارئ الكريم إلى أن ذلك الاسم يطلق على الإقليم التاريخي في شمال غرب أوروبا الذي يضم أجزاء من شمال فرنسا وغرب بلجيكا وجنوب غرب هولندا).. ولو تخبرني مرة أخرى بما يجب أن نعطيه لليهود، وما يجب أن نعطيه للفرنسيين، سوف أقوم بكل ما في استطاعتي لأسهل الأمر علينا فنحن على شفا حفرة تقريبا، وأرجوك أن تخبرني بما تعتقد أنه الوسيلة الفعلية التي نجد بها مخرجا لنا».

استنكار سايكس ـ بيكو

بعد أن أنهى رسالته أرفق بها ملاحظة مرسلة إلى كلايتون يطلب فيها منه إعطاءها لمارك سايكس ويعترف بأن سبب كتابتها يعود بعضه حقيقة إلى التعطش لمعرفة المعلومات، أما البعض الآخر فهو الرغبة فقط في إيلام سايكس بكلمات كوخز الإبر.

وعندما قرأ كلايتون الرسالة قرر ألا يسلمها، وفي رده على ملاحظته شرح له الموقف مشيرا إلى أن اتفاقية سايكس ـ بيكو تلقى استنكار معظم الدوائر و«أصيبت بجرح خطير» بسبب الانهيار المستمر في المجهود الحربي الروسي والضغوط على بريطانيا وفرنسا من أميركا للتخلي عن أهداف حربهما الإمبريالية.

وأعرب كلايتون عن اعتقاده بأن الاتفاقية «في طور الاحتضار وأنها الآن مجرد نصب لا حياة فيه، ومع ذلك لا يجب أن نقتلها مراعاة للحساسيات الفرنسية». وكانت معارضة اتفاقية سايكس تتزايد في داخل الحكومة البريطانية حتى أن لويد جورج نفسه كان يتحرق إلى تعديلها للتخلي عن «فلسطين البريطانية».

غير أن الاتفاقية لم تصبح ميتة كما ذكر كلايتون، وأخذ سايكس يبذل جهودا حثيثة ليتوافق مع تغير الرأي العام ولو كان ذلك حتى لمجر د إنقاذ سمعته. وعلى مدى صيف ذلك العام 1917 وكرد فعل للنقد المتنامي لسياسة الضم أخذ يعمل على إجراء تعديل على الاتفاقية المنسوبة إليه يحتفظ بالحجاز كدولة مستقلة ذات سيادة. وفي يوليو قال لكلايتون إنه «سوف يندفع إلى باريس ليدفع الفرنسيين إلى تملق القضية العربية باعتبارها أملهم الوحيد» وأضاف قوله:

«إن الاستعمار جنون وأعتقد أنني وبيكو قدمنا لهم البرهان على ذلك» غير أن باريس لم تكن تحس بنفس الشعور السائد في لندن بأن اتفاقية سايكس ـ بيكو كانت أمرا مشينا عفى عليه الزمن، وأخذ الفرنسيون يقاومون الضغوط الرامية إلى إعادة دراستها.

ومع ذلك لم يكن رصيد سايكس غير ذي قيمة ففي وقت لاحق من تلك السنة وصفته صحيفة الأوبزرفر بأنه «أشهر مرجع عالمي في جميع القضايا الشرقية». وربما قرر كلايتون منع لورانس ـ الذي يعتبره سايكس معاديا له ـ من إثارة مشاعر عضو البرلمان الذي يستطيع تدميرهما معا بسهولة، بالإضافة إلى ذلك كان كلايتون يثق ثقة متزايدة في قدرة التقدم البريطاني إلى فلسطين على تدمير اتفاقية سايكس ـ بيكو.

هموم فيصل

ولابد أن لورانس تسلم رد كلايتون على رسالته بعد عودته إلى العقبة بعد إشرافه على غارة على المدورة وهي محطة بعيدة لسكة حديد الحجاز تقع في منتصف الطريق تقريبا بين معان وتبوك، وهي المصدر الوحيد للمياه بين هاتين المدينتين.

وكان هدف لورانس تدمير بئر المياه هناك، إلى جانب بث الألغام لتدمير أحد القطارات. وعند عودته من الغارة إلى ميناء العقبة وجد أن الموقف كئيب، فقد بدأت الطائرات الألمانية، التي كانت تتخذ قاعدة لها في معان، في قصف الميناء، ووقعت إصابات بين العرب، وبدا فيصل مهموما ويعتقد أن الحكومة البريطانية خذلته.

وكان الأمر الأساسي الذي يلوم البريطانيين بشأنه هو نقص المواد الغذائية والأموال، مما جعل بعض رجال القبائل، الذين كانوا يدافعون عن السهل بعد العقبة، يستسلمون للأتراك. ولم يندهش لورانس من مشاكل الإمدادات لأنه كان قد حذر كلايتون منذ شهر من صعوبة التمويل وإطعام جميع العرب الذين سوف يفدون على العقبة للانضمام إلى فيصل.

وعندما بدأ المئات من الرجال في الوصول يوميا لمبايعة فيصل، كتب لورانس يقول: «يبدو وكأننا أسأنا تقدير المتطلبات المحلية». ولم تكن تلك هي المشكلة الوحيدة، فقد استُدعي الأدميرال ويميس ـ الذي فعل الكثير لمساعدة الثورة في مراحلها الأولى ـ إلى لندن. ويذكر لورانس أن الشخص الذي حل محله فعل كل ما في وسعه ليعرقل كل شيء، فقد سحب ثلاثا من السفن التي كانت من قبل تنقل الإمدادات إلى الوجه.

ونتيجة لذلك اضطربت الإمدادات للعقبة حتى أن فيصل وصفها بأنها أصبحت غير منظمة بالمرة. واستمر الافتقار إلى الإمدادات طوال شهر سبتمبر حتى أن أحد الضباط قال في تقريره أن الخيول والبغال والجمال في العقبة لم تتناول أي طعام لمدة أربعة أيام نتيجة لعدم وجود الأعلاف، وقد بُذلت محاولات لإطعامها الأرز دون فائدة تذكر. وقد تأثر فيصل بشدة بهذه المشاكل وأصبح يخشى قيام الأتراك بالهجوم في أي وقت وعندها لن يجد حيوانا واحدا صالحا لنقل الإمدادات والذخيرة إلى قواته.