رأينا كيف تطرق المؤلف لقضية القدس في مفاوضات كامب ديفيد ـ 2 وأشار في محاولة لإلقاء اللوم على الفلسطينيين إلى أن الرئيس عرفات عرض بعض التنازلات عن الأرض مقابل ما اعتبره المؤلف الثبات على موقفه بشأن القدس. وفي هذا المنعطف من الكتاب تتوالى العناصر التي تشكل رؤيته بشأن هذه القضية والتي كان تمسك عرفات بالموقف منها أحد الأسباب التي أدت بالفعل إلى فشل المفاوضات. كما تبرز أبعاد الموقف من قضية عودة اللاجئين والتي كانت من القضايا الأساسية التي ساد الخلاف بشأنها أجواء قمة كامب ديفيد ـ 2.

في معرض إلقاء التبعة على عرفات يقرر شلومو بن عامي أن عرفات كان يعلم جيدا أن السيادة الفلسطينية الكاملة على الحرم القدسي، والتقسيم الواضح للمدينة من المواقف المرفوضة بقوة من قبل إسرائيل، وعلى ذلك فإن مناورة عرفات مثلت ما يعتبره الصخرة التي تحطمت عليها المفاوضات. وإذا لم يكن من المطلوب هنا من شلومو بن عامي أن يتخلى عن يهوديته فإنه يبدو من السهل على القارئ أن يدرك المسكوت عنه في حديثه والخاص بإصرار إسرائيل على ابتلاع المدينة بالكامل وإن كان يمكن تفهم ذلك في إطار كونه مسؤولا عن ذلك الملف وأنه من الطبيعي أن يدافع عن موقفه خلال المفاوضات.

وهو الأمر الذي يلمسه القارئ بشكل مغطى من خلال إشارته إلى أنه إذا كان السلام مع الدول العربية إنما يقوم بشكل أساسي على حل قضايا الأرض، فإن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي يختلف إلى حد كبير حيث يتطلب الغوص في حله ما يسميه فك شفرة الصراع العربي ـ الإسرائيلي ككل، وربما الصراع الإسلامي ـ اليهودي ككل من خلال تناول تحديد ملكية الأماكن الدينية والتاريخية.

وهنا فإنه من الغريب أن شلومو بن عامي وهو الأكاديمي اليساري العلماني الذي عبر أكثر من مرة عن أنه لا يكره شيئا في السياسة أكثر من تركيز السياسيين على الرموز الدينية تحول هو ذاته إلى أحد أكثر الساسة تركيزا على هذه الرموز وهو ما يبدو في إضافته مصطلح الحفاظ على مقدسات إسرائيل في أي تسوية سياسية مع الجانب الفلسطيني. ويكشف ذلك عن التباين الحاد في مواقف المؤلف كأكاديمي حين أشار في إحدى محاضراته أمام طلبة قسم التاريخ في جامعة تل أبيب إلى أنه يعتقد أنه لا يوجد شيء اسمه حائط مبكي .

وأن الأحزاب المتدينة وبعض أوساط اليمين تتمسك بهذا المكان حتى تقطع الطريق على التوصل لأي تسوية في القدس وبين مواقفه حين انغمس فعليا في العملية السياسية حيث قاد الخط المتشدد أثناء كامب ديفيد وهو الذي اقترح على باراك، حسب مصادر إسرائيلية،أن تطالب إسرائيل بالسيادة على المنطقة التي تقع أسفل المسجد الأقصى بدعوى أنه في هذه المنطقة يوجد الهيكل المزعوم.

صلابة عرفات

بناء على ذلك يذكر المؤلف أن عرفات رفض بوضوح أن يكون الزعيم العربي الأول والوحيد الذي يقر بما يعتبره الحقوق اليهودية، وعلى هذا فقد كانت قضية اللاجئين والقدس والمقدسات الإسلامية هي موضع اهتمامه أكثر من الأرض، وقد كانت هذه القضايا هي العقبات الحقيقية التي حالت دون التوصل إلى اتفاق سواء في كامب ديفيد أو في طابا فيما بعد.

ومن الواضح هنا الطرح المغلوط الذي يقدمه المؤلف، فحتى بافتراض أن لليهود حقوقا، فإنه يتجاهل حقوق السكان الأصليين وهم الفلسطينيون، وإذا كان الحديث بشأن حقوق اليهود أمراً يدخل في دائرة المتنازع عليه بحكم التاريخ والواقع فإن الحقوق الفلسطينية واضحة للعيان، الأمر الذي أصرت إسرائيل على عدم الإقرار به.

ويبدو واضحا في تناول المؤلف باعتباره جزءاً من الكيان الإسرائيلي على الأقل بالنسبة للحظة التي يتناولها وهي مرحلة كامب ديفيد. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الموقف من قضية اللاجئين الذين ترفض إسرائيل عودتهم فيما تستقدم ملايين المهاجرين اليهود من مختلف أنحاء العالم. وهنا يتطرق شلومو بن عامي إلى القضية على النحو التالي. لقد سأل الرئيس ـ الأميركي ـ نبيل شعث عن الأمر قائلا: كم عدد اللاجئين الذين تعتزمون المطالبة بعودتهم؟

وكان الرد: نحو عشرة إلى عشرين في المئة من العدد الإجمالي. فكان السؤال التالي: ولكن هل تتوقعون حقيقة أن تقبل إسرائيل بعودة ما يتراوح بين 400 ألف إلى 800 ألف لاجئ؟ هل هذه هي الاتفاقية التي تتوقعون أن تشارككم إسرائيل فيها؟ فكان الرد: إننا نصر على حق عودة كل لاجئ إلى وطنه. جاء الرد هذه المرة من أكرم هنية المساعد المقرب لعرفات والذي شارك في كامب ديفيد.

ويصل المؤلف إلى الذروة في محاولة تحميل الفلسطينيين مسؤولية فشل كامب ديفيد فيشير إلى أن موقف المفاوض الفلسطيني يقوم على الرفض من دون التقدم بالبديل، الأمر الذي أدى بكلينتون، حسب رواية شلومو بن عامي، إلى مطالبة الوفد الفلسطيني بتقديم اقتراحات بديلة بدلا من الاقتصار على مجرد رفض المقترحات الإسرائيلية.

وهنا يستعين المؤلف بما نشره روب مالي مستشار الرئيس الأميركي من أنه: حقيقة، فإن الفشل الفلسطيني الأساسي ظهر منذ بدء مؤتمر كامب ديفيد وما تبعه حيث لم يكن الفلسطينيون يستطيعون سواء الإجابة بنعم على الأفكار الأميركية أو تقديم مقترحات مضادة بديلة مقنعة ومحددة.

مناورات باراك

غير أن المؤلف في محاولة لأن يبدو موضوعيا يشير إلى أن الفلسطينيين لم يحتكروا المناورات التكتيكية، ففريق باراك كذلك مارس العديد من هذه المناورات. فعلى سبيل المثال فإن رئيس الوزراء فشل في التعاطي بشكل واضح مع مركزية قضية القدس في المؤتمر، ولذلك فإنه بدا غير مؤهل أو جاهز للوصول إلى التنازلات المطلوبة من أجل التوصل إلى حل لها.

ثم يشير إلى خطأ نهج باراك في العروض التي قدمها في المفاوضات وهو الخطأ الذي يرى أنه يشوب مختلف مسارات ومراحل المفاوضات العربية الإسرائيلية حيث تبدأ إسرائيل بمواقف تفاوضية لا تمثل تلاقيا مع الحد الأدنى لمطالب الطرف الآخر ثم تبدأ في تقديم تنازلات محدودة تؤدي بها في النهاية إلى فقدانها مصداقيتها أمام الطرف العربي من ناحية، وسعيه إلى المزيد من ناحية أخرى على أساس عدم معرفته بالحدود القصوى للتنازلات التي يمكن أن تقدمها.

ورغم أن هذه قد تكون طبيعة المفاوضات، أي مفاوضات بين أي أطراف عربية أو غير عربية، إلا أنه يبدو أن سياق المفاوضات الذي سلكه باراك ينطبق عليه بشكل أو بآخر مقولة شلومو بن عامي، ورغم أنه يشير إلى أن باراك بدا أنه لم تكن لديه خطوط حمراء، إلا أن هذه المقولة من العمومية بمكان بما لا يثبت واقع المفاوضات صحتها حيث إن قضية القدس كانت تمثل أحد الخطوط الحمراء الذي لم يكن باراك أو غيره يقبل أن يتجاوزها.

وللتوضيح نشير إلى أن فكرة المؤلف تتلخص في أن باراك دخل مفاوضات كامب ديفيد باقتراح يقوم على أساس قبول دولة فلسطينية على نحو 66% من الضفة الغربية، وهى النسبة التي زادها فيما بعد لتصبح 87%، وليقبل بعد ذلك أيضا اقتراحاً من كلينتون خلال القمة بأن تكون النسبة 91%.

خطأ استراتيجية التفاوض

إن هذا التعاطي، وفقا للمؤلف، ينتهي بالفلسطينيين إلى تصور أنه أما أن باراك قدم كل هذه التنازلات ـ إذا اعتبرناها عربيا كذلك، وهى ليست تنازلات - فما المانع في أن يقبل بنسبة 100%؟ فالمشكلة أن المواقف التفاوضية التي تتخذها إسرائيل تكون غير واقعية من الأساس، مما يفقد الطرف العربي الشعور بجديتها ويدعوه إلى عدم قبول ما تعرضه باعتبار أنه لا يمثل الحدود التي يمكن أن تتوقف عندها إسرائيل عن تقديم المزيد.

وفي إشارة إلى ما يمثل خطأ في استراتيجية التفاوض الإسرائيلي مع الأطراف العربية يشير المؤلف إلى ما ذكره الدكتور أحمد أبو الغيط مندوب مصر في الأمم المتحدة ووزير الخارجية المصري الحالي في كلمة له أمام الجمعية العامة في 21 سبتمبر 2000 .

حيث تساءل عن السبب الذي يدعو الطرف العربي إلى تصديق إسرائيل والقبول بما تعرضه في ضوء حقيقة أنها بدأت رحلتها على مسار القضية الفلسطينية بإنكار جولدا مائير وجود شعب اسمه الشعب الفلسطيني، فيما أن الوفد الإسرائيلي في كامب ديفيد يوافق على تقديم الضفة الغربية لقيام دولة فلسطينية وتقسيم القدس ـ حسب اقتباس المؤلف من الكلمة فيما أن تقسيم القدس لم يكن قد تم طرحه من قبل إسرائيل حسبما يستفاد من سياق كلمة أبوالغيط.

من هذه النقطة يشير بن عامي إلى أن مؤتمر كامب ديفيد كان يمكن الإعداد له على نحو أفضل كما أشار إلى ذلك عدد من منتقديه. ويكشف عن أن مفاوضات استوكهولم السرية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي والتي مثل الطرف الأول فيها أبو العلاء وحسن عصفور فيما كان شلومو بن عامي نفسه أحد ممثلي الجانب الإسرائيلي حققت نجاحا كبيرا لم يكتمل بفعل صراعات داخلية على الجانب الفلسطيني.

حيث أدى تسريب رجال أبومازن أخبار هذه المفاوضات إلى جريدة (الحياة) في ذلك الوقت إلى القضاء على إمكانية تحقيق تقدم أكبر، إزاء اتهام ابو العلاء بتقديم تنازلات غير مسؤولة مما أدى به إلى العودة من استوكهولم وتوقف المفاوضات السرية.

وهنا يلقي المؤلف بجانب من اللوم على عرفات متهما إياه بالازدواجية، فقد كشفت انتفاضة الأقصى مثلا، حسب زعم شلومو بن عامي، أنه لم يستطع مقاومة إغواء العمل الثوري والتفاوض في الوقت ذاته، مجبرا شريكه في التفاوض في الوقت ذاته على تليين موقفه تحت ضغط التهديد بالحرب و«الإرهاب». وهنا فإن البديهية التي يغفلها المؤلف أنه أيا كانت التسمية التي نطلقها على مواجهة قوات احتلال فإن كافة الشرائع تقر بذلك الحق، سواء سماه هو إرهابا وأسميناه نحن مقاومة.

وفي محاولة لتأكيد مزاعمه يشير إلى أنه فيما كان يجري الإعداد لمفاوضات استوكهولم فقد حذرت أجهزة الأمن الإسرائيلية من أن جهاز عرفات الأمني وليس الجماهير فقط، مشغول بالإعداد لموجة من «الإرهاب». وعلى ذلك فإن نهج عرفات الثوري كانت له تأثيرات مدمرة على فرص السلام مع إسرائيل في ضوء فقدان الرأي العام الإسرائيلي الثقة في عملية سلام مصحوبة بموجات من العنف و«الإرهاب».

وقد كانت النتيجة المنطقية، وفقا للمؤلف، لهذا الموقف ميل الناخب الإسرائيلي إلى تأييد اليمين المتشدد، وعلى ذلك فإزاء كون عرفات هو المذنب في هذه التطورات فقد كان من الطبيعي أن يكون عقوبته رجل من نوع شارون. وهنا يتباكي شلومو على الشعب الفلسطيني قائلا إنه هو الضحية، رغم ان الحل يكمن ببساطة في تلبية المطالب المشروعة له الأمر الذي تملكه إسرائيل وليس عرفات.

قناة استوكهولم السرية

على إثر انهيار قناة استوكهولم بدأ عرفات يصر على الإعداد الجيد لقمة كامب ديفيد. وفي إشارة إلى وجود موقف متربض بعرفات من قبل المؤلف يعتبر أن هذا المطلب، وهو طبيعي بالنسبة لهذه القضايا، إنما يعني أن إسرائيل يجب عليها أن تقترب بشكل أكبر من المواقف الفلسطينية تخت ضغط تهديد الحرب.

في هذه الأثناء بدا أن الجانب الفلسطيني كان يريد أن يجرب حظه على طريق المفاوضات السرية مرة أخرى، وفي هذا الخصوص يشير المؤلف إلى أنه فيما قبل قمة كامب ديفيد مباشرة فإن أبوالعلاء عرض عليه مبادرة تقضي بتجديد قناة التفاوض السرية، على أن تكون هذه المرة في القاهرة، ووصل الأمر إلى حد أنه أبدى قدرا من المرونة غير أن المؤلف يشير إلى أنه فشل في إقناع باراك بخوض غمار مثل هذه المفاوضات الذي رفضها خشية أن يتأثر موقفه قبل انعقاد القمة.

ويقرر المؤلف أن نقص الثقة بين عرفات وباراك لم يكن عاملا مساعدا لجهة حلحلة المفاوضات، فباراك كان يشعر بأنه ليس لديه القدرة على التواصل مع عرفات، فيما أن هذا الأخير كان يشعر بالنفور من معاملة باراك له لدرجة أنه ذكر ذات مرة في لحظة توتر خلال مفاوضات كامب ديفيد أن باراك يعامله كعبد.

يواصل شلومو بن عامي عرض خبرته بشأن مؤتمر كامب ديفيد وما دار قبله وخلاله من مفاوضات ومواقف فيشير إلى أنه خلال لقاء في لشبونة قبل انعقاد كامب ديفيد حذر كلينتون باراك من أنه إذا فشلت القمة في كامب ديفيد فإن ذلك سوف يؤدي إلى تدمير اتفاق أوسلو.

وهنا وعودة مرة أخرى إلى إلقاء اللوم على عرفات يذكر المؤلف أن جانبا من ذلك يعود إلى تصلبه فيذكر أن عرفات كان يطلب من الأميركيين أكثر من مرة الإعداد للقمة، غير أنه لم يكن يريد تقديم أي شيء في المقابل ومن ذلك فإنه كان يصر على عدم التوصل إلى اتفاقات مؤقتة ومن ذلك تأكيداته للرئيس الأميركي أكثر من مرة أنه «لا اتفاقات محدودة أو اتفاقيات مؤقتة».

وتأييدا لهذا الأمر يشير المؤلف إلى ما ذكره أكرم هنية أحد المقربين من عرفات من أنه اقترح على عرفات شخصيا أن يتم تأجيل التفاوض بشأن القدس لمدة عامين والتوصل أولا إلى اتفاق بشأن القضايا الأخرى العالقة غير أن إجابته كانت أنه لن يؤجل حل قضية القدس ولو لساعتين اثنتين.

ويذكر المؤلف في هذا السياق أن عرفات وفريقه أصرا على التأكيد في بعض الأحيان على أنهم تم اقتيادهما إلى قمة مدريد على غير رغبتهما، ويصادق على هذه المقولة جزئيا غير أنه يشير إلى أنه رغم ذلك فإن تكتيكات عرفات بشكل دائم كانت تقوم على أساس التظاهر بأنه تم الضغط عليه للمشاركة في المؤتمرات والمفاوضات من أجل الضغط على خصمه للحصول على أكبر قدر من التنازلات.

تفاوت موازين القوى

بعيدا عن رؤية المؤلف وعن صحة هذا التوصيف، وقد يكون صحيحا إلى حد ما، إلا أن ما ينبغي التأكيد عليه في هذا الخصوص أن هذا التكتيك من قبل عرفات، بافتراض أنه لجأ إليه، وهو أمر غير معيب في كل الأحوال، لم يأت بالنتائج المرجوة في ضوء ما هو معروف وأشار إليه شلومو بن عامي نفسه في موضع سابق، من أن المفاوضات إنما تمثل في النهاية انعكاس لموازين القوى بين الأطراف المشاركة في عملية تفاوض.

وبهذه المناسبة نشير إلى الانتقادات التي وجهها الكثيرون على جانبنا العربي للرئيس المصري الراحل أنور السادات على أساس عدم اتباعه التكتيك نفسه ما أسفر عن عدم حصوله على التنازلات اللازمة، حيث كان أحد أسس استراتيجية السادات التفاوضية الإيحاء بأن الأمور كلها في يده دون التعويل على مواقف الشعب المصري أو حتى قوى المعارضة.

هنا في حالة السادات كان يمكن لهذا الأسلوب في التفاوض أن يأتي بحصاده لجهة الحصول على تنازلات أكبر من الخصم في ضوء توازن الأوراق التفاوضية التي كان يملكها الطرفان، مصر وإسرائيل، في عملية التفاوض الأولى، على عكس توازن القوى في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية.

غير أنه عود على بدء يشير المؤلف إلى أنه كان شاهد عيان على اقتياد عرفات على غير إرادة منه إلى المشاركة في مؤتمر شرم الشيخ في منتصف أكتوبر سنة 2000، وهو المؤتمر الذي كان يستهدف، حسب شلومو، إلى وقف الانتفاضة. لقد كان عرفات، الذي يصفه المؤلف، بأنه أستاذ في فن التملص ـ ما يشير إلى طبيعة النظرة التي تحكمه وجوهرها عدم الثقة ما لم يكن يوفر أجواء مواتية للمفاوضات ـ قد دشن حرب الإنهاك ضد إسرائيل على أمل أن يجني ثمارها لصالح القضية الفلسطينية.

وعلى ذلك فإنه لم تكن له مصلحة في المشاركة في مؤتمر شرم الشيخ غير أنه لم يجد أمامه سوى أن يخضع للضغط الدولي، ويشارك في المؤتمر، للتوصل إلى اتفاق يقضي بوقف الأعمال العدائية المتبادلة، الأمر الذي سرعان ما أفرغه من مضمونه بتجاهل ما تم التوصل إليه.

ولسنا في حاجة هنا إلى التأكيد على غياب النظرة الموضوعية لدى المؤلف، وهو الأمر الذي يكشف عن تباعد النظرتين العربية والإسرائيلية للقضية الفلسطينية في ضوء رفض إسرائيل الإقرار بطبيعة وجودها كسلطة احتلال اغتصب أرض شعب آخر. وتأكيدا على فكرته نفسها يذكر شلومو بن عامي أن عرفات والذي كان يتصور أن قمة كامب ديفيد تعد مصيدة أميركية ـ إسرائيلية له كرر التصرف نفسه مرة أخرى وكان هاجسه هو كيفية الإفلات منها.

استنساخ كامب ديفيد

في محاولة لدحض الانتقادات الموجهة لانعقاد قمة كامب ديفيد لجهة تباعد مواقف الأطراف ما كان ينبغي معه عدم تعليق آمال عليها من قبل الأميركيين أو الإسرائيليين يشير المؤلف إلى أن ذلك الأمر كان قائما كذلك خلال قمة كامب ديفيد 1979 .

ورغم ذلك فقد أثمرت عن اتفاق، ويبدو هنا أن من خطط لهذه القمة كان يتصور أن تكون على غرار كامب ديفيد الأولى من دون الأخذ في الاعتبار الاختلافات العديدة سواء في طبيعة القضية محل التفاوض أو الشخصيات المشاركة فيها. يشير المؤلف إلى أن لحظة الحقيقة خلال أعمال القمة كانت قد حانت وهو الوقت الذي يستدعي حسبه اتخاذ قرارات حقيقية، الأمر الذي من المفترض أن ينتهي بالقادة إلى اتخاذ قرارات جريئة ولو بطريقة راديكالية.

ويستدعي للإشارة إلى الفكرة التي يقصدها نموذج مناحم بيغين للدلالة على ذلك التحول في مواجهة مثل هذه المواقف، رغم أن النموذج المفترض في هذه الحالة هو السادات وليس بيغن باعتبار أن الأول هو الذي تحول راديكاليا لجهة التنازل لصالح إسرائيل وليس العكس حسبما يحاول شلومو بن عامي أن يوهمنا.

ما يريد المؤلف الإشارة إليه أن عرفات حين أصبح الوقت هو وقت القرار تراجع ولم يقدم ما هو مطلوب منه على صعيد قضية القدس، الأمر الذي يرى فيه الكثيرون في عالمنا العربي أنه أحد المواقف الأساسية التي تذكر لعرفات، باعتباره إصراراً على عدم التفريط في القدس.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق