على الرغم من بلوغه 77 عاما من العمر، إلا أن المفكر الأميركي نعوم تشومسكي يتمتع بهمة وطاقة تسمحان له بالسفر عبر العالم ناشرا انتقاداته اللاذعة لسياسة الولايات المتحدة الخارجية أو للسلطة المتعاظمة للشركات الكبرى، مع أن صوته الذي يكاد لا يسمع يتعارض مع حزم قناعاته.

هذا يعني أن تشومسكي يتكلم بصوت خفيض أما الذي يصرخ ويطالب ويدين فهي أفكاره. ويواصل نعوم تشومسكي،الذي يعد أحد أهم مفكري العالم بسبب ما أبدعه في ميدان علم اللغة والنحو وصاحب لقب المؤلف الحي الأكثر استشهادا بأقواله، يواصل نشر أفكاره وطروحاته عبر البريد الإلكتروني (لأنه يجيب عن كل ما يستطيع من الرسائل) و عبر المنتديات والمقابلات وكتبه ومقالاته. في محطته القصيرة في العاصمة البوليفية ليما، التقت صحيفة «الكوميرسيو» تشومسكي وكان لها معه هذا الحوار:

ـ أشرتم، في تصريحات أطلقتموها في الآونة الأخيرة، إلى أن الديمقراطية تقوم بوظيفتها في بلدان مثل فنزويلا أو بوليفيا وذلك على خلاف ما يجري في الولايات المتحدة. ما الذي تفهمونه من الديمقراطية؟

ـ إذا قارن المرء الانتخابات في الولايات المتحدة مع الانتخابات في بوليفيا أو فنزويلا، فسيجد فارقا جوهريا. في الولايات المتحدة، كان في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي جرت عام 2004 مرشحان وكلاهما ينحدران من الطبقات المقتدرة نفسها وذهبا للدراسة في الجامعات عينها والمخصصة للنخبة فقط.

ولقد تمكن كلاهما من التطلع إلى الرئاسة جراء ما تلقياه من رعاية وحماية من قبل الشركات الكبرى. علما بأن برنامجيهما الحكوميين متماثلان إلى حد كبير لكن أكثر ما يثير الاهتمام في هذا الأمر هو أن المواطنين لم يدركوا أبدا ماهية خطابيهما حول الموضوعات المهمة.

ـ لماذا؟

ـ لأن الانتخابات الأميركية مصممة لطمس ذلك النوع من الموضوعات، بحيث ينصب اهتمام الناس على شخصية وصورة المرشح . وعمليا فإن الانتخابات تتشابه إلى حد كبير مع الإعلانات التلفزيونية فالمؤسسات التي تروج للمنتجات الاستهلاكية في التلفزيون هي نفسها التي تسوق المرشحين الرئاسيين كما لو كانوا سلعا بحيث يتم التركيز على المظهر والصورة الخادعة وإبعاد السكان عن الموضوعات المهمة.

ـ ألا يحدث هذا في بلدان مثل بوليفيا أو فنزويلا؟

ـ بالنسبة للانتخابات الأخيرة في بوليفيا، فإن الناس كانوا قد نظموا أنفسهم منذ زمن طويل. البوليفيون ظلوا يناضلون لسنوات طويلة كي يسيطروا بأنفسهم على الثروات الطبيعية أو من أجل مناقشة حقوقهم الثقافية. أي أن الناس كانوا مدركين لتلك الموضوعات وكانوا ملتزمين بها، لذلك وقع اختيارهم على من يشاطرهم أفكارهم.

وهذا مغاير تماما لانتخاب رئيس ينتمي للطبقة الثرية التي تخدم مصالح الشركات الكبرى. في هاتين الحالتين، أي منها تعتبر ديمقراطية حقيقية؟

ـ لكن كيف لنا ان نتحدث عن ديمقراطية في بلدان كالمشار إليها آنفا أو بلد مثل بيرو، حيث غالبية السكان تعيش في ظل الفقر ومن دون تلبية احتياجاتها الأساسية في التعليم والصحة؟

ـ لدينا مفهوم «الدولة الفاشلة» وإحدى صفاتها تتمثل في أن الأمر يتعلق بدول بوسعها أن تمتلك «شكلا» ديمقراطيا على صعيد المؤسسات، لكن ليس كل هذه المؤسسات يؤدي وظيفته.

إن الطريقة التي تصف بها حالة بيرو تنم عن مجتمع لا تؤدي فيه الديمقراطية وظيفتها. هناك عمليات «شكلية» هي بالأساس «قناع ديمقراطي» حيث الجزء الأكبر من الأشخاص ليسوا ممثلين لشريحة انتخابية معينة لأنهم لا يملكون الموارد ولا الالتزام ولا التربية للمشاركة بشكل نشط في العملية الديمقراطية. بوليفيا حالة أخرى مختلفة، فعلى الرغم من الفقر إلا أن لديها ديمقراطية ناجحة، ذلك أن مواطنيها اختاروا من يدافع عن مصالحهم نفسها.

ـ أليس مواطنو البلدان الفقيرة أكثر عرضة للأيديولوجيات الشعبية والتلاعب بهم من قبل قادة يستغلون احتياجاتهم للوصول إلى السلطة؟

ـ لا أعتقد أنه بوسعنا تعميم هذه الظاهرة. فإذا كان السكان منظمين ومشاركين نشيطين وينتظمون في تجمعات، فإني لا أعتقد بإمكانية حدوث ذلك. فعلى سبيل المثال، فإن أبناء حركات الذين لا يملكون أرضا في البرازيل هم أفقر مما يمكن أن يتخيل المرء ناهيك عن أن الدولة تقمعهم بطريقة وحشية وهم ليس لهم مدخلا إلى التعليم ولا إلى وسائل الاتصال. لكن على الرغم من كل ذلك، فإنهم يواصلون العمل ضمن تشكيلات منظمة على نحو جيد سياسيا.

وعلى الجانب الآخر من الصورة، هناك أشخاص لهم حظوة في البلدان الغنية و لا يتمتعون بالحصانة فضلا عن أنهم معزولون كليا عن بعضهم البعض. في نهاية المطاف، فإن هذه المسألة تتوقف على الخيارات الشخصية. فبوسع المرء أن يشعر بضرورة الالتزام وهكذا يتحول إلى شخص واع ونشط سياسيا.

ـ في أية لحظة أدركت أنك يجب أن تصبح ناشطا سياسيا؟

ـ أدركت ما أريد أن أكون منذ أن كان عمري خمس سنوات ولم أشك بذلك أبدا.

ـ هل من واجب المواطن عدم الثقة بالسلطة والحكومة دائما؟ كيف السبيل إلى ممارسة الرقابة من دون تقويض جهود الحكومات في الحفاظ على النظام؟

ـ هناك الكثير من أشكال النضال مع الحكومة، التي تحتاج أحيانا إلى التغيير وأحيانا أخرى تحتاج إلى إصلاحات وتعديلات للتوافق مع مطالبات المواطنين. لكن في نهاية المطاف، فإن مراكز المراقبة والسيطرة لا تتجسد في الحكومات فحسب وإنما أيضا في مركزة السلطة الخاصة الذي تذهب إلى ما هو أبعد من الدولة القومية وحدودها.

ـ هل تقصد كبريات الشركات ؟

ـ بالضبط، فالاقتصاد البيروفي على سبيل المثال يقوم أساسا على صناعة المناجم، لذلك فإن مركز السيطرة على السلطة ليس موجودا في بيرو وإنما في الخارج . وبالتالي فإنه إذا أراد البيروفيون تغيير مراكز السلطة تلك فسيتعين عليهم الإطاحة بالقطاع الخاص .

ومن الممكن في بلدان مثل الولايات المتحدة القيام بتغييرات جوهرية ضمن إطار الحكم بما في ذلك إمكانية الإطاحة بالشركات الكبرى. وهناك حالات نظم فيها المواطنون أنفسهم و شددوا على أن تعيق الحكومة أعمال هذا الطغيان الخاص. وهذا ممكن من الناحية التقنية في الولايات المتحدة، لكنه يتطلب قبل ذلك نوعا من الوعي الذاتي باتجاه التنظيم والالتزام.

ـ أي دور للتعليم في وظيفة المراقبة هذه التي هي من نصيب مجموع المواطنين؟ هل هي آلية تحررية أم أنها تخدم لإبقاء النخب في السلطة؟

ـ فكر بالأداة، بالمطرقة على سبيل المثال. فالمطرقة لا تهمك إذا ما استخدمت لكسر جمجمة أحد ما. لكن بوسعك استخدامها لمقاصد مختلفة، وبالطريقة نفسها، فإن التعليم يمكنك استخدامه للسيطرة على الأشخاص وإخضاعهم وفرض عقائد تهمشهم أو يمكن أن يستخدم لتحرير الأشخاص.

ـ ألا تزال تعتقد بأن دور المثقفين أساسي لإحداث تغيير في المجتمع؟

ـ الأشخاص الذين نسميهم مثقفين يعملون بعقلهم ولديهم مستوى رفيع من الامتيازات والفرص وبوسعهم استغلال هذه الامتيازات بطرق مختلفة.

ـ قد يدعي البعض منهم بأنه يساهم بانجازاته العلمية وبأنه ليس مضطرا للذهاب إلى ما هو أبعد من عمله الفكري...

ـ المثقفون يكتبون التاريخ وهم أشخاص مميزون حصلوا على الموارد اللازمة لتحصيل مستويات تعليمية رفيعة. وهم لديهم فرص والفرص تتحول إلى مسؤوليات حتى لو لم يرغبوا بذلك.

ـ لكن ما الذي يحدث عندما لا تريد المجتمعات نفسها أن تعرف؟ فلقد اندلعت في بيرو حربا داخلية بين الجماعات الإرهابية والقوات المسلحة التي حاربتها، وبعد عشر سنوات و60 ألف قتيل أدرك هؤلاء أنهم ارتكبوا أعمالا تعسفية ضد السكان المدنيين. ومع ذلك فإن جزءا لا بأس به من السكان لا يريد معرفة شيء بهذا الخصوص. لماذا يصعب كثيرا على المجتمعات تحمل مسؤولية ما ترتكبه من جرائم؟

ـ هناك مجتمعات كثيرة روعت على يد الإرهاب وهي لا تريد التفكير بذلك. فلقد مرت السلفادور، على سبيل المثال، بتجربة وحشية وعنيفة من الإرهاب خلال عقد الثمانينات، حيث ارتكبت الجرائم أساسا من قبل القوات المسلحة، التي قتلت الكثير من العمال والفلاحين والقادة النقابيين وحتى الكهنة.

لكن عندما وضعت الحرب أوزارها، عقد مؤتمر شارك فيه يسوعيون نجوا من المجزرة ووصفوا ما هو ثابت في بلدان كثيرة مرت بتجربة من هذا القبيل والتي تفيد بأنه على الرغم من محاربة الإرهاب إلا أن هناك ثقافة إرهابية لا تزال باقية.

ترجمة: باسل أبو حمدة عن «الكوميرسيو» ـ بيرو