يكشف المؤلف في هذه الحلقة الجهود التي بذلتها بريطانيا وفرنسا لخداع العرب من خلال عقد اتفاقية سايكس ـ بيكو لاقتسام البلدان العربية في الوقت نفسه الذي قدم فيه المندوب السامي البريطاني في مصر ماكماهون وعودا وعهوداً للشريف حسين بمنح العرب استقلالهم إذا هم وقفوا إلى جانب الحلفاء وأعلنوا الثورة على الإمبراطورية العثمانية. ويتضح من الأسرار التي يكشفها الكتاب أن البريطانيين ما كانوا ينوون أبداً الالتزام بالوعود التي قدموها للعرب وهو ما دفعهم إلى إخفاء اتفاقية سايكس ـ بيكو عنهم والامتناع عن دعم العرب إلى الدرجة التي تجعلهم أقوياء على نحو يهدد مصالحهم وأطماعهم في المنطقة العربية ولهذا كانوا يعارضون قيام قوات الشريف حسين باحتلال المدينة المنورة ويعارضون إرسال قوات بريطانية لمساندة القوات العربية المرابطة في رابغ.
عندما شعر الشريف حسين أمير مكة بأن الإنجليز أخذوا يماطلون ويسوفون في تلبية طلب تزويده بالسلاح والمعدات حتى يستطيع مواجهة القوة العسكرية التركية في الحجاز والتي تفوق قواته من البدو البسطاء غير النظاميين، أدرك ضرورة إنشاء جيش عربي نظامي، فلبى دعوته عدد من الضباط العرب، ثم وصل إلى جدة عزيز بك المصري (عزيز باشا بعد ذلك) للقاء الشريف حسين والإشراف على تشكيل الجيش، وقد تمكن ومن معه من الضباط العرب من إنشاء قوة قوية اشتركت في المعارك التي دارت حول المدينة، ثم ترك عزيز المصري الحجاز وعاد إلى مصر. ولم نجد تعليلا أو أية معلومات عن عودة هذا القائد المصري في كتاب جيمس بار، ولكننا نجد في مصادر أخرى ما ينبئنا بأسباب انسحابه المفاجئ، ومن بين المصادر كتاب المؤرخ أمين سعيد عن الثورة العربية الكبرى الذي يقول فيه «إن كثيرين يذكرون أن السبب الحقيقي هو وجود خلاف سري نشب بينه وبين الإنجليز، فقد ألح عزيز المصري على الحسين في أن يطلب منهم إرسال المدافع التي غنموها في ميدان فلسطين. وأضاف عزيز بك قوله: «إن عندنا طائفة من المدفعيين تحسن استعمالها، ولما طال المطال ولم يرسلوا شيئا قال: يلوح لي أن الإنجليز يريدون القضاء على العرب والترك في وقت واحد وذلك بأن يتركوهما مهملين حتى يفنوا بعضهم بعضا، فلا الإنجليز يرسلون لنا القوى والمعدات لنضرب الترك الضربة القاضية ونحتل المدينة، ولا هم يتركوننا وشأننا فيقضي الترك علينا ونرتاح وينفردون بالعمل وحدهم». ويبدو أن أقوال عزيز المصري نقلت إلى الشريف حسين والإنجليز الذين ألحوا على الحسين في طلب إقصائه منتحلين بعض الأعذار، فأرسل الشريف تعليمات سرية إلى ابنه الأمير علي في رابغ بأن يوعز إليه بأن يطلب إجازة، فأدرك القائد المصري ما يجري في الخفاء فتقدم بنفسه لطلبها وعاد إلى مصر بعد أن أتم إنشاء ثلاثة أفواج من المشاة وثلاثة بطاريات مدفعية مختلفة الأحجام، وفوج هجانة، وبلوك مهندسين، وحل محله نوري السعيد في رئاسة أركان الجيش. وإذا عدنا إلى الكتاب الذي نناقشه نجد أنه يترك كل هذا فجأة ويتجه بنا إلى الهند في الفصل الرابع من الكتاب ليحكي لنا قصة أخرى اشتهرت باسم «الرسائل الحريرية».
رسائل من حرير... في الخامس عشر من شهر سبتمبر 1915 بعث اللورد تشيلمسفورد نائب الملك في الهند رسالة يحذر فيها لندن من اكتشاف أمر مزعج في الهند، فقد كانت الاستخبارات البريطانية في دلهي قد أرسلت إليه قبل أسبوعين ثلاث رسائل كتبت على قطع حرير صفراء وكانت قد سلمت إلى السلطات في شمال غرب الهند. وكانت تلك الرسائل قد كتبت في شهر يوليو في العاصمة الأفغانية كابول وهي تتحدث بالتفصيل عن مدى تقدم خطط تجنيد «جيش خلاص» إسلامي وقيام اتحاد بين ملوك المسلمين من أجل صالح الشخص الذي تخاطبه الرسائل في الحجاز. وعند التحقيق مع حامل رسائل الحرير تلك ذكر أن كاتبها هو عبيد الله سندي، وأن المرسل إليه هو محمود حسن. وكان اسم الأخير مألوفا لدى الكولونيل سيرل ويلسون الذي كان قد عين للعمل في الحجاز تحت اسم للتعمية هو «ضابط الحج». وقد سمع ويلسون أن محمود حسن هو الذي يقف وراء الكثير من المكائد التي دبرت ضد البريطانيين في الحجاز. وكان اسما الرجلين معروفين جيدا للسلطات في دلهي، فقد شغل محمود حسن منصب مدير كلية دينية مسلمة متشددة في شمال الهند، وله أتباع كثيرون. وكان عبيد الله واحدا من تلاميذه وظل مفقودا لأكثر من عام. وأكثر ما أزعج السلطات البريطانية هو كيف ظهر فجأة في كابول حيث كانت البعثة العسكرية الألمانية تحاول إثارة المشاعر المعادية لبريطانيا في مناطق الحدود الشمالية الغربية، وقد استطاع عبيد الله الإفلات من الاستخبارات البريطانية في لوكنو في شهر يونيو 1915 ولم يعد يراه أحد منذ ذلك التاريخ. أما محمود حسن فقد شوهد مؤخرا وهو يصعد إلى سفينة في بومباي متجهة إلى الحجاز.
وفي ذلك الوقت أعرب مفوض الشرطة في تلك المدينة عن شكه في أن سفر الرجل يهدف إلى أكثر من أداء فريضة الحج. وكان المفوض مصيبا في ذلك إذ أكمل حامل الرسائل في التحقيق المعلومات عن السنة الناقصة ومفادها أن عبيد الله ومحمود حسن التقيا أثناء الحج ثم توجها في نهايته إلى المدينة المنورة. وهناك وفي فبراير 1916 التقيا اثنين من الساسة الأتراك وهما جمال باشا قائد الجيش الرابع العثماني وأنور باشا وكيل القائد العام اللذان جاءا إلى المدينة في محاولة للضغط على الشريف حسين لدعم الدعوة العثمانية إلى إعلان الجهاد ضد بريطانيا وحلفائها. وقد حصل عبيد الله على رسالة موقعة من غالب باشا حاكم الحجاز العثماني يدعو فيها إلى الجهاد ثم عاد بعدها إلى أفغانستان، ولكن الرسائل الحريرية تبين أن محمود حسن ظل مقيما في الحجاز. وقد أراد عبيد الله أن يقوم محمود بتسليم اقتراحاته إلى الحكومة العثمانية لأن «هذه هي الوسيلة الوحيدة في رأيه لتوجيه ضربة مؤثرة إلى الملحدين في الهند».. وقد أراد كذلك ضم الشريف حسين كواحد من قادة جيشه. وقد رأى سير تشارلز كليفلاند مدير الاستخبارات في الهند أن خطة عبيد الله تبدو بعيدة الاحتمال. وبدعم من حكومة الهند كلف سيريل ويلسون بالبحث عن محمود حسن واعتقاله.
مخاوف جديدة
في نفس الوقت كان ماكماهون قلقا من وجود نفوذ أجنبي وافد من جهة أخرى، فقد وصلت إلى القاهرة بعثة عسكرية فرنسية في أول سبتمبر بقيادة الكولونيل إدوارد بريمون، وقد تلقى ماكماهون تفاصيل مختصرة من وزارة الخارجية البريطانية عن البعثة وأعضائها والهدف منها، وسارع بريمون إلى إعلان أنه ينوي مغادرة مصر مبحرا إلى جدة في منتصف الشهر. وأوضح بريمون بصراحة أن فرنسا مستعدة لإرسال قوات لدعم الشريف حسين. وقد أرسل ماكماهون برقية مذعورة إلى لندن يقول فيها إن البريطانيين «ملتزمون أخلاقيا» بدعم الحسين وإنهم (أي الفرنسيين) على وشك تحميلهم مسؤولية فشله. وطلب ماكماهون إرسال لواء ـ نحو أكثر من أربعة آلاف جندي ـ إلى بلدة رابغ الساحلية لشد أزر المقاومة العربية. وقال أيضا: «إذا عجزت بريطانيا عن المساعدة فإنني أعرف أن الحكومة الفرنسية مستعدة لإرسال قوات مسلمة إلى الحجاز الأمر الذي يجردنا من مزايا سياسية عظيمة يحققها لنا نجاح الشريف».
ويبدي جيمس بار في كتابه دهشته من أن بعض كبار المسؤولين البريطانيين لم يكونوا يعلمون بتفاصيل إتفاقية سايكس ـ بيكو إلا بعد فترة طويلة، ويضيف المؤلف أن ترتيبات الصفقة بين الحكومتين البريطانية والفرنسية كانت طي الكتمان حتى أن الحكومتين عمدتا إلى إطلاق اسم المتفاوضين عليها وهما: سير مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو، وكان الأول آنذاك شابا ونائبا في البرلمان البريطاني، أما الثاني فكان القنصل السابق لفرنسا في بيروت وقد خان القوميين العرب بتركه وراءه المراسلات التي دارت بينهم وبينه أثناء هربه من سوريا عند اندلاع الحرب. وقد وافق الروس على الاتفاقية التي توصلا إليها.
ردود فعل متباينة
وقد لقيت خطة سايكس تأييد البعض في لندن ولكن الرأي العام كان يرى أنه تنازل عن الكثير من المناطق للفرنسيين، وعلق مدير الاستخبارات البريطانية على ذلك بقوله: «يبدو لي أننا في موقف مثل موقف الصيادين الذين سلخوا جلد الدب قبل أن يجهزوا عليه». وثار جدل وتساؤلات حول ما إذا كانت إتفاقية سايكس تتوافق مع ما قدمه ماكماهون من وعود للشريف حسين. وقد ثارت التساؤلات حتى قبل أن ترسل إلى القاهرة رسميا بنود اتفاقية سايكس ـ بيكو يوم 27 ابريل عام 1916.
ويفسر مؤلف الكتاب عدم استخدام الاسم الحقيقي الرسمي للاتفاقية ـ وهو «الاتفاقية الأنجلو ـ فرنسية»، ونسبتها فقط إلى المتفاوضين الاثنين، بأن الهدف من ذلك هو إعطاء الانطباع بأنها مجرد اتفاق شخصي بين رجلين اثنين ومن ثم يمكن التملص منها بحجة أنها ليست اتفاقية ملزمة بين دولتين.
ويشير جيمس بار في الفصل الرابع من كتابه إلى أن الفرنسيين لم يعطوا الاتفاقية نفس درجة القوة التي منحها لها وصول بريمون إلى مصر في أول سبتمبر. وقد رحبت وزارة الحربية الفرنسية بالثورة العربية ترحيبا متحفظا ووصفتها بأنها «مفيدة للمصالح الفرنسية إلى حد ما» من حيث أنها قد تساعد على إفساح الطريق للتدخل الفرنسي وتعرقل الأتراك.
وبشكل عام نظرت فرنسا إلى نجاح العرب في الحجاز بحذر أكبر من بريطانيا، ذلك لأن مستعمرات فرنسا في شمال أفريقيا هي أيضا عربية وخشيت الحكومة الفرنسية من أن يؤدي نجاح الشريف حسين إلى أن تجد نفسها في مواجهة «إسلام مستعرب» في مستعمراتها يستمد قوة جديدة من انتصارات الثورة العربية تساعده على مقاومة الاحتلال الفرنسي.
أليس عجيبا ما يذكره جيمس بار في كتابه عن عدم الرضا عن اتفاقية سايكس ـ بيكو التي تقاسمت فيها فرنسا وبريطانيا الوطن العربي ومزقته تمزيقا عانت منه الأمة العربية ومازالت؟! ولما لم نجد من هذا المؤلف اهتماما كبيرا بردود الفعل العربية، فإننا نوجزها هنا في سطور إعرابا عن دهشة العرب من التواطؤ الاستعماري ضدهم، فقد كانت المفاوضات تدور في الخفاء بين بريطانيا وفرنسا لاقتسام بلادنا، ثم بين هاتين الدولتين وروسيا لتوزيع ما تبقى من الإمبراطورية العثمانية، كل هذا في الوقت الذي كان الإنجليز يضغطون فيه على الشريف حسين للوقوف إلى جانبهم في حربهم وحلفائهم ضد تلك الإمبراطورية ويمنونه بأماني كاذبة لم تكن بريطانيا تنوي الوفاء بها.
ولا يسعنا في هذا المجال إلا أن نستشهد بما جاء في كتاب «القول الحق» الذي ألفه كاتب بريطاني متخصص في الشؤون العربية هو ج. دي. لودر والذي ترجمه إلى العربية نزيه مؤيد العظم، ويذكر المؤلف فيه أن المراسلات بين الشريف حسين ونائب الملك في مصر بدءا من شهر يوليو 1915 ذات أهمية عظيمة لأنها تتضمن مستندات توضح العهود التي قطعتها الحكومة البريطانية، فضلا عن أن الوعود البريطانية لم تف بما طلبه شريف مكة.
وقد أثيرت مسألة هذه الوعود أكثر من مرة في مجلسي النواب واللوردات البريطانيين، وطالب الأعضاء والنواب الموالون للعرب في كل مناسبة بضرورة الوفاء بها وألحوا على نشرها فكانت الحكومة البريطانية تجيبهم بأن الأوان لم يحن بعد للنشر أو تعمد الحكومة إلى ادعاء أن بريطانيا وفت بما عليها للعرب.
أما الدكتور عبدالرحمن شهبندر أحد زعماء النهضة العربية في دمشق في ذلك الوقت فقد كتب مقالا نشرته مجلة المقتطف في شهر يونيو 1931 بعنوان «لورانس في الميزان» يرد فيه على «الاعتذار الذي قدمه بعض الكتاب عن التناقض المعيب في السياسة البريطانية» وكان يقصد بذلك أولئك الذين زعموا أن الذي حدث هو وجود دائرتين في وزارة الخارجية البريطانية استقلت كل منهما بواحدة من الاتفاقيتين دون أن تصارح إحداهما الأخرى. وأضاف كاتب المقال أن هذا من سقط الكلام ولا يليق حتى عن الصين في أعظم أيام نكبتها ناهيك عن أن ينسب إلى أعرق دولة في التنظيم السياسي وانسجام الخط الخارجي، ومما هو حري بالتدوين أن نائب الملك بمصر لما تلقى أمرا لعقد اتفاقية مع الحسين بن علي أرسل إنذارا إلى حكومته شديد اللهجة قال فيه: إننا بتأييدنا القضية الوطنية في بلاد العرب نعمل عملا محفوفا بأعظم المخاطر وأشد المهالك، لأن حرية العرب قد تنمو في أحد الأيام فتصير الغول الذي افترس صانعه في رواية فرانكنشتين»!!. ويقول الدكتور عبد الرحمن شهبندر:
«لما حدثت الثورة في روسيا في ربيع سنة 1917 نشر البلاشفة هذه المعاهدة فتناولها الترك ووزعوها في الأقطار الحساسة ذات التأثير في المصالح الإنجليزية. ورأينا في القاهرة في تلك الأيام السير مارك سايكس يعود من لندن ليخفف من سوء وقعها في الأوساط العربية وما قد تحدثه من رد الفعل، ولما اطلع عليها نوري السعيد دخل على لورانس فسأله أي العهدين سترتبط به انجلترا فأجابه بعد تردد نفساني عميق: «إنها ستحافظ على كلمتها لفظا ومعنى وإن العهد المتأخر يفسخ العهد المتقدم» ويضيف الدكتور عبد الرحمن قوله: «إن لورانس شعر بعد ذلك بخجل عظيم في نفسه على هذه المواربة فأراح ضميره فيما بعد بإطلاعه الأمير فيصل على جميع ما استكشفه من أسرار وزارة الخارجية البريطانية وآلى على نفسه أن يرفض جميع ما يمنح من الألقاب والرتب والأوسمة والأموال لأعماله الممتازة في الشئون العربية».
ويكشف المؤرخ أمين سعيد في كتابه عن الثورة العربية حقيقة موقف الحلفاء المراوغ والمعادي للعرب عندما توجه الكولونيل بريمون رئيس البعثة العسكرية الفرنسية إلى مدينة الخرطوم ومعه الكابتن جورج لويد (لورد جورج لويد رئيس وزراء بريطانيا بعد ذلك) واجتمع الاثنان مع السير ريجينالد وينغيت حاكم عام السودان وسردار الجيش المصري (والمندوب السامي البريطاني في مصر بعد ذلك). وقد ناقش ثلاثتهم إجراءات عسكرية متعددة وتضمن اتفاقهم أمرا ملفتا للنظر وهو: «عدم تشجيع العرب على أخذ المدينة (يقصدون المدينة المنورة) لأن أخذها يعزز فكرة الاتحاد العربي ويقويها مما يضر بمصالح الحلفاء».
ورغم ما يبدو على السطح من اتفاق بين بريطانيا وفرنسا، إلا أن صراعا خفيا كان يدور بين الدولتين، ويدلل الكتاب في كثير من المواضع على وجود ذلك الصراع من ذلك أن وجود سبيل للفرنسيين إلى الشريف حسين ـ كما يقول مؤلف الكتاب ـ أصاب البريطانيين بالقلق والإزعاج حتى أن رونالد ستورز مستشار ماكماهون في القاهرة قرر أن الوقت قد حان ليقوم برحلة أخرى إلى جنوب البحر الأحمر (أي إلى الحجاز) وكان متلهفا إلى حد كبير لتبادل حديث مباشر مع الشريف حسين حتى ولو تم ذلك لفترة محدودة عبر الهاتف بين جدة ومكة.
والمضحك في الأمر ما يذكره الكتاب عن أن الفرصة لاحت للمسؤول البريطاني لكي يرافق المحمل المصري إلى جدة على متن أكبر سفن أسطول البحر الأحمر واسمها يورالوس. والجدير بالذكر أن مصر في ذلك الوقت كانت ترسل كسوة الكعبة الشريفة إلى الحجاز هدية سنوية منها. وكان الهدف البريطاني من وراء تحميل الكسوة على بارجة حربية بريطانية يرافقها ذلك المسؤول البريطاني تنظيم موكب مهيب يرهب العرب ويشوش على الفرنسيين. ووصلت البارجة إلى ميناء جدة يوم 26 سبتمبر لتنضم إلى أسطول من السفن البريطانية والفرنسية الراسية في الميناء، وفي صباح اليوم التالي نزل ستورز وبرفقته الأدميرال روسلين ويميس فأدت التحية لهما بضع طلقات من بعض مدافع المورتر القديمة ثم استقبلهما كبار الشخصيات المحلية.
أزمة رابغ
كان الأمير فيصل بن الحسين قد انسحب من رابغ في ذلك الوقت بعد أن هدد الأتراك باحتلالها، وثارت عندئذ مشكلة واجهت الحليفين البريطاني والفرنسي: هل من الضروري إرسال قوات إلى رابغ كما طالب ماكماهون رسميا بذلك، وكان رئيس الأركان العامة الإمبراطورية والمستشار العسكري للجنة الحرب السير ويليام روبرتسون يعارض الفكرة واصفا إنزال قوات في الحجاز بأنه «قفزة في الظلام» فقررت اللجنة استطلاع آراء المسؤولين البريطانيين الكبار في المنطقة، فيما يحتمل حدوثه إذا فشل الشريف حسين.
وبتحريض من السير روبرتسون لرفض التدخل اعترض مود قائد قوة الحملة الهندية في بلاد ما بين النهرين، وادعى أن تأثير عودة سقوط مكة سيكون ضئيلا في العراق، وفي مصر قال أرتشيبولد موراي قائد قوة الحملة المصرية «إن سقوط الشريف سيكون بنفس ضآلة تأثير الجلاء عن غاليبولي أو الاستسلام في الكوت» وهو يشير هنا إلى الهزيمتين العسكريتين اللتين لقيتهما بريطانيا، ويرى جيمس بار أنها إشارة ماكرة من موراي أملا منه في أن تمنع السياسيين البريطانيين من الموافقة على التدخل. وفي الهند كان نائب الملك اللورد تشيلمسفورد لا يزال قلقا من اكتشاف الرسائل الحريرية.
وقد ذكر خمسة أسباب لعدم إرسال قوات تركزت حول ما يسببه التدخل من استياء في أوروبا، وخطر إطلاق شرارة الجهاد في أفغانستان، واحتمال القضاء على مطالبة الشريف بالخلافة إذا عُرف أنه يعتمد على الجنود البريطانيين، وبدا أن ماكماهون ووينغيت أصبحا معزولين في مواجهة هؤلاء المعارضين، ولكنهما حذرا لندن من تفجر اضطرابات في مصر والسودان والهند إذا سحق العثمانيون الشريف حسين، ومع ذلك خفف من وقع تلك التحذيرات وصول المحمل إلى الكعبة بسلام، ولم يصل المحمل التركي المنافس.
ويبدو أن وجهة نظر موراي هي التي حسمت المناقشات التي دارت في لندن، ومالبث وينغيت أن سمع من أحد سكرتيري الملك جورج الخامس أن رئاسة الأركان أصبحت تشعر بالخجل والخوف من الالتزام بأية مهام في الشرق بعد الهزيمة التي منيت بها في الدردنيل وبلاد ما بين النهرين، وكانت حجة قادة الأركان هي أنهم لو أرسلوا لواء فسوف يتوسع حتى يصبح فرقة ثم جيشا ثم حملة عسكرية في نهاية الأمر.
شكوك عربية
وإزاء الحيرة التي انتابت المكتب العربي في القاهرة ورئيسه غيلبرت كلايتون كتب لورانس انطباعاته عن الموقف في الحجاز حتى يستطيع كلايتون إرسالها إلى موراي رئيس الأركان، وقد هاجم فيها الجدل الدائر في العاصمة البريطانية حول إرسال قوات بريطانية إلى الحجاز قائلا إن القبائل العربية هي العمود الفقري للثورة وطالما هي صامدة في الجبال فلا حاجة لتعزيزات بريطانية، وإذا انهارت مقاومة رجال القبائل على الطريق الجبلية مع الافتقار إلى وسائل الاتصال بالعرب واقتراب الأتراك إلى نحو مائة ميل من رابغ فمعنى ذلك أنه لم يعد أمام البريطانيين غير وقت ضئيل جدا لإبحار قواتهم إلى رابغ ونشرها.
وأضاف لورانس أن أية محاولة للإخلال بتسلسل الأحداث هذا، بإنزال أعداد ضخمة من الجنود بينما العرب ما يزالون على صمودهم، سوف يكون لها أثر عسكري لأن العرب لديهم شكوك عميقة في النوايا الاستعمارية البريطانية في الحجاز، وإذا أنزل البريطانيون بالبحر قوة مسلحة في رابغ قادرة على الاستيلاء على المناطق المزروعة وتنظيم موقع لها هناك فإن العرب سوف يقولون إنهم تعرضوا للخيانة ثم يتفرقون إلى معسكراتهم.
واقترح لورانس أن يحتفظ البريطانيون بموقع على ساحل رابغ، وكان هذا الاقتراح هو بالضبط ما يريده الفرنسيون لأنهم كانوا يرفضون امتداد الثورة العربية إلى سوريا وتحديها لمطامع فرنسا فيها. وذكر لورانس أن الفرنسيين قالوا: «فوق كل شيء لا ينبغي للعرب أن يأخذوا المدينة (المنورة)، ويمكن تحقيق ذلك إذا نزلت قوات الحلفاء في رابغ وعاد رجال القبائل إلى أماكنهم التي جاءوا منها، وعندئذ نصبح نحن الحصن الوحيد للشريف حسين في مكة. وفي نهاية الحرب سوف نقدم له المدينة (المنورة) مكافأة له».
وكان لورانس يعتقد أن كراهية العرب لوجود مسيحيين في الحجاز تعود لأسباب سياسية لا دينية، ولذلك أوصى باقتصار المساعدة البريطانية على الطائرات وعدد قليل من المدربين الذين لا يمثلون تهديدا لاستقلال الحجاز. وعندما توجه لورانس بعد ذلك إلى منطقة الوجه كان على يقين بأنه أصبح من الآن مرتبطا بالأمير فيصل، وحتى يكتسب ثقته كشف له لأول مرة عن فحوى اتفاقية سايكس ـ بيكو لكي يشكك في أهداف بريمون المعادية للعرب.
وليس من المعروف بالضبط حجم المعلومات التي كان لورانس يعرفها عن الاتفاقية، فقد كان بعيدا في العراق في ابريل عام 1916 عندما سُمح لأول مرة بإرسالها إلى القاهرة، ولكن من الأرجح أنه كان على علم بوجودها وقدم لفيصل فكرة عن مغزاها. ونصح الأمير بوجوب تطوير الخطط لنشر الثورة إلى الشمال لإحباط المطامع الفرنسية في سوريا، وكان ذلك لاعتقاد لورانس بأن الحق العربي الناشئ عن الغزو هو الذي يستطيع إبطال الادعاء الفرنسي القائم على نفوذ تاريخي في المنطقة، ولذلك لابد أن يصل فيصل إلى دمشق قبل نهاية الحرب.
عرض ومناقشة: صلاح عويس



