لم يتصور أحد أن هذا الوباء يمكن أن يكون خطيرا بالدرجة التي تستوجب إعلان حالة طوارئ في العالم بأسره حتى حدث وأن تسبب في قتل 50 مليون شخص عندما تفشى بعباءته الإسبانية في عام 1918. الخطورة في هذا المرض، الذي يهدد الصغير والراشد والكبير على حد سواء،تكمن في حقيقة أنه يغير طبيعته ووشكله بشكل سريع للغاية، ومع كل تغير يطرأ عليه يتحول إلى وباء أكثر فتكا.
وعلى الرغم من الاحتياطات التي اتخذتها دول العالم منذ 1918 من أجل تفادي عودته مرة أخرى إلا أن الفيروس استطاع أن يعاود ظهوره مرتين منذ ذلك العام في صورة وباء الأنفلونزا الآسيوية في 1957 ووباء أنفلونزا هونج كونج في 1968.
مسؤولو الصحة في العالم يقولون حالياً إنه على وشك الظهور مرة أخرى. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو: هل نحن جاهزون هذه المرة؟ الإجابة على لسان مسؤولي منظمة الصحة العالمية هي أننا وللمرة الأولى منذ ظهور هذا الوباء القاتل مستعدون خير استعداد!
تقول مجلة «فوكس» نقلا عن مسؤولين في منظمة الصحة العالمية إننا للمرة الأولى لسنا عديمي الحيلة أمام هذا المرض الفتاك. فالعالم لديه الآن مضادات حيوية قادرة على التعامل مع الفيروس مثل تاميفلو وريلينزا، وهما عقاران، في حال استخدامهما بشكل صحيح وقبل تمكن المرض من جسم الشخص بوقت كاف، قادران على وقف انتشار الوباء بشكل فعال للغاية. وأضاف المسؤولون الذين لم يتم ذكر أسمائهم أن المنظمة حاليا لديها القدرة على تصنيع أمصال ضد المرض.
غير أن المجلة تشير إلى نقطة مهمة للغاية تتمثل في أن أسلوبي العلاج المتمثلين في وجود مضادات للفيروس والقدرة على تطوير أمصال مضادة تدور حولهما الكثير من علامات الاستفهام. فالمضادات الحيوية تحتفظ بأثرها الفعال لمدة 24 ساعة فقط،
ومن ثم فإن الشخص يتعين عليه المحافظة على جرعة منتظمة من المضادات الحيوية لمدة طويلة طالما أن التهديد الذي يمثله المرض موجود حتى يضمن عدم الإصابة بالمرض. والمشكلة في هذا الصدد تكمن في أنه لا يوجد هناك مخزون كاف يسمح للجميع بتناول هذه المضادات طوال فترة تهديد المرض.
والأهم من ذلك كله هو أن التجارب أثبتت أن فيروس المرض قد طور بنفسه أساليب لمقاومة ما يجري تناوله من مضادات حيوية، فقد ثبت أن الفيروس يستطيع مقاومة عقار تاميفلو، وهو المضاد الحيوي الأول الذي يفترض بأنه قادرعلى مقاومة المرض، وذلك على الرغم من أنه حديث التصنيع، إذ لم يجر تطويره إلا في عام 1999.
أما المشكلة المتعلقة بأمصال الأنفلونزا فتكمن في أن كل مصل منها يتعامل مع نوع واحد فقط من السلسلة المتعددة الحلقات للمرض، ومن ثم فإنه يجب أن يكون هناك مصل لكل نوع، ما يعني أنه يتعين علينا الانتظار حتى ظهور المرض قبل أن نعرف بالتحديد نوعية المصل الذي يجب تطويره.
و المشكلة هنا تتمثل في أن الأمر قد يحتاج إلى عام بطوله قبل أن ينجح العلماء في تطوير العقار المراد وبعد ذلك توفيره بأسعار معقولة وبكميات كافية.و يجمع الخبراء على أن هناك حاجة ماسة إلى مقاربة جديدة تماما لمشكلة الأنفلونزا.
وأخيرا ظهر خطان بحثيان مختلفان في التعامل مع المشكلة يقول العلماء إنهما يحملان بارقة أمل للتخلص من كابوس المرض بشكل نهائي. الخط البحثي الأول موجود في بريطانيا والثاني في أميركا. الخط البحثي البريطاني يتولاه البروفيسور نيغيل ديموك من جامعة وورويك.
ديموك قضى العشرين عاما الفائتة في تطوير ما أطلق عليه وصف: «الفيروس الحمائي»، وهو فيروس ينتمي للسلالة A من مرض الأنفلونزا، وهي السلالة التي فقدت 80% من موادها الجينية وأضحت تقريبا غير ضارة بأي شكل من الأشكال، ومن ثم فإنه لم يعد للفيروس القدرة على التكاثر داخل أي خلية من خلايا الجسم.
الأمر الإيجابي في هذا الفيروس الحمائي يتمثل في أنه ينتشر بين الخلايا المجاورة، الأمر الذي يعضد من فرص وصول الحماية إلى كل خلايا الجسم وفي الوقت نفسه يقلص من فرص انتشار الفيروس. يقول ديموك: «أي عدوى تصيب الجسم الإنساني هي عبارة عن صراع أو سباق بين الفيروس والدفاعات التي يتبناها الجسم لقتل الفيروس. والشخص يتملكه المرض فقط في حال كانت الدفاعات أبطأ من انتشار الفيروس».
ويضيف البروفيسور: «ما نفعله هنا هو أننا نقوم بعملية فرملة لتكاثر الفيروس وتطوير فعالية الدفاعات حتى تتمكن من التخلص من الفيروس قبل أن يتمكن هو من الجسم».يقول الخبراء إن هذا النوع من الفيروسات الحمائية له عدد كبير من المزايا التي تشمل الأمصال والعقاقير المضادة للفيروسات في آن.
ففي ضوء أنه يعمل على المادة الجينية، فإن هذا النوع من الفيروسات، على عكس الأمصال، يستطيع التعامل مع أي نسل من السلالة A لمرض الأنفلونزا. ومن المعروف أن السلالة A هي التي تسببت في كل أنواع أوبئة الأنفلونزا التي اجتاحت العالم على امتداد سنوات ومنها ينحدر فيروس أنفلونزا الطيور الذي أصاب العالم بالهلع في الفترة الأخيرة.
الميزة الأخرى تتمثل في أنه يبدو أن الفيروسات لا تطور مقاومة للفيروسات الحمائية بالطريقة التي تفعلها مع المضادات الحيوية والأمصال التقليدية. فقد أثبتت التجارب أن جرعة واحدة من هذا الفيروسات تحتفظ بفعاليتها لمدة ستة أسابيع، خلافا للعقاقير المضادة للفيروسات التي يلزم تناولها مرتين يوميا من قبل المريض ولمدة طويلة.
كما أن تلك الفيروسات تعمل بسرعة داخل الجسم بعكس الأمصال التي تحتاج إلى أسابيع حتى يشعر المريض بأثرها. حتى الآن لم يستطع ديموك تجربة الفيروسات الحمائية إلا على الفئران، غير أن النتائج كانت مشجعة للغاية. والآن يريد ديموك أن يجمع التبرعات الكافية لإجراء التجارب ذاتها على البشر. وإذا استطاع ذلك فإنه يمكن القول بأن العالم سيكون لديه منتج جديد لعلاج الأنفلونزا في غضون خمسة أعوام من الآن.
أما على الساحة الأميركية، فالأبحاث تتم في جانب مختلف يتمثل في تطوير جزيء بروتيني صغير يمكنه منع فيروس الأنفلونزا من دخول الخلايا التي يستطيع من خلالها السيطرة على الجسم ومن ثم حرمانه من التكاثر وإصابة عدد أكبر من الخلايا.
و تجري بحوث مكثفة في هذا الشأن في جامعة ويسكونسون-ماديسون الأميركية وجرى نشر ما تم من أبحاث في دورية «جورنال أوف فيرولوجي», وهي صحيفة تغطي التطورات الحاصلة في علم الفيروسات. و حتى الآن لم يتم بعد التوصل إلى نوعية الجزيء البروتيني المراد
وذلك لأن فيروس الأنفلونزا يستخدم نوعا خاص من الحمضيات الثقيلة والحادة التي يستطيع بها دخول واختراق هياكل الخلايا. غير أن الفكرة نفسها تم تجريبها بنجاح مع الفئران المصابة بفيروس أنفلونزا الطيور، مما يبشر بإمكانية نجاح الأمر نفسه مع البشر.
ولا شك، وفقا لمجلة «فوكس», أن تطوير مثل هذا النوع من الجزيئات التي تمنع دخول الفيروس يعد أفضل بكثير من تطوير الأمصال والعقاقير التقليدية لأنه يتعامل مع الفيروس في أولى مراحله ويمنعه سواء من التكاثر داخل الخلية أو من مغادرة الخلية المستضيفة له مثل عقار تاميفلو.
و يعتقد الباحثون أنه يمكن التوصل إلى هذا الإنجاز وتجريبه على البشر في غضون خمسة أعوام من الآن.و على الرغم من أن هناك بعض الإجماع على أن الفيروس الحمائي سيكون فعالا بشكل كبير، إلا أن خبراء الطب يؤكدون على أن السبيل الأكيد لمكافحة المرض هو وجود تشكيلة واسعة من العقاقير والأمصال التي يمكنها أن تعمل بالتوازي مع بعضها البعض لمكافحة المرض بشكل فعال.
إعداد: حاتم حسين

