يضع مؤلفا الكتاب القارئ أمام حقيقة أساسية في اختتامهما لصفحاته، وهي أنه في مايو المقبل سيكون هناك رجل جديد في قصر الإليزيه. وهما من هذا المنطلق يتابعان رحلتهما في انعطافاتها الأخيرة مع جاك شيراك، قبل أن يطرحا مجموعة مهمة من الأسئلة التي تعنينا في كل أبعادها.
وفي مقدمة هذه الأسئلة: هل نحن أمام نهاية حكم ونهاية سياسة؟ ماذا سيكون مصير الإرث الديغولي عامة والشيراكي خاصة؟ ومن المؤكد أن المستقبل هو وحده الكفيل بالإجابة عن هذه النوعية من الأسئلة لكن القارئ مع نهاية هذا الكتاب سيكون قد تسلح برؤية وبصيرة يمكنانه من استشراف أفضل لآفاق هذا المستقبل».
في مارس 2003 بدأ الجيش الأميركي عمليات القصف الجوي للعراق». وانطرح على قصر «الاليزيه» في باريس السؤال التالي: «الآن، والحرب قد بدأت، هل ينبغي الإعراب علانية عن الأمل في انتصار الولايات المتحدة؟».
كان جاك شيراك على اقتناع بأنه قد كسب الرأي العام الفرنسي والعالمي إلى جانبه لكن ها هو الآن في موقف حرج، لاسيما وأن استطلاعات الرأي آنذاك دلّت على أن فرنسيا من أصل كل ثلاثة فرنسيين يتمنى أن يبدي العراق مقاومة ضد الأميركيين». كان ذلك مصدر قلق كبير للرئاسة، لكن الصمت كان قد غدا مستحيلا». في الوقت نفسه كان «كسره» واتخاذ موقف باتجاه أميركا يعني التنكر للمعركة التي كان شيراك قد خاضها ضد الحرب».
وبمقدار ما كان الجنود الأميركيون والبريطانيون يتقدمون نحو بغداد كان صمت الرئاسة الفرنسية يغدو «ثقيلا أكثر فأكثر». وكان على شيراك، مهما كانت المفارقة كبيرة، أن يتخذ موقفا مؤيدا للولايات المتحدة». لم يكن أمامه أي خيار آخر، وقد جاء ذلك الموقف، إنما على لسان رئيس الوزراء آنذاك جان بيير رافاران، وبعد أحد عشر يوما من بداية المعارك، حيث قال: «هذه الحرب ليست البديل الجيد، لكن هذا ليس سببا للانخداع في العدو». الأميركيون ليسوا الأعداء، ومعسكرنا هو معسكر الديمقراطية».
في 9 أبريل 2003 سقطت بغداد بسرعة وبدون مقاومة تُذكر». وكان لا بد من انقضاء 24 ساعة قبل أن يصدر بيان عن قصر الاليزيه للإعلان عن أن «فرنسا، مثل جميع البلدان الديمقراطية، مبتهجة لسقوط دكتاتورية صدام حسين».
بعيداً ضد أميركا
كانت اللحظة آنذاك «مثالية» من أجل اقتراح مفهوم جديد للعلاقات بين الغرب والعالم العربي، إذ ان سقوط الدكتاتور العراقي فتح آفاقا جديدة لإمكانية القطيعة مع الماضي، وليس في العراق فحسب، لكن ربما في المنطقة كلها».
وكان الرئيس جاك شيراك، كما يرى مؤلفا هذا الكتاب، في موقع «يمتلك فيه كل الأوراق لإطلاق حوار يقوم على الاحترام المتبادل والتسامح ولكن أيضا على قاعدة الديمقراطية والحداثة». ولكن، وبرأي المؤلفين أيضا، لم يعرف الرئيس الفرنسي كيف «يمسك بتلك الورشة». لقد احتج، لكنه لم يقدّم شيئا ولم تجد مخيلته بشيء وفي هذا الفراغ بالتحديد تلاشى النقد الذي قام به».
بل ويذهب المؤلفان أبعد من ذلك حيث نقرأ: «خلال الأشهر والسنوات التي أعقبت التدخل الأميركي، كل ما كان قد زاد من مصداقية رئيس الدولة الفرنسي انقلب ضده ابتداء من حساسيته حيال العالم العربي وحتى استقلاليته حيال الولايات المتحدة ومرورا بشبكاته وحذره من المغامرات العسكرية».
ويشيران إلى أنه اعتبارا من منتصف شهر مايو 2003 بدأ «خصوم» شيراك، الذين كان قد اعتقد أنه «أخرسهم»، باستئناف «محاكمته»، بل ومن خلاله «محاكمة» السياسة العربية لفرنسا منذ أربعين سنة التي اعتبروها مسؤولة عن كل الشرور، بما في ذلك توجيه الاتهام بوجود نزعة «معادية للسامية».
وإذا كان من المنطقي أن يكون اليسار الفرنسي هو رأس الحربة في نقد السياسة العربية لجاك شيراك، فإن قادة الحزب الاشتراكي المهتمين بملف الشرق الأوسط أعلنوا عن أسفهم حيال «استراتيجية التوتر» التي اختارها جاك شيراك، بينما كان «الجناح الليبرالي» في معسكر اليمين هو الذي تولى عملية «تهديم» سياسة فرنسا العربية التقليدية». وينقل المؤلفان عن أحد المقرّبين من نيكولا ساركوزي ـ المرشح الأوفر حظا لتمثيل معسكر اليمين في الانتخابات الرئاسية المقبلة في أواسط عام 2007».
قوله: «إنه ـ أي ساركوزي ـ يعتبر الذهاب بعيدا ضد الولايات المتحدة بمثابة كارثة». وكان ساركوزي قد افتخر بعد زيارة قام بها إلى واشنطن عندما كان وزير للاقتصاد، واستقبلته هناك كوندوليزا رايس، وكولن باول، بأنهم أطلقوا عليه في فرنسا تسمية «ساركوزي الأميركي».
ويسوق مؤلفا هذا الكتاب حالتين محددتين للتدليل على ما يسميانه بـ «تفكك سياسة فرنسا العربية». الحالة الأولى تخص النائب «ديدييه جوليا» عضو الجمعية الوطنية الفرنسية وصديق شيراك منذ أن جرى انتخابهما نائبين في البرلمان للمرّة الأولى عام 1967، عن منطقتين مختلفتين وإنما باسم «العائلة السياسية نفسها». وكان «جوليا» المعروف بصداقاته العربية، وخاصة العراقية، قد قام بمبادرة «شخصية» من أجل طلاق سراح الصحافيين الفرنسيين كريستيان شينو وجورج مالبرينو اللذين كانا رهينتين في العراق عام 2004».
وعلى الرغم من جميع «الإجراءات الاحترازية» التي اتخذها قصر الاليزيه فإن الأقاويل انتشرت بأن الرئيس شيراك لم يكن بعيدا عن مبادرة النائب «جوليا» أو على الأقل أنه لم يعترض عليها مما قد يشكّل نوعا من اللجوء إلى ممارسة «دبلوماسية موازية». لكن المؤلفين يؤكّدان القول: «ان الرئيس الفرنسي، وكما علّمته تجارب الماضي لم يحاول في أية لحظة تنشيط دبلوماسية موازية من جوليا من منطلق «فلعلّ وعسى».
الحالة الثانية يتحدث عنها المؤلفان تحت عنوان «سقوط السفير بوادوفيه»، الذي شغل ذات يوم منصب الأمين العام لوزارة الخارجية الفرنسية، كما كان مستشارا دبلوماسيا لرئيس الوزراء شيراك». لكن في 8 سبتمبر 2005 خضع بوادوفيه للتحقيق حول عمولات تتعلق ببرنامج «النفط مقابل الغذاء» الخاص بالعراق». واعتبارا من ذلك التاريخ أُغلقت أبواب قصر الاليزيه ووزارة الخارجية أمام من كان يدخلها «كما يريد».
وينقل المؤلفان عن أحد الدبلوماسيين الفرنسيين في الشرق الأوسط قوله: «كل ما كان بوادوفيه يفعله في العراق كان معروفا» من قبل الإدارة المركزية ومن قبل سفرائنا في المنطقة الذين كانوا يستقبلونه في كل مرّة يأتي فيها». كان ذلك كله مسموحا حتى السقوط النهائي». كان بوادوفيه أحد المسؤولين الفرنسيين الأوائل الذين عملوا منذ عام 1975 من أجل انتهاج سياسة عربية جديدة لفرنسا».
أيام خاصة
في ذلك اليوم الرابع من شهر أكتوبر 2000 كانت الانتفاضة الثانية قد هبّت وكان الجنود الإسرائيليون على بوابات رام الله وغزة ونابلس، بعد أن كان آرييل شارون قد أصرّ على الدخول إلى فناء الحرم الشريف يوم 28 سبتمبر؛ الأمر الذي وصفه جاك شيراك بأنه «عمل تحريضي غير مسؤول». في اليوم التالي أطلق رجال الشرطة الإسرائيليون النار على الفلسطينيين وقتلوا سبعة وجرحوا أكثر من مئة، فكانت الانتفاضة الثانية هي الرد».
التقى الإسرائيليون والفلسطينيون في باريس في محاولة للوصول إلى اتفاق حول وقف العنف، وكانت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت في باريس بمناسبة اجتماع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي». وقد قبلت أن تكون باريس هي مكان المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين شريطة أن تكون هي وحدها التي تقودها».
«وحدها» بمعنى أن شيراك يكون دوره هو حصرا تقديم مكان عقد الاجتماعات». وكان قد ارتقب أن يكرّس للاجتماع قاعة «كليبر» للمؤتمرات، لكنه فوجئ أن المحادثات تجري في «أرض أميركية»، أي في منزل سفير الولايات المتحدة الأميركية في باريس؛ وهذا أثار حنقا شديدا لدى شيراك».
أما أولبرايت فقد شرحت فيما بعد قولها «المشكلة هو أنه لم يكن يراد أبدا أن يتدخل شيراك». لكن لم يكن من عادات الرئيس الفرنسي أن «يحمل المباخر» للآخرين، بل كان يريد الاستفادة من المناسبة كي تكون له كلمة في مسيرة السلام». لذلك أعلن عن رغبته أن يتحدث مع رئيسي الوفدين، أي ياسر عرفات وإيهود باراك، على انفراد واحدا بعد الآخر، مما أثار غضب أولبرايت».
وصل ياسر عرفات أولا عند الساعة الثامنة والنصف صباحا». لقد حرص على رؤية شيراك قبل باراك كي يتحدث معه عن الشهداء الفلسطينيين ويطالب بتشكيل لجنة دولية للتحقيق، وتحديد المسؤولين عن موجة العنف الجديدة». أكّد جاك شيراك تفهمه لموقف عرفات.
وكان هو نفسه قد تحدث مع باراك عشية اليوم السابق هاتفيا عن «تلك الصور المأساوية التي رآها العالم كله وذات الدلالة الواضحة». لكن شيراك شجّع في الوقت نفسه عرفات كي «لا يدع الفرصة تفوت» وأن يتحدث مع الإسرائيليين والأميركيين بذهنية منفتحة».
عند الظهر، كان جاك شيراك يتمشّى في ساحة قصر الاليزيه وقد بدت عليه علائم «الامتعاض» إذ طال انتظاره لإيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي، حيث كان قد حرص على استقباله أمام الدرجات المؤدية إلى المدخل». وهذا ما كان قد تعوّد أن يفعله عند استقباله لرؤساء الدول فقط».
لقد تأخر الضيف، وفجأة خرج مستشاره الدبلوماسي من القصر ليقول له ان اللقاء قد تعطّل، كما أخبره أحد أعضاء الوفد الإسرائيلي». وأضاف أن باراك يطلب «كي يأتي» الضمانة أن لا يصدر عن الفرنسيين بيان معاد لإسرائيل في نهاية اللقاء». وبعد عدة اتصالات وبعض «التطمينات» جاء باراك إلى قصر الاليزيه».
صدمة باراك
كان رئيس الوزراء الإسرائيلي «حذرا» في لقائه مع شيراك، وقد شرح له أن المذنب الحقيقي هو عرفات «الذي أعطى الأوامر لإطلاق النار على المواقع الإسرائيلية المعزولة، ولذلك ينبغي طلب وقف إطلاق النار منه». وقد اختار التفاوض في ظل تهديد السلاح». وإذا لم يكن قادرا على السيطرة على العنف المسلّح، فهو إذن ليس سوى رئيس عصابة». ولم يكن باراك يريد أن يسمع الحديث عن تشكيل لجنة تحقيق دولية».
أراد شيراك في البداية أن يطمئنه بالقول: «لا أريد أن أسوق حكما على الأفعال الجارية ، وعلى عكس بعض الإشاعات، أؤكد أن فرنسا قد امتنعت وسوف تمتنع عن إصدار بيان اليوم». ثم أضاف موجها الحديث مباشرة وصراحة لرئيس الوزراء الإسرائيلي: «ليس هناك أي بلد، ولا وسيلة إعلام يصدقون الطريقة التي قدّمت فيها إسرائيل مجريات الأحداث».
وأشار شيراك إلى عدم التناسب الكبير في عدد الضحايا لدى الطرفين؛ وأضاف: «لا أحد يمكنه أن يصدّق أن مسؤولية مسلسل العنف تقع على عاتق الفلسطينيين». ثم أن استخدام طائرات الهيلوكوبتر الحربية ضد رماة الحجارة غير مقبول». وأشار بعد ذلك بيده إلى جهاز التلفزيون في مكتبه الذي كانت تبدو على شاشاته صورا منقولة من الأراضي المحتلة: «إن الصور تتحدث عن نفسها».
وهنا يفتح مؤلفا الكتاب قوسين ليشيرا إلى الصور التي كانت القناة التلفزيونية الفرنسية الثانية قد بثتها قبل خمسة أيام عن قتل الطفل محمد الدرّة وهو بين ذراعي والده بالقرب من مستوطنة «نيتزاريم» في غزة». ولم يتردد شيراك في أن يردد القول لباراك:
«لا تقل لي أي شيء يخطر على ذهنك»، مؤكدا له معرفته لحقيقة إساءة استخدام التفوق العسكري الإسرائيلي». وقال: «إن تجربتي في الجزائر أثناء حرب المدن تسمح لي بفهم هذا النوع من عدم التكافؤ». بل قارن شيراك بين ما كان يجري في الأراضي المحتلة آنذاك وبين مجزرة قانا عام 1996 مشيرا إلى أن «بيريز دفع ثمن ذلك غالبا».
لم يكن باراك يتوقع أبدا مثل ذلك، وينقل المؤلفان عن أحد أعضاء الوفد الإسرائيلي قوله: «كانت الأحكام التي يصدرها تثير الصدمة أقل من طريقته في التعبير». كان شديد الانفعال وشديد القسوة ومثير للدهشة كثيرا». وعند خروج «باراك» من قصر الاليزيه أطلق جملة مفادها:
«إنني بصدد نصب فخ لنفسي». ويروي المؤلفان ما جرى أثناء المفاوضات في مقر سكن السفير الأميركي بباريس بين الفلسطينيين والإسرائيليين وما جرى تبادله أثناءها من اتهامات بحضور مادلين أولبرايت التي طلبت في لحظة ما أن تتحدث مع إيهود باراك على انفراد». بقي ياسر عرفات وحيدا في الصالون مع مساعديه، وقد ظل صامتا دون أن يتلفظ بكلمة عشر دقائق ثم قال لليلى شهيد: «هيا، سنذهب». وقفز خارج الغرفة لينزل درجات السلم قفزا ويركب سيارته».
لحقت به مادلين أولبرايت راكضة وهي تناديه: «الرئيس عرفات». وقد أعطيت الأوامر بإغلاق البوابة حيث أدركت وزيرة الخارجية الأميركية السيارة وضربت بيدها على الزجاج لكن عرفات تظاهر بعدم رؤيتها». فأشارت لها ليلى شهيد كي تأتي إلى جهتها بعد أن فتحت باب السيارة». قالت أولبرات لها: «عودوا أرجوكم! لقد قبل باراك تشكيل لجنة التحقيق». عندها نزل الرئيس الفلسطيني من سيارته وقبّل أولبرايت فأمسكت بذراعه وقادته إلى الداخل».
عند الساعة 23 من ذلك المساء بدا أن توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار على وشك التحقيق، على أن يكون حفل التوقيع في اليوم التالي بشرم الشيخ في سيناء». في هذا السياق دعا جاك شيراك الجميع إلى قصر الاليزيه، بل ودعا أيضا كوفي أنان، الأمين العام للأمم المتحدة الذي كان موجوداً في العاصمة الفرنسية».
غضبت أولبرايت كثيرا من دعوة شيراك وقالت: «بماذا يتدخّل؟ المسألة ليست من شأنه». فقال عرفات: «نحن في بلده ولا نستطيع أن نرفض». حاولت أولبرايت أن تقصّر وقت الزيارة إلى الاليزيه قائلة لجاك شيراك: «السيد الرئيس علينا أن نعود الآن إلى مقر سكن السفير كي نوقع».
وقبل أن تغادر القاعدة قالت له على انفراد: «من فضلك، قل لعرفات أن يوقع». وقد فعل ذلك موجّها الحديث لعرفات بواسطة ليلى شهيد لتقوم بالترجمة: «قولي للرئيس عرفات أنه من المهم أن يوقع». فأجاب عرفات: «إذا وقّعنا في باريس فهذا لن يكون سلوكا صحيحا حيال مبارك الذي دعانا». سوف أوقع بالطبع ولكن غدا في شرم الشيخ، بحضوره ـ أي الرئيس مبارك».
كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل عندما خرج الموكب من قصر الاليزيه باتجاه سكن السفير الأميركي «كما يُفترض للتوقيع». لكن عرفات قرر العودة إلى الفندق». وعندما قالت له أولبرايت: «لكنك وعدتني بالبقاء»، أجاب: «خذي وزرائي معك». كان يقصد صائب عريقات ونبيل شعث ولكنهما لم يكونا يمتلكان سلطة التوقيع».
حمّل الإسرائيليون مسؤولية فشل الوصول إلى اتفاق لجاك شيراك، وقال أحد مستشاري باراك: «لقد تدخّل بطريقة مزعجة وأقنع عرفات بعدم التوقيع». واعتبر باراك نفسه أن شيراك بدعمه لمطالب ياسر عرفات إنما شجع «إرهابا جديدا».
وفي 28 أكتوبر 2003 طلب أحمد قريع، رئيس الوزراء الفلسطيني آنذاك، من ليلى شهيد الاتصال بقصر الاليزيه لمعرفة إمكانية استقبال ياسر عرفات، المريض جدا للعلاج». وبتاريخ 29 أكتوبر كانت طائرة فالكون فرنسية تنقله إلى فرنسا». لكن حالته الصحية لم تتوقف عن التدهور، من دون أن يستطيع الأطباء الفرنسيون تحديد سبب المرض ليردد الناس في شوارع غزة والقدس ونابلس:
«اليهود قتلوا ابو عمار». وفي يوم الخميس 11 نوفمبر عند الساعة 30,3 جرى الإعلان رسميا عن وفاة ياسر عرفات كي تودعه فرنسا بعد ذلك رسميا حيث حمل نعشه ثمانية جنود من سلاح المشاة إلى الطائرة التي نقلت جثمانه ليوارى في تراب فلسطين».
يوم خاص آخر
في 14 فبراير 2005 خرج رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري من المقهى الواقع في ساحة النجمة ببيروت عند الساعة 50,12 وصعد في سيارته المرسيدس السوداء برفقة باسل فليحان، أحد وزرائه سابقا». وقبل الانطلاق مباشرة أعطى سائق السيارة الموجودة في مقدمة الموكب خط السير المقرر».
وتشير آلة تصوير مستمر مثبّتة في مدخل أحد البنوك إلى أن شاحنة بيضاء من طراز «ميتسوبيشي» كانت تسير أمام الموكب وإنما تسير ببطء أقل بست مرّات من السيارات الأخرى». وعند الساعة 56 ,12، أصبح موكب الرئيس الحريري بمحاذاتها حدث انفجار عنيف هزّ المدينة كلها وتذكرت كوابيس الأيام الأكثر سوادا».
لم يتم الإفصاح في البيانات الأولى عن هوية الضحايا واكتفت وكالات الأنباء بالحديث عن انفجار عنيف هزّ قلب العاصمة بيروت». وكان من بين الأوائل الذين علموا باغتيال رفيق الحريري محاميه وممثله في باريس باسيل يارد الذي اتصل على الفور بالرئيس جاك شيراك ليخبره، فقال له شيراك:
«موعدنا في منزل الحريري» في ساحة اينا بباريس، وحيث كان الرئيس يعرف أن نازك الحريري، أرملة رفيق الحريري، كانت هناك». لم تكن قد سمعت بالنبأ وقد سمعت من الرئيس شيراك والمحامي يارد وفاة زوجها».
ولم يتردد جاك شيراك في اتخاذ قراره بحضور جنازته في بيروت». وقال لأولئك الذين تحفظوا على ذلك من بين المحيطين به: «لقد قتلوا صديقي، وسوف أذهب لحضور مراسم دفنه». لا تناقشوا هذا الأمر». وفعلا كان بعد يومين في بيروت برفقة زوجته برناديت التي كانت ترتدي ثياب الحداد السوداء». وقد سمحت صيغة «زيارة ذات طبيعة خصوصية» لشيراك بعدم مقابلة أي من المسؤولين المحليين، بل إنه حرص رغم كل ما يحتوي ذلك من معارضة لأبسط أعراف المراسم، على أن لا يوجد أية مجاملة لنظيره اللبناني اميل لحود».
وينقل المؤلفان عن أحد مستشاري الرئيس شيراك قوله: «بدا الأمر وكأنهم قتلوا أحد أفراد عائلته، ويعلن شيراك جهارا عن أسفه لأنه لم يحذره ما فيه الكفاية». كان قد التقى به قبل ستة أيام من اغتياله وكان برفقة محاميه باسيل يارد، وقد قال له في نهاية اللقاء: «انتبه، عليك أن تكون حذرا». فأجابه الحريري: «مثل هذا العمل فادح جدا، ولن يقدموا عليه».
حوار مع دمشق
هنا ينتقل المؤلفان للحديث عن علاقة الرئيس الفرنسي جاك شيراك بالرئيس السوري بشار الأسد». وبعد وفاة الرئيس الراحل حافظ الأسد كان شيراك هو رئيس الدولة الغربي الوحيد الذي حضر الموكب الجنائزي حيث شدّ يومها طويلا على يد ابنه بشار وقال له: «كنت أكنّ التقدير الكبير لوالدك، وها أنا اليوم أقدم لك صداقتي». «لقد أراد أن يمارس دور عرّابه»، كما يقول المؤلفان ليضيفا أنه كان بذلك «يتبع نصيحة صديقه الملياردير ـ رفيق الحريري ـ الذي كان يدفعه منذ سنوات للتقارب مع دمشق».
ويذكر المؤلفان هنا أنه بعد وفاة باسل الأسد، الابن البكر للرئيس الراحل حافظ الأسد، وأثناء إحياء ذكرى اليوم الأربعين لوفاته، كان جميع القادة السوريين موجودين بمن فيهم الرئيس الأب». وينقلان هنا عن أحد الحضور المشهد التالي: «كان بشار جالسا في الصف الرابع بين الجمهور». وقد نهض عبد الحليم خدام، نائب الرئيس آنذاك، ودعاه للمجيء والجلوس معهم في الصف الأول». فأفهمه بإشارة من يده أن يتركه هادئا حيث هو». وقد تولّى بشار الرئاسة «وأثار وصوله آمالا واسعة»، كما يكتب المؤلفان».
كان جاك شيراك لا يبخل بمديحه للرئيس السوري الشاب وبالحديث معه هاتفيا باستمرار». وقد استقبله في باريس بـ «زيارة دولة» بعد سنة من وصوله إلى السلطة». كما انهالت العروض الفرنسية على سوريا بهدف تحسين البنى الإدارية على مختلف المستويات، بل أنشئت في سوريا مدرسة عليا للإدارة على غرار النموذج الفرنسي». يقول المؤلفان: «كان شيراك يتصور أن تكون هذه العلاقة الوليدة مثلثة الأطراف»، أي بحيث أن يكون الطرف الثالث فيها هو صديقه، رفيق الحريري».
عاد رفيق الحريري إلى رئاسة الحكومة اللبنانية بعد خروجه منتصرا من الانتخابات التشريعية اللبنانية لعام 2000. وحاول الرئيس شيراك تقديم المساعدة لحكومته عبر موافقة «مؤتمر باريس ـ 2» على قرض بقيمة 4 مليارات دولار ضد رأي صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة، بل وحتى وزارة الاقتصاد الفرنسية. ودار في مثل ذلك السياق نوع من النزاع على النفوذ، بين فرنسا وسوريا، في لبنان.
كما استجدت في مثل ذلك السياق مسألة نهاية الفترة الرئاسية للرئيس اللبناني اميل لحود. كما عرفت نفس الفترة تقارب فرنسي ـ أميركي حول لبنان تحديدا وبدت تبرز ملامح مشروع قرار جديد باتفاق الطرفين يصدر عن الأمم المتحدة ويأمر بـ «خروج الجيش السوري من لبنان».
ولمّا كان الدستور اللبناني لا يسمح بترشيح اميل لحود للرئاسة من جديد، أكّد الرئيس السوري القول بداية: «أنا حيادي، ولن أتدخّل». لكن كان المقرّبون من سوريا، كما يشير المؤلفان، يعملون من أجل تعديل الدستور للتمديد للرئيس لحود لمدة ثلاثة سنوات أخرى». وهذا ما عبّر عنه رفيق الحريري بالقول: «إنني أفضل أن أقطع يدي على أن أوقع على مثل هذا التعديل».
وفي مثل هذا الإطار خرج القرار 1559 الصادر عن الأمم المتحدة». وبعد أن يشير المؤلفان إلى أن «المقرّبين من رفيق الحريري ينفون اليوم تورطه في المناورات الكبرى التي جرت داخل الأمم المتحدة». وإن شيراك قد حرص للمرّة الأولى على إبعاده عنا بقصد حمايته»، ينقلان في موقع آخر ما كان المرحوم الحريري قد قاله في شهر يناير 2005 للصحافية اللبنانية رندة تقي الدين في مقابلة لهما معها، وجاء فيه: «أنا، ووليد جنبلاط والبطريرك ـ صفير ـ سوف نخرجهم من لبنان».
علامات استفهام
في المحصلة يرى المؤلفان أن فرنسا قد «أخذت ثأرها» وعادت إلى بلاد الأرز، بحيث ان سفيرها أصبح يلعب دورا كبيرا في المحادثات والمساومات بين مختلف الفصائل السياسية اللبنانية إلى درجة أن بعض اللبنانيين أطلقوا عليه تسمية «المفوّض السامي» للتذكير بالفترة الاستعمارية». من الأفكار الأساسية التي تتردد على مدى صفحات هذا الكتاب قول المؤلفين ان نقطة الضعف الأساسية في سياسة شيراك هو أنها «تقوم على الأشخاص وليس على المبادئ».
ويريان أيضا أن شيراك الذي وصفه أحد المقرّبين منه أنه «عربي أكثر من العرب» لم يجد المقابل لدى العرب، إذ «حتى أولئك الذين طلبوا مساعدته لمقاومة الضغوط الأميركية لم يترددوا في تركه جانبا أمام المشروع الأميركي للشرق الأوسط الكبير».
الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب ـ الخاتمة ـ تحمل السؤال التالي في عنوانها: «هل هي نهاية حكم ونهاية سياسة؟». ونقرأ في أحد الجمل: «في شهر مايو 2007 سيكون هناك رجل جديد ـ أو امرأة أكثر جدة ـ في قصر الاليزيه». فماذا سيكون مصير الإرث الديغولي عامة والشيراكي خاصة؟ !
عرض ومناقشة: محمد مخلوف