مع حلول 2007، يبدو من الصعب علينا أن نبدي قدرا كبيرا من التفاؤل بما يمكن أن يشهده العالم من تطورات على الصعيد الدولي خلال هذا العام.

وليس مصدر هذا التشاؤم المشكلات المتعلقة بمخاطر سعي كوريا الشمالية لامتلاك سلاح نووي، أو حتى تصاعد مخاطر التشدد الإسلامي، فضلا عن انهيار محادثات التجارة العالمية، وإنما كذلك ما يمكن القول بأنه غياب القيادات السياسية الفعالة عن مسرح السياسة العالمية.

فمن ناحية فإن اثنين من قادة العالم المؤثرين وهما الرئيس الفرنسي جاك شيراك ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير سيتقاعدان عن منصبيهما تاركين أوروبا في حالة أكثر من الانطوائية. وفي اليابان فإن رئيس الوزراء شينزو آبي سيعيش حالة تفرض عليه تركيز جهوده على الداخل حيث سيوجه الكثير من اهتمامه على انتخابات مجلس الشيوخ. وفي الصين فإن قضية رئيس الوزراء جينتاو الكبرى والرئيسية إنما تتمثل في كيفية مواصلة الصعود الاقتصادي ببلاده.

وسط هذه الأجواء تبدو الأمور على نحو مختلف في واشنطن حيث تتحرك الأوضاع ببطء وضعف في الأداء، رغم أن الرئيس الأميركي بدا مع توليه الحكم وكأنه يريد ترك بصمة على مختلف القضايا... ففي الداخل عمل على تحقيق دفعة لجهة خفض الضرائب بنسبة عالية، كما سعى في الوقت ذاته إلى تعزيز سيطرة المحافظين الجدد.

أما على مستوى الخارج فقد سعى بوش إلى إعادة صياغة النظام الدولي خاصة فيما بعد الهجمات الإرهابية بعد 11 سبتمبر على برجي مركز التجارة العالمي، فقد أرسل قوات أميركية إلى أفغانستان والعراق، كما عمل على تنفيذ مبدأه - مبدأ بوش - ويقوم على أساس الضربة الاستباقية لمواجهة أي عمليات اعتداء على بلاده، وكذا تصدير الديمقراطية.

مشاعر كراهية لبوش

واذا كانت الملايين من أفراد الشعوب المختلفة ربما يشعرون بالكراهية تجاه بوش بسبب سياساته فإنه من الصعب اتهامه بافتقاد الطموح. ومع ذلك فإنه لا يمكن القول سوى ان الأمر انتهى إلى غير ما وعد به، فقد أدت مجموعة سياساته إلى حالة أفرزت قدرا من التوتر العالمي، ليس ذلك فقط بل إن إدارته صادفت، قدرا من الإخفاق في تحقيق أحلامه.

ونتيجة لكل ذلك فإن محاولة تصور مستقبل الأوضاع خلال عام 2007 في ظل وجود بوش على رأس الحكم في الولايات المتحدة تبدو غير مبشرة، خاصة مع مجموعة التطورات التي شهدتها الأوضاع سواء على مستوى إدارته أو بلاده خلال 2006.

فمع فقدانه الأغلبية الجمهورية في الكونجرس فإن ذلك سيقوض من فرص إمكانية قيام الرئيس باتخاذ مبادرات ذات مغزى لإحداث تغييرات على المستوى الداخلي. أما على مستوى الخارج فإن الأشياء تبدو أكثر قتامة إزاء غرق القوات الأميركية في المستنقع العراقي والأفغاني .

وكذلك تصاعد الجدال بشأن ملفي كوريا الشمالية وإيران ومساعيهما لامتلاك السلاح النووي وسبل التعامل معهما. وعلى ذلك فإنه قد لا يكون من الغريب اذا ما اختار بوش التقوقع خلال 2007 من أجل معالجة القضايا العالقة خلال ما تبقى له من فترة الرئاسة بمنطق الحد من الخسائر.

إرث ذو معنى

ورغم ما سبق فإنه سيكون من الخطأ البالغ بالنسبة له أن يستكين إلى هذه الحالة وتلك التصورات لسببين. فمن ناحية فإن مركزه ليس بالضعف الذي يبدو عليه، والثاني أنه سيكون لديه فرصة لترك إرث أكثر نفعا.

فعلى مستوى الداخل فإن بوش المصاب أو المجروح لم يخرج من الحلبة تماما فعلى الرغم من الهزيمة الساحقة التي لحقت بالجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، فإن المجال ما زال مفتوحا أمامه لاتخاذ الخطوات التي تحد من نتائج هذا التطور.

وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى أن واحدا من المجالات التي يمكن لبوش من خلالها أن يوحد حزبه ويتجاوز «ذنوب» الماضي إنما تتمثل في الإنفاق الحكومي، فعلى مدى أعوامه الست الأولى في البيت الأبيض لم يقم بوش بأي محاولة لتولي زمام الأمور في الكونجرس.

فيما تبدو الفرصة سانحة له الآن، فمع الديمقراطيين والذين يمكن أن يتجهوا إلى الإسراف في الإنفاق فإن ذلك يمثل بالنسبة له سببا حزبيا يبرر اتخاذه مواقف قد تبدو متسمة بالخشونة. تبقى الجبهة المتعلقة بمجال السياسة الخارجية حيث لم يفقد بوش الأمل تماما في الإصلاح واستعادة مصداقيته.

ومرة ثانية فإنه لا يجب أن نبخس الجهد الذي قام به الرئيس ذلك أنه اذا كانت السنوات الست الماضية وهي فترة حكم بوش كشفت عن أن الولايات المتحدة ليست بالقوة المهيمنة التي كان يطمح إليها المحافظون الجدد، فإنهم في الوقت ذاته عززوا حقيقة أنها القوة الأساسية الوحيدة في العالم، الأمر الذي يشير الى حقيقة أنه لا معنى لشيء يجري على صعيد السياسة العالمية بدون الولايات المتحدة. فضلا عن ذلك فإن وضعية الرئيس بوش تجعله الصوت الأكثر خبرة على مائدة مجموعة السبع الكبار.

صعوبات الأوضاع العراقية

لا تعني تلك الرؤية بأي حال من الأحوال محاولة إنكار صعوبة المهمة التي يواجهها الرئيس الأميركي.. فحقيقة الأوضاع في العراق تفرض احتفاظ الولايات المتحدة بقواتها هناك خلال عام 2007، غير أن اعتماد مثل ذلك القرار من جانب الإدارة الأميركية يجب أن يتم وسط شعور بالندم العميق على السياسات التي أفرزت تلك الحالة. وهنا فإن بوش مطالب بأن يقدم للأميركيين والعراقيين تفسيرا واضحا بشأن الأخطاء التي وقعت على صعيد هذه العملية.

وبالنسبة للأجزاء الأخرى من محور الشر فإنه يبقى من الصعوبة بمكان التعامل معها. ولكي نكون واضحين فإن فرصة احتواء كل من طموحات كوريا الشمالية وإيران والإبقاء عليها في إطار الرغبة الأميركية ليست كبيرة. وهذا الوضع يتطلب من الولايات المتحدة الاعتماد بشكل أساسي على انتهاج سياسة العصا والجزرة.

وهو ما يعني في النهاية أن بوش سيجد نفسه أمام احتمال أن تفرض الظروف عليه تقديم المزيد من الإجراءات والضمانات الأمنية إلى النظامين اللذين يحظيان بمقت الإدارة الأميركية في كل من بيونج يانج وطهران. واذا كان من الصحيح أن اتباع مثل هذه السياسة سيكون بمثابة شوكة في حلق الديمقراطية، إلا أن الأمر يستحق القيام به في النهاية اذا ما كانت هذه السياسة يمكن ان تؤتي أكلها لجهة اثناء الدولتين عن السعي لامتلاك القنبلة النووية.

وتكشف هذه الرؤية وفق الأسس التي تم طرحها عن أن عام 2007 يبدو فترة صعبة للغاية، غير أنه فضلا عما سبق فإنه توجد فرص أخرى تمثل للرئيس نوعا من المغامرة يمكن من خلالها أن يقدم إرثا لفترة رئاسته ذا معنى. وتتمثل تلك الفرصة في قضية التجارة العالمية وتدهورها، وهنا فإنه اذا ما استطاع بوش إنقاذ جولة الدوحة بشأن التجارة العالمية فإن ذلك يمكنه من أن يفعل الكثير من أجل إنجاز وتحقيق أجندته بشأن الحرية في العالم النامي.

سرطان الصراع الفلسطيني

نأتي بعد ذلك إلى القضية الأخطر والأهم وهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والذي يمثل ليس فقط سرطانا يسري في أوصال العلاقة بين الإسلام والغرب، ولكن أيضا بين أميركا وأوروبا. لقد أعلن بوش شخصيا سعيه إلى إقامة دولة فلسطينية غير أنه على المستوى العملي لم يقم بالكثير من أجل إنجاز وعده وأن يجد طريقه إلى النور.

من جهة ثانية فإن من الفرص السانحة أمام بوش ويمكن له أن يعزز وضعه من خلالها قضية البيئة وسط تصاعد القلق بشأن التدهور الذي يلحق بها. واذا كانت ادارة بوش قد اتخذت موقفا عدائيا مع توليها الحكم برفض اتفاق كيوتو عام 2001 فإن عددا كبيرا من رجال الأعمال الأميركيين في الفترة الحالية، فضلا عن ان بعض حكومات الولايات تبدي اهتماما كبيرا بقضية التغير الجوي.

واذا وضعنا في الاعتبار أن دولتين مثل الهند والصين لن تقدما على فعل أي شيء للحد من مخرجاتهما الكربونية التي تلقي بتأثيرات سلبية على البيئة اذا لم تقد أميركا الطريق باتجاه تلك الخطوة، فإن ذلك يعني أنه من خلال مبادرة معينة تتسم بالبراعة في التنفيذ يمكن لبوش أن يعمل على تقديم بديل لكيوتو.

وقد يجد بوش بعض من حوله يطلبون منه ألا يقدم على مخاطرة، غير أنه في تحديد رد فعله على هذه التحذيرات فإن بوش يجب أن يضع في اعتباره أمرين: أنه ليس في عجلة من أمره. هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية، أنه - للأسف - عندما ينظر إلى إرثه، لن يجد أن هناك شيئا سيخسره في أي الأحوال!