يتحرك مؤلفا الكتاب، في هذا المنعطف منه، عبر محورين محددين، أولهما هو إلقاء الضوء على الصلة الوثيقة التي ربطت الرئيس الفرنسي جاك شيراك بلبنان ورئيس وزرائه الراحل رفيق الحريري والثاني هو التصدي للجهود التي بذلها شيراك للحيلولة دون غزو العراق، وهو الغزو الذي كان يرى بوضوح بالغ أنه سيسفر عن العواقب الوخيمة التي نلمسها على الأرض اليوم.
في عام 1987 كانت قضية الرهائن الفرنسيين في لبنان تمثل إحدى أهم القضايا المطروحة على الحكومة برئاسة جاك شيراك. ويومها قدّم لوزير خارجيته جان برنار ريمون نصيحة بذلك الشأن مفادها قوله: «أعرف شخصا رائعا، فلا ترهق نفسك بتحليلاتك حول الشرق الأوسط، ما عليك إلا أن تقرأ هذه الورقة وتتبع ما فيها من نصائح». كانت تلك «الورقة» هي: «مذكّرة أعدها رفيق الحريري حول لبنان والشرق الأوسط».
ويشير مؤلفا هذا الكتاب إلى أن جاك شيراك كان يلتقي كثيرا خلال تلك الفترة مع رفيق الحريري «خارج الأطر البروتوكولية» في مقر رئاسة الحكومة أو في بلدية باريس. وينقلان عن أحد مستشاريه قوله: «كان ـ أي رفيق الحريري ـ أحد زائري يوم الأحد. وكان شيراك يرى تلك المنطقة من خلال المنظور اللبناني». وهذا ما يعلقان عليه بالقول: «كان ذلك المنظور يعزز حذره مثلا حيال منظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها ويعتبرهما مسؤولين عن الحرب الأهلية التي خرّبت بلاد الأرز».
وفي نهاية عقد الثمانينات، تسلّم رولان دوما وزارة الخارجية الفرنسية من جديد، وكان صديقا قريبا لفرانسوا ميتران. التقى دوما بالحريري الذي دعاه لزيارة منزله الباريسي. وعند بداية الحديث قال الثري اللبناني لوزير خارجية فرنسا: «علي أن أخبرك شيئا وهو أنني صديق جدا لجاك شيراك». فأجابه دوما: «شكرا لأنك أفضيت لي بذلك. لكن هذا لا يغيّر أي شيء في علاقتنا». التقى دوما بعد عدة سنوات برفيق الحريري في بيروت عندما كان رئيسا للوزراء واستقبله بحرارة كأنه «صديق شخصي».
روايات متنوعة
يشير المؤلفان إلى أن جاك شيراك أحسّ بخيبة أمل كبيرة عندما «خانه» إدوار بالادور الذي رشّح نفسه منافسا له في الانتخابات الرئاسية لعام 1995 وكان صديقه منذ 30 سنة، كما خانه العديد من الذين كانوا مخلصين له بحيث تكوّنت لديه القناعة أن له «حلفاء» و«مستشارين» ولكن «ليس أصدقاء»... مع استثناء واحد هو رفيق الحريري الذي قال عنه:
«إنه لم يخل أبدا بصداقته معي». وكان «هرفيه دوشاريت»، وزير خارجية فرنسا الأسبق قد أشار إلى «المكانة الفريدة» التي كان يتمتع بها رئيس وزراء لبنان الراحل لدى جاك شيراك، إذ وصفه بـ «الصديق» ـ مع «الـ «التعريف ـ وأضاف كان «هناك شيء ما يربط بينهما».
وبدا من الصعب تحديد ذلك الـ «شيء ما» لاسيما أن هناك الكثير مما «يباعد» بينهما. فشيراك متوقد ومشبوب بالحماس وسريع الحركة بينما أن الحريري بارد ومنحفظ وهادئ يبدو وكأنه في حالة تأمل مستمر للبشر وللعالم. وشيراك خريج المدرسة العليا الفرنسية للإدارة، التي تخرّج عددا كبيرا من كبار مسؤولي فرنسا .
وبالتالي وجد نفسه مندمجا بسرعة في أعلى دوائر السلطة، أما الحريري فقد حصل تعليمه بوسائله الشخصية وجمع ثروته من الأعمال في المملكة العربية السعودية، وكان الرجلان يتفاهمان في البداية باللغة الإنجليزية غالبا فالحريري لا يجيد الفرنسية. باختصار «كان كل شيء يعارض بينهما باستثناء البساطة في التعامل والحس السليم» ومع ذلك «كانا كأخين» حسب تعبير أحد مستشاري شيراك.
كانت لقاءات الرجلين مستمرة. وقد زار شيراك لبنان وهو رئيس أربع مرّات، وكان ينزل غالبا في قصر «قريطم» العائد للحريري. بينما زار الحريري باريس 14 مرّة منذ أن أصبح رئيسا للوزراء عام 1995 وتركه لهذا المنصب عام 1998. وهذا العدد لا يتضمن «المرور الخاطف» المتكرر لقصر الاليزيه خلال تلك الفترة.
وكانت اتصالاتهما الهاتفية متكررة. وفي الوقت الذي تعوّد فيه جاك شيراك على أن تكون أحاديثه الهاتفية مع المسؤولين الأجانب مسموعة وبوجود أحد الدبلوماسيين كانت مهمته أن يعدّ محضرا للمحادثة، فإن أحاديثه مع الحريري «بقيت طي الكتمان».
فما هو أصل العلاقة بين الرجلين؟
هناك «روايات متنوعة»، كما يشير مؤلفا هذا الكتاب، وحيث ان شيراك اكتفى عادة بالقول: «لقد تعارفنا منذ فترة طويلة» أو «لقد تعارفنا بالصدفة منذ وقت طويل». وينقل المؤلفان عن رفيق الحريري تصريحه لصحيفة «ليبراسيون» الفرنسية ذات مرّة:
«لقد عرفته ـ شيراك ـ عندما كان رئيسا للبلدية. وقد جاء معي إلى منطقة الكوت دازور ووجدته رجلا ذكيا وودودا ومثقفا. إنه رجل مخلص». وتتم في هذا السياق رواية أن الحريري، عندما سمع بالإعاقة العقلية لدى لورنس، الابنة البكر لأسرة شيراك، قام بنقلها على متن طائرته الخاصة من أجل استشارة أطباء نفسانيين. هكذا دخل إلى الدائرة الحميمة التي كانت تضم عددا قليلا من الناس من بينهم شارل باسكوا والعاهل المغربي الراحل الحسن الثاني.
ويؤكد المؤلفان في هذا السياق أن زيارة قام بها العاهل السعودي الراحل الملك فهد بن عبد العزيز قد دفعت شيراك للاهتمام أكثر بصديقه الثري اللبناني، إذ أصيب شيراك، وكان يومها رئيسا لبلدية باريس، بالدهشة لوجود الحريري وراء الملك عند زيارته لمبنى البلدية.
وهذا ما عبّر عنه رفيق الحريري للصحافية رندة تقي الدين بالقول: «لقد أصيب بالدهشة إذ أنني لم أكن قد حدّثته أبدا بأنني كنت قريبا من الملك إلى تلك الدرجة». وبالمقابل قال أحد مستشاري شيراك السابقين عن تلك الزيارة: «لقد كان مأخوذا بقدرة الحريري على الصمت وبرأيه السديد عندما كان يُطلب رأيه حول أي موضوع».
وكان الملياردير اللبناني الراحل يضع الرئيس الفرنسي وقبله الصديق شيراك بصورة الكثير من خفايا منطقة الشرق الأوسط، لاسيما وأنه كان أحد العارفين بتلك الخفايا. وكانت له صداقات مع أصحاب القرار الذين كان من بينهم عبد الحليم خدّام، نائب الرئيس السوري سابقا، والذي كان ينزل في بيته كلما جاء لزيارة باريس. كما أن ابنه جمال تعاون معه كشريك، كما يشير مؤلفا هذا الكتاب.
وينقل المؤلفان عن جاك شيراك قوله ذات يوم لمعاونيه في دار بلدية باريس: «إن ذلك الذي سيصبح رئيس وزراء لبنان هو أحد أعز أصدقائي». وعندما عاد الاشتراكيون إلى الحكومة في فرنسا عام 1997، أظهر مستشارو ليونيل جوسبان قناعتهم بأن الحريري كان «يقدم مساعدات مالية كبيرة» لجاك شيراك.
وهنا يفتح المؤلفان قوسين ليكتبا: «أن جميع أولئك الذين كانوا يترددون على الثنائي الفرنسي ـ اللبناني قالوا انه من الخطأ الكبير اختزال رابطتهما إلى مجرد قصة مبالغ كبيرة من الأموال»، وذلك على أساس أن رفيق الحريري لم يكن الثري الوحيد القريب من وريث الديغولية.
نظريات ومواقف
يتم التركيز في هذا السياق أيضا على الاهتمام الذي أولاه شيراك تاريخيا للبنان وحيث أكد أحد المستشارين المقرّبين منه القول: «إن لبنان، إلى جانب المغرب، هو الدولة العربية الوحيدة التي يوليها اهتمامه»، كما أن مختلف النظريات التي يخرج بها شيراك حيال لبنان تعود غالبا لـ «صديقه».
هكذا مثلا اتخذ موقفا مناوئا للجنرال ميشال عون الذي كان قد رفض اتفاق الطائف وكان الحريري من الذين ساهموا كثيرا بصياغته، بل ولم يلتق شيراك بالجنرال عون إلا بعد اغتيال رفيق الحريري، ومصادفة في بيت الحريري بباريس أثناء لقاء للاحتفال بذكراه. بل لم يتعرّف عليه شيراك يومذاك إلا بعد أن أسرّ له باسمه غسان سلامة، وزير الثقافة اللبناني السابق، وعندها صافحه.
ويؤكد مؤلفا هذا الكتاب أن رفيق الحريري كان وراء «التقريب» بين الرئيس الفرنسي جاك شيراك والرئيس السوري الراحل حافظ الأسد. وغدا «رئيس الوزراء اللبناني يمارس نفوذا متزايدا على السياسة العربية لفرنسا».
وكان شيراك قد تعوّد أن يرسل كل مدير جديد لإدارة إفريقيا والشرق الأوسط في الدبلوماسية الفرنسية للقاء صديقه رفيق الحريري ويستمع منه إلى آرائه ونصائحه. بل لا يتردد المؤلفان في القول ان «صديقه اللبناني» كان أحد الذي أستلهم منهم خطابه الشهير الذي ألقاه في جامعة القاهرة عن «سياسة فرنسا العربية». وينقلان عن أحد المقرّبين من الحريري قوله:
«كان ذلك ـ خطاب القاهرة ـ نتيجة عدة جلسات لتبادل الآراء ووجهات النظر حول لبنان كما حول المشكلة الفلسطينية». وتتم الإشارة هنا إلى أن رئيس الوزراء اللبناني الراحل لم يكن بعيدا عن العمل لإنجاز الزيارة التي قام بها الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إلى باريس بتاريخ 16 يوليو 1998، وكانت الزيارة الأولى لرئيس سوري.
وبعد رحيل رفيق الحريري عن رئاسة الحكومة عرفت العلاقات بين باريس وبيروت ودمشق «بعض الجمود». وينقل المؤلفان عن جاك شيراك أنه كان يكرر القول للدبلوماسيين الفرنسيين: «لا تذهبوا لرؤيته ـ المقصود هو إميل لحود ـ فرؤيته لا تفيد في شيء». وعندما كان بعض الدبلوماسيين يلحّون أنه لا بد من لقاء رئيس جمهورية لبنان عند زيارته لينتهي الأمر بجاك شيراك إلى القول: «حسنا اذهبوا لرؤيته ولكن لا تبلغوه تحياتي!».
وبقي الممثل الحقيقي للبنان في باريس هو «باسيل يارد» المحامي الشخصي لصديقه رفيق الحريري. وبعد وفاة الرئيس حافظ الأسد في شهر يونيو 2000، وعودة رفيق الحريري إلى رئاسة الحكومة اللبنانية في شهر أكتوبر من السنة نفسها» أصبحت الدبلوماسية الفرنسية في الشرق الأوسط متعلقة أكثر من أي وقت مضى بأشخاص». وكانت صفحة جديدة قد افتتحت.
العاصفة العراقية
كانت الحرب على العراق هي الحدث الأكبر خلال الفترة الرئاسية لجاك شيراك ما بين عام 1995 وعام 2003.
في الرابع من فبراير 1998 اتهم صدام حسين «اللجنة الخاصة» لنزع سلاح العراق التابعة للأمم المتحدة بأنها «عش جواسيس تابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية». «وكان ذلك صحيحا جزئيا»، كما يعلق المؤلفان. وكانت الولايات المتحدة الأميركية قد أخذت بتعزيز حضورها في المنطقة وتهدد بتصعيد استخدام القوة ضد النظام العراقي. وكان شيراك يريد تجنب الضربة بسبب «نتائجها الوخيمة» على المنطقة، المضطربة أصلاً.
وعلى مثل تلك الخلفية بعث رسالة لصدام «ذكّره بالتزاماته وأنذره بمخاطر كبيرة التي يعرّض بلاده لها إذا لم يعدّل من مواقفه». وكان التعليق الأول للرئيس العراقي المخلوع هو: «كان ـ أي شيراك ـ يناديني سابقا قائلا: «يا صديقي العزيز. فلماذا لم يكتب: يا صديقي العزيز». كان شيراك يبدأ رسالته بعبارة: «السيد الرئيس».
وبناء على اقتراح من فرنسا توجّه «كوفي عنان»، الأمين العام للأمم المتحدة إلى بغداد في 20 فبراير 1998 على متن طائرة «فالكون 9000» وضعها شيراك تحت تصرفه. ويؤكد مؤلفا هذا الكتاب أنه خضع لضغوط كبيرة من قبل «مادلين أولبرايت» وزيرة خارجية أميركا آنذاك التي كانت مستاءة من المبادرة الفرنسية.
واتصلت بالأمين العام للأمم المتحدة في ساعة متأخرة من الليل كي تطلب منه عدم التوقيع على أي اتفاق مع صدام حسين. لكنه تابع مهمته وتوصل بعد ثلاث ساعات من المحادثات مع صدام إلى اتفاق يقضي بقبول العراق قيام مفتشين مؤلفين من دبلوماسيين كبار وبعض أعضاء لجنة مفتشي الأمم المتحدة بـ «تفتيش المواقع الرئاسية».
هكذا أمكن يومها «تجنب» قيام الحرب، مؤقتا على الأقل. وقوبل «عنان» عند عودته إلى نيويورك كـ «منتصر» من قبل العاملين في منظمة الأمم المتحدة. أما جاك شيراك فقد «ارتفعت شعبيته» لدى الرأي، ولقد وعى الرئيس الفرنسي الدرس جيدا وهو أن موضوع العراق يمكن أن تكون له آثاره المباشرة على الصعيد الداخلي الفرنسي.
في عام 2003 عندما حاول جاك شيراك من جديد تجنب انفجار العنف في هذه المنطقة من العالم ووضع نفسه في موقع قائد «معسكر السلام» ضد جورج دبليو بوش، الداعي للحرب، قوبل الرئيس الفرنسي بسيل من الاتهامات، خاصة من الأميركيين، بأنه يريد إنقاذ صديقه العراقي القديم «تحت غطاء مبادئ كبرى»، بل وشجب خصومه النشاط الذي يقوم به واعتبروه كـ «مدين يقوم بتسديد ديونه التي ترتبت عليه خلال سنوات السبعينات أو كصاحب متجر تجذبه أرباح المستقبل».
مثل هذه الاتهامات يصفها مؤلفا الكتاب بأنها «ظالمة»، فـ «جاك شيراك عام 1998 ليس هو جاك شيراك عام 1975 أو عام 1986 (فترات لقاءاته الحميمة مع صدام حسين). ذلك أن الرئيس الفرنسي، ومنذ وصوله إلى قصر الاليزيه، أصبح يرى في النظام البعثي العراقي «مصدر تشوش»، لكنه احتفظ مع ذلك ببعض الإعجاب بشخصية صدام حسين وكان يروي غالبا قصة هربه بعد اشتراكه بمحاولة اغتيال الرئيس العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم.
وكان شيراك يصل في محصلة حديثه عن صدام إلى القول انه لا فائدة من اللجوء إلى الصدام مع مثل هذا الرجل وإنما بالأحرى الحوار معه. لكن شيراك توقف عندئذ في أن يرى به باني العراق الحديث. وكان شيراك يردد: «لقد تطور ـ أي صدام ـ بشكل سيء. ولا شيء يُرجى من مثل هذا الشخص».
أما نقطة الانعطاف في نظرة جاك شيراك لصديقه صدام حسين فيتم تحديدها في غزوه للكويت في مطلع شهر أغسطس من عام 1990. ولم يتردد شيراك في إدانة ذلك الغزو من البداية ولم يتردد أيضا في الموافقة على مشاركة فرنسا في الائتلاف العسكري الدولي المناهض للعراق.
لكن لم يكن ذلك هو الموقف الذي كان يحظى بالإجماع داخل صفوف الديغوليين. وينقل المؤلفان عن إدوار بالادور الذي ألقى كلمة في الجمعية الوطنية الفرنسية باسم مجموعة البرلمانيين الديغوليين أيد فيها اللجوء إلى التدخل العسكري قوله: «لم يهنئني على كلمتي جميع أعضاء حزب التجمع من أجل الجمهورية ـ الديغولي ـ الذي يميل تقليديا للصداقة مع العراق. لكن كان ينبغي الدفاع عن عدم المساس بحدود الدول، وإلا تضيع الأمور».
وعندما فاز جاك شيراك في الانتخابات الرئاسية لعام 1995 تلقى رسالة تهنئة من صدام حسين يقترح فيها استئناف العلاقة كما كانت سابقا. وقد جاء في تلك الرسالة: «أريد تذكيرك بالعمل المشترك الذي قمنا به معا منذ عقدين من الزمن من أجل إقامة علاقات مميزة بين العراق وفرنسا، وبوصولك إلى سدة الرئاسة في فرنسا نأمل أن تستأنف العلاقات بين بلدينا مجراها على نفس الأسس وبنفس الحيوية».
لكن موقف شيراك ـ الرئيس ظل ثابتا حيال العراق ونظام صدام حسين وهو ما ردده أثناء خطابه الشهير، في جامعة القاهرة خلال شهر أبريل 1996، حول سياسة فرنسا العربية حيث لم يخص العراق إلا بمقطع قصير جاء فيه أن العراق «يستطيع أن يستعيد مكانه الذي يستحقه في المجموعة الدولية، وليس هناك سوى وسيلة وحيدة للتوصل إلى ذلك وعلى السلطة العراقية أن تفهم ذلك وهي تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي التي تحدد إطار الشرعية الدولية». ثم أضاف: «إذا طبّق العراق القرارات كلها سينبغي رفع العقوبات».
وإذا كان شيراك يردد: «كل العقوبات، ولا شيء غير العقوبات»، فإنه لم يكن في الوقت نفسه على قناعة بفعاليتها وكان يعلن غضبه حيال النتائج المترتبة عليها. وينقل المؤلفان عنه قوله في إحدى جلسات مجلس الوزراء: «قد يأتي اليوم الذي يتهم فيه التاريخ المجموعة الدولية بارتكاب جريمة إبادة في العراق». كما كان تركيزه على قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي يقوم على خلفية روايته أن ذلك كان يمثل وسيلة لـ «لجم القوة العظمى» الأميركية.
وكان شيراك قد اتخذ سلسلة من الإجراءات بـ «اتجاه العراق». هكذا رفض في شهر سبتمبر 1996 أن يتبع الأميركيين والبريطانيين عندما قرروا توسيع منطقة الحظر الجوي في جنوب العراق من خط العرض 32 إلى خط العرض 33. كما قرر بعد أربعة أشهر من ذلك عدم مشاركة الطائرات الفرنسية في القوة الجوية المكلّفة بمراقبة شمال العراق. ولم يكن يتردد في الإعراب عن «تحفظاته» هذا إذا لم يكن عن «إدانته» بعد كل غارة على العراق.
إن فرنسا قد بذلت جهودا كبيرة من أجل رفع الحظر المضروب على العراق. وأبدت رغبتها في أن يغلق المفتشون ملفاتهم منذ اللحظة التي يرون بها أنهم قد أحصوا أو دمّروا أو صادروا جميع الأعتدة الممنوعة للانتقال بعد ذلك إلى «المراقبة على المدى الطويل».
وكانت وكالة الطاقة الدولية قد اعتبرت أن البرنامج النووي العراقي قد جرى تفكيكه تماما وفرق لجنة مفتشي الأمم المتحدة وجدت آثار 817 صاروخ سكود من أصل ال819 صاروخا التي باعها الاتحاد السوفييتي للعراق، لكن كانت لا تزال هناك بعض الشكوك أيضا حول الأسلحة الكيماوية والبيولوجية. وفي المحصلة كان الفرنسيون على قناعة تامة أن العراق لم يكن يشكل أي خطر عندئذ.
وحاول شيراك عندها أن يقنع صدام بقبول القيام بمسح شامل لترسانته العسكرية. وهذا ما أعلن طارق عزيز قبوله به وصرّح به في باريس للسفير السابق «سيرج بوادوفيه». لكن عندما وصل عزيز إلى بغداد اتصل هاتفيا بباريس كي يقول: «الأمر غير مقبول، والقيادة رفضت».
كان ذلك الحدث منعطفا أيضا في العلاقات بين فرنسا والعراق. فشيراك أحس بخيبة أمل كبيرة، لاسيما وأنه كان قد اتصل بالرئيس الأميركي السابق بيل كلنتون كي يعلن له عن الوصول إلى الاتفاق. وقد صرّح آنذاك: «لقد خذلني صدّام». وبعد شهر فقط شهد العراق معارك استمرت ثلاثة أيام عمّدها الأميركيون بتسمية «ثعلب الصحراء».
واعتبارا من ذلك التاريخ نفض شيراك يده من الملف العراقي ولم يعد للاهتمام به حتى عام 2002 وكانت محاولاته آنذاك قد اصطدمت بالتشدد العراقي، والأميركي أيضا، ذلك أن وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت استبعدت رفع الحظر الدولي المضروب على العراق ولو أنه نفّذ كل ما هو مطلوب منه. إن الأميركيين كانوا قد انتقلوا إلى «السرعة الأكبر» وحددوا هدفهم بالإطاحة بالنظام.
في ذلك السياق فاز جورج دبليو بوش في الانتخابات الرئاسية الأميركية. وكان جاك شيراك عندها يتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي. وقد انتهز فرصة وجوده في واشنطن لحضور القمة عبر الأطلسية كي يلتقي بالرئيس الأميركي الجديد. وقد حرص منذ البداية على أن يقيم معه علاقات على الصعيدين الشخصي والعائلي إذ كرر له أثناء ذلك اللقاء تعابير مثل: «إنني أحب والدك كثيرا»، و«من فضلك قل له أن...».
كما حدثه عن والدته بربارة ووصفها أنها «امرأة رائعة». باختصار بدا شيراك وكأنه يتوجه لـ «الابن» وليس للرئيس الثالث والأربعين للولايات المتحدة الأميركية. وينقل المؤلفان أن جورج دبليوبوش سأل شيراك عن إيران وإمكانية اتجاه النظام نحو الليبرالية، فأجاب شيراك بلهجة أبوية: «إنهم ليسوا متسامحين.
وقد علق أحد الدبلوماسيين الفرنسيين على ذلك اللقاء بالقول: «عندما قال شيراك ما قال وضع نفسه في فئة جيل المتقدمين في السن. وقد أوجد ذلك تباينا بين الاثنين على قاعدة صراع الأجيال». باختصار: «ان التيار لم يمر بين الرجلين، ولن يمر أبدا»، حسب تعبير مؤلفي هذا الكتاب.
لكن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 غيّرت المعطيات كثيرا، إذ كان جاك شيراك هو أول رئيس دولة أجنبي يصل إلى البيت الأبيض ويحوم بالطائرة حول حطام برجي مركز التجارة الدولي بنيويورك كي يعلن عن تضامنه مع أميركا التي «أصابتها الضربة في القلب».
ونقرأ: «في فترة ما بعد 11 سبتمبر تنازع جاك شيراك وتوني بلير حول أيهما صاحب الحظوة الأكبر لدى جورج دبليو بوش». لقد أراد كل منهما أن يُظهر أنه «الحليف الأكثر إخلاصا» في الحملة على أفغانستان. وإذا كان بلير قد قال عن شيراك أنه يريد أن يكون «الأول في الصف»، فإن شيراك اعتبر أن الجيران الإنجليز يريدون أن «يسحبوا الغطاء إلى ناحيتهم».
وبعد 11 سبتمبر 2001 رفع المحافظون الجدد في الإدارة الأميركية شعار أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تنتظر الهجوم عليها كي ترد بل عليها أن تنهي التهديدات قبل أن تبرز. وهذا ما أطلقت عليه تسمية «الحرب الوقائية». وقد وجدوا في العراق هدفا جديدا وقالوا بضرورة الإطاحة بصدام لأنه «خطير ويتحدى أميركا ويهيمن على دولة أساسية في الشرق الأوسط فضلا عن أنها في المرتبة الثانية على صعيد الاحتياطات النفطية في العالم».
رفض التحرك الأحادي
لم يتردد جاك شيراك في أن يرفض «التحرك الأحادي» و«العمل الوقائي» الذي يمكن أن يؤدي برأيه إلى نتائج مأساوية». لكنه لم يستبعد تماما اللجوء إلى القوّة إذا لم يحترم العراق التزاماته فيما يخص نزع سلاحه. وقد ابتعد بذلك عن موقف المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر الذي رفض بشكل قاطع أية مشاركة لألمانيا في الحملة العسكرية لبوش.
وتتم الإشارة هنا إلى أن نائب قائد العمليات في قيادة أركان الجيش الفرنسي ذهب إلى واشنطن في منتصف شهر ديسمبر 2002 بسرية تامة وسأل قادة البنتاغون عن الدور المكرّس لفرنسا في حال اشتراكها بالائتلاف العسكري المضاد للعراق. وينقل المؤلفان عن قصر الرئاسة القول: «إن الأميركيين لم يقولوا لنا شيئا، لا حول مفهومهم للحرب ولا حول الموقع الذي سوف يعطونه لنا». رغم ذلك «بدت فرنسا أنها تشحذ أسلحتها» في نهاية شهر يناير 2003.
لكن شيراك كان لا يزال يعتقد أنه يمكن تغيير مجرى الأحداث الذي كان ينبئ باقتراب الحرب التي كان يرى بها كارثة. وينقل عنه المؤلفان قوله لجان بيير شوفنمان، وزير الدفاع الفرنسي الأسبق، قوله ان التدخل العسكري «سوف يقدم العراق لإيران». كان ذلك في شهر سبتمبر 2002 وفي شهر نوفمبر التالي قال في محادثة جانبية على هامش قمة الأطلسي لجورج بوش: «إنكم سوف تربحون الحرب بسرعة وتوجدون بؤرة إرهابية وتولّدون حشداً من أمثال بن لادن الصغار.
وفي20 يناير 2003 صرّح دومينيك دوفيلبان، وزير خارجية فرنسا آنذاك، في نيويورك: «لا شيء، أبدا لا شيء، لا يبرر اليوم القيام بعمل عسكري». ولم يتردد جاك شيراك في أن يصرّح بتاريخ 10 مارس 2003 قوله: «إن موقفي هو أنه مهما كانت الظروف ستقول فرنسا لا لأنها تعتبر هذا المساء أنه لا مكان للحرب من أجل تحقيق هدف حددناه لأنفسنا وهو نزع أسلحة العراق».
كانت «لا» واضحة لبوش وجنرالاته، وكانت تلك الـ «لا» تعادل استخدام حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن، فهي عضو دائم فيه. لكن فرنسا لم تستخدم فعليا «الفيتو» ضد الولايات المتحدة إلا مرّة واحدة في تاريخها، كان ذلك عام 1956 من أجل تجنب الإدانة بعد العدوان الثلاثي الفرنسي ـ البريطاني ـ الإسرائيلي على مصر.
وفي 20 مارس 2003، عند الساعة الثانية والنصف بتوقيت بغداد دوّت صفارات الإنذار في بغداد. كانت حملة شيراك من أجل السلام قد اختتمت... و«الحرب بدأت».
