إذا كان مؤلفا هذا الكتاب قد حرصا على إلقاء الضوء على جوانب شتى من صلات الصداقة، التي ربطت الرئيس الفرنسي جاك شيراك بالعديد من القادة العرب، فإنهما هنا يبادران إلى إضاءة الوجه الآخر، أو المناقض، أي الصلات ـ الوثيقة أيضاً ـ التي ربطت شيراك بيهود فرنسا وبعدد من القادة السياسيين الإسرائيليين،
وهما يشيران إلى أن تعبير شيراك عن غضبه حيال عدد من المواقف الإسرائيلية والذي أخذ شكل فورات مندفعة كان يعقبه على الدوام تطبيق أفضل لاستراتيجية الصمت حيال هذه المواقف نفسها. ذات مساء من خريف عام 1986 حضر جاك شيراك، وكان آنذاك رئيسا لوزراء فرنسا، حفل العشاء التقليدي الذي يقيمه سنويا المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا.
كانت تلك هي المرّة الأولى التي يلتقي فيها بتيو كلاين، رئيس ذلك المجلس. جلس الرجلان كل منهما في مواجهة الآخر وأمضى شيراك السهرة وهو يتحدث عن الحاخام «راشي» واسمه الحقيقي «شلومو ايتشاكي» الذي عاش في فرنسا خلال القرن الحادي عشر. وفي شهر مايو من عام 2003 شهد قصر الاليزيه احتفالا بمناسبة مرور 60 سنة على تأسيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا.
وقد جلس رئيس الجمهورية شيراك إلى جانب «صديقه» حاخام فرنسا الأكبر جوزيف سيتروك ليتحدث معه لمدة ربع ساعة ثم رافقه حتى الباب الرئيسي. وفي العام التالي 2004 ، أدهش جاك شيراك، عندما كان في الطائرة التي تقلّه إلى نيويورك للقاء الطائفة اليهودية الأميركية، ضيوفه الأربعة الذين دعاهم وكانوا جميعهم من اليهود الغربيين ـ الاشكناز ـ بالمديح الذي كاله للحاخام سيتروك.
وكان هذا الحاخام قد أشار هو نفسه في خريف عام 2005، عندما كانت الشائعات تملأ باريس عن الحادث الدماغي الذي أصاب شيراك، أنه كان من بين القلائل الذين اتصل بهم الرئيس هاتفيا عند خروجه من المستشفى.«إن شيراك يحب الحاخامات»، هذا ما ينقله مؤلفا الكتاب عن بيير لولوش، النائب عن الدائرة الحادية عشرة في باريس، وهو يهودي أيضا وكان مستشارا دبلوماسيا لشيراك في بلدية باريس خلال فترة 1989-1995.
وينقلان أيضا عنه وهو الذي كان قد لاحظ عن قرب علاقة شيراك باليهود قوله: «إنه ـ شيراك ـ ليس معاديا للسامية، بل على العكس إنه يبدي في مجالسه الخاصة حبّه للسامية». ويقول تيو كلاين: «إن اليهود يثيرون اهتمامه ويفاجئه دائما أن يقول له أحد مساعديه أو المتحدثين معه أنه يهودي. ولا أعتقد أنه يعتريه الشعور نفسه بالنسبة للعرب القاطنين في باريس».
«لكن الرئيس الفرنسي يتصرف بالطريقة نفسها مع الأرمن والصينيين والانتيليين ـ القادمين من جزر الانتيل»، كما يؤكد المؤلفان وذلك على خلفية إرادته في الحديث مع «المجموعات العرقية» التي لها ممثلوها المحددون والذين يمكن إبرام اتفاقات معهم والذين «يسيرون وراءهم ينفّذون تعليماتهم».
نقرأ: «إن الرجال ذوي الثياب السوداء ـ الحاخامات ـ يتدخلون في الأمور العامة بالطريقة التي يحبها تماما، أي بالطريقة التي يخدمون بها مصالحهم الخاصة. وهذا هو بالضبط مفهومه لتسيير الأمور».
عواطف انتخابية
يعود تاريخ علاقة جاك شيراك باليهود الباريسيين إلى شهر أبريل 1976 الذي شهد صياغة مذكرة من عشر صفحات أعدّها نائب باريس عن الدائرة العاشرة كلود جيرار ماركوس. ويحلل فيها كاتبها رؤية اليهود الباريسيين للحكم والنتائج المترتبة على ذلك انتخابيا.
يعرب فيها عن أسفه للتطور الذي شهدته الدبلوماسية الفرنسية منذ انتخاب فاليري جيسكار ديستان رئيسا للجمهورية إذ انتقلت من «سياسة مؤيدة للعرب متناسقة إلى سياسة مؤيدة للفلسطينيين أقل تناسقا». ويضيف كاتب المذكرة: «رغم وجود علاقات دبلوماسية أفضل مع إسرائيل،
فإن الاقتراع الذي تقوم به فرنسا أحيانا في الأمم المتحدة وفتح مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية في باريس، ونسيان حتى اسم إسرائيل في البيانات الرسمية أكثر فأكثر، الخ، قد أعطى لأولئك الذين اقترعوا لصالح جيسكار ديستان من أجل تغيير السياسة الخارجية الانطباع المزعج أنهم قد انخدعوا».
وهذا ما يترتب عليه، حسب المذكرة دائما، تحوّل جار لدى «الناخبين اليهود» للاقتراع لصالح فرانسوا ميتران، مع ترافق هذا بتدهور صورة الأغلبية الحاكمة -اليمينية آنذاك ـ بشكل واضح.
وكان ميتران، الأمين الأول للحزب الاشتراكي في تلك الفترة يبدو بمثابة «الصديق الأفضل لإسرائيل في فرنسا» ولذلك اقترح كاتب المذكرة بهدف «كبح ذلك التوجه» العمل من أجل «خلق تيار متعاطف» مع شيراك بين يهود فرنسا، واغتنام جميع المناسبات من أجل «إصدار إشارات» في هذا الاتجاه،
مثل موافقة شيراك على إجراء مقابلات مع الصحافة اليهودية وحضور الاحتفالات الدينية لليهود ومقابلة ممثليهم عند القيام بزيارات للمحافظات الفرنسية. بل واقترح «ماركوس» كخطوة أولى تنظيم مأدبة غداء في قصر ماتينيون ـ مقر رئاسة الحكومة- يحضرها الممثلون الرئيسيون لليهود في فرنسا.
وكان شيراك، رئيس الوزراء الشاب، ينظر آنذاك نحو المستقبل حيث كان منصب رئاسة الجمهورية قد بدأ يدغدغ أحلامه وكان الناخبون اليهود يثيرون اهتمامه في هذا المنظور.
وبالتالي أراد جلب اليهود ذوي الاتجاه السياسي اليميني نحوه قبل أن يذهبوا إلى معسكر ميتران على قاعدة رفضهم للسياسة «الموالية للعرب» التي بدأت مع جيسكار. هكذا جرى تنظيم حفل الغداء المقترح ولبّى عشرون من الشخصيات اليهودية الدعوة.
وأصبح ثلاثة منهم أصدقاء وداعمين لشيراك لاحقا، وهم «ادي ستيج» جراح المسالك البولية الشهير الذي عالج مرض «البروستاتا» الذي عانى منه ميتران مدة 14 سنة وأجرى له عمليتين جراحيتين؛ والفيلسوف والكاتب «جيرار إسرائيل»،
الذي أصبح الداعم الرئيسي لشيراك داخل الطائفة اليهودية الفرنسية والحاخام «جاكوب كبلان» الذي كان الحاخام الأكبر في فرنسا عند تنظيم حفل الغداء ذاك والذي قال إنه «وقع أسير جاذبية شيراك،
وأحبه كثيرا، واعتبره مثل حفيده». وبالمقابل «قاتل» شيراك بعد عشر سنوات عندما أصبح رئيسا للوزراء أثناء فترة «التعايش» مع ميتران، من أجل أن يمنح الرئيس ثلاثة أوسمة شرف - الأكبر في فرنسا- في تلك السنة وليس وساما واحدا كما جرت العادة،
وبحيث يكون أحد الأوسمة الموزعة من حظ الحاخام «كبلان»، وكان منح ذلك الوسام مناسبة لإقامة احتفال في مقر رئاسة الحكومة ألقى فيه الحاخام كلمة مفعمة بالمديح لصديقه. «إن شيراك يحب الحاخامات، والحاخامات يحبون شيراك»، هكذا يعلق مؤلفا هذا الكتاب.
بعد شهر فقط من حفل الغداء «الشهير» قدّم «ألان دو روتشيلد» رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، ملفا لشيراك عن اليهود «المحجوزين» في سوريا حيث كان الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد سيزور باريس. ويؤكد المؤلفان أن شيراك قد تحدث مع الأسد عن الموضوع وبعده مع المسؤولين السوريين الذين التقى بهم.
ترك جاك شيراك رئاسة الحكومة الفرنسية للمرّة الأولى في شهر أغسطس من عام 1976 وأصبح رئيسا لبلدية باريس في شهر مارس 1977. و«باريس هي المدينة الفرنسية التي يوجد فيها أكبر عدد من اليهود ولليهود فيها الوزن الأكبر».
ودلّ تحليل للانتخابات البلدية أن اليمين قد خسر الدائرة الثالثة في باريس بسبب اقتراع اليهود، ذوي الوجود الكبير فيها، الذين أعطوا أصواتهم للمرشح الاشتراكي كي «يعاقبوا» التوجه السياسي «الموالي للفلسطينيين» الذي انتهجه جيسكار ديستان.
وكانت بلدية باريس قد انتهجت في ظل شيراك سياسة ملائمة لازدهار المدارس اليهودية، كما أنه قدّم تسهيلات في هذا الاتجاه عندما أصبح رئيسا للوزراء. وينقل المؤلفان عن «يوسف بيزنير»، أحد الشخصيات اليهودية الفرنسية المعروفة، قوله: «لم تبدأ المدارس ـ اليهودية ـ بالنمو إلا في نهاية عقد السبعينات.
وكان لا بد من وجود رجل شجاع مثله كي يفهم ويتخذ القرارات المطلوبة. إن شيراك قد قدّم خلال عامين للمدارس اليهودية أكثر مما قدّمته الهيئات البلدية خلال عامين للمدارس اليهودية أكثر مما قدّمته الهيئات البلدية خلال عشر سنوات».
وما يؤكده المؤلفان هو أن «تحالفا إستراتيجيا» غير معلن قد قام بين شيراك واليهود. فهو يساعدهم من جهته على النمو، وهم يولونه دعما لا خلل فيه. وكان الحاخام الأكبر قد دعا «اليهود» الفرنسيين عام 1995 إلى الاقتراع لصالح جاك شيراك «منذ الدورة الانتخابية الرئاسية الأولى».
وهنا يفتح المؤلفان قوسين ليكتبا: «مع ذلك، منذ اليوم الأول حتى اليوم الأخير، كان هناك سيف مسلط على تلك العلاقة الحميمة، إنه سيف المسألة الفلسطينية».
ويضيفان: «منذ مأدبة الغداء الأولى عام 1976 في قصر ماتينيون ـ مقر رئاسة الحكومة ـ أبدى جاك شيراك، المعروف عادة بأنه يتفوه بالخطاب الذي ينتظره منه الشخص الموجود في مواجهته، حذرا كبيرا حول المسألة».
وقد تبدّى ذلك الحذر في العديد من المناسبات. فمثلا عندما أقنعه محيطون به أن يدعو في عام 1978 رئيس بلدية القدس إلى باريس، بوصفه رئيسا لبلديتها، فعل ذلك لكنه أبدى أسفه عندما التقى بالسفراء العرب الذين قابلوه كي يحتجوا على الزيارة عند الإعلان على اعتبار أنها تشكل اعترافا بضم القدس كلها لإسرائيل.
وقال لهم أنه وجد نفسه أمام الأمر الواقع وأنه قد حدد لنفسه قاعدة هي استقبال جميع رؤساء البلديات في العالم الذين يطلبون منه ذلك وأنه «لا يستطيع أن يشذ عن هذه القاعدة».
أعرب الإسرائيليون عن غضبهم حيال ما قاله شيراك للسفراء العرب وهددوا بإلغاء الزيارة، لكنها حصلت بعد صياغة بيان يؤكد على أنه تجري في إطار العلاقات التي تنوي باريس إقامتها مع المدن الأجنبية قصد تطوير عملها الدولي وبأنه « لن يتم اعتبارها بمثابة موقف يتخذه رئيس بلدية باريس حول المكانة القانونية والسياسية للقدس».
وينقل المؤلفان عن صحيفة «تشرين» السورية أنها نشرت بعد 15 يوماً من تلك الزيارة تصريحا لرئيس بلدية باريس يؤكد حرصه على أن تأخذ «بعدا دينيا فقط»، وبأنه طلب من رئيس بلدية القدس «عدم حضور الاحتفالات التي كان اليهود الفرنسيون ينظمونها بمناسبة الذكرى الثلاثين لإقامة إسرائيل».
غضب الإسرائيليون من جديد، وكذّب مكتب باريس بقوة البيان. وبعد خمس سنوات، قال شيراك أمام اليهود الأمريكيين عندما كان يزور الولايات المتحدة أنه «لم يتردد في استقبال رئيس بلدية القدس رغم ضغوط سفراء البلدان العربية».
توطدت العلاقة بين شيراك واليهود الفرنسيين بعد زيارة رئيس بلدية القدس و«أصبح شيراك صديق اليهود»، حسب تعبير المؤلفين، قبل أن ينقلا عن أحد الشخصيات اليهودية، يوسف بن بيزنر قوله: «يمكن الاعتماد عليه - أي شيراك- في حالة التعرّض لمصاعب كبرى.
ونحن نعلم أنه لن يبيعنا». وينقلان عن «تيو كلاين» قوله: «شيراك ديمقراطي حقيقي، وجمهوري حقيقي، وحتى راديكالي ـ اشتراكي حقيقي، أي أنه شخص يتمتع، إلى جانب قناعاته الأساسية الجوهرية، بقناعات تتعلق بمهنته. فلكي يكون المرء رجل سياسة ينبغي أن ينتخبه الناس، أي أن يكون مدعوما من ناخبين، ولديه بالتالي قاعدة جغرافية وأن يخدم ناخبيه».
ماذا عن المنظمة؟
كان هناك حشد كبير من الصحافيين في قاعة الاحتفالات الكبيرة في قصر الاليزيه بعد ظهر يوم 27 نوفمبر 1967 حيث كان الجنرال ديجول سيعقد مؤتمرا صحافيا. وكان العديدون يتأهبون لطرح أسئلة عليه حول الوضع في الشرق الأوسط بعد حرب 5 يونيو1967 التي هزمت فيها إسرائيل الجيوش العربية واحتلت الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان.
ومما قاله الجنرال في ذلك اليوم بصراحته المعهودة الجملة التالية: «اليهود، شعب من النخبة، واثق من نفسه وميّال إلى السيطرة». ومن المعروف عن ديجول، كما يتم وصفه، أنه كان معجبا بإسرائيل وخاصة بديفيد بن غوريون.
لكن الجملة التي تلفّظ بها هي التي استقرّت بالأذهان ونسي الجميع ما كان قد أكّده الجنرال قبل الحرب بأن فرنسا ستدعم إسرائيل في حال تعرضها لهجوم و«لن نسمح بتدميرها» كما قال، ولكن لن يكون هناك مهرب من إدانتها إذا قامت هي بالهجوم.
كما وجّه الجنرال بعد ذلك تحذيرا لإسرائيل التي «تقيم على الأراضي التي استولت عليها احتلالا لا يمكن أن يمر دون قمع واضطهاد وعمليات طرد وسوف يثير ضدها مقاومة ستصفها بأنها إرهاب».
ودعا الجنرال في السياق نفسه إلى تسوية دولية وإلى الاعتراف المتبادل بين جميع دول المنطقة. ويشير المؤلفان هنا إلى أن مجريات الأمور لاحقا من كامب دافيد إلى اتفاقية أوسلو ومرورا بمؤتمر مدريد، أكّدت كلها نفاذ بصيرته.
كان جاك شيراك حاضرا في المؤتمر الصحافي ليوم 27 نوفمبر 1967. كان عمره 35 سنة وجلس في الصف الأخير بين الرسميين كما تقتضي المراسم إذ كان سكرتير دولة لشؤون العمل.
وقبل ستة أشهر كان قد استطاع أن يفوز في الانتخابات التشريعية بمنطقة «كوريز» التي كانت تبدو مستعصية على اليمين. استقبله الجنرال آنذاك كي «يرى رأس هذا الشاب الحيوي» وأدخله إلى الحكومة بناء على نصيحة رئيس الوزراء جورج بومبيدو.
«بماذا احتفظ الشاب من المؤتمر الصحافي لشهر نوفمبر 1967؟»، يتساءل المؤلفان، ليشيرا مباشرة إلى أن شيراك لم يذكر أبدا طيلة مسيرته السياسية اللاحقة ذلك المؤتمر في أي تصريح حول الشرق الأوسط.
ولا يبدو في مثل هذا «النسيان» أي بعد عفوي فشيراك يجد مرجعياته دائما في أقوال الجنرال. نقرأ: «إذا لم يكن ذلك - النسيان- ناتجا عن حسابات دقيقة، فإنه يترجم حدسا. ففي الأشهر التالية لاحظ الشاب شيراك الغضب الذي أبداه يهود فرنسا حيال ما قاله الجنرال».
وكان الفيلسوف والمفكر الفرنسي-اليهودي الكبير ريمون آرون قد نشر في تلك المناسبة كتابا صغيرا تحت عنوان «ديجول وإسرائيل واليهود» وجاء في أحد جمله متهما الجنرال أنه «فتح عن وعي وسابق إرادة مصممة فترة جديدة من التاريخ اليهودي وربما من تاريخ مناهضة السامية».
لقد «تعلّم» شيراك من الدرس واختار نهجا دقيقا محددا هو «عدم التفوّه بأية كلمة أعلى من الأخرى فيما يتعلق بالمسألة الإسرائيلية ـ الفلسطينية». وبتاريخ 21 أكتوبر 1974، كان «جان سوفانيارج» أول وزير خارجية فرنسي يلتقي بياسر عرفات.
كان ذلك أثناء مأدبة إفطار نظمها السفير الفرنسي في بيروت. أسهبت الصحافة في تغطية ذلك «الحدث التاريخي» والمصافحة بين الرجلين. في الأسبوع التالي تحدث فاليري جيسكار ديستان عن «التطلع الطبيعي» للشعب الفلسطيني بأن «يكون له وطن». وفي شهر نوفمبر 1975 سمح مرسوم رسمي فرنسي بفتح «مكتب إعلام وارتباط» لمنظمة التحرير الفلسطينية في باريس.
وكان قد جرى في ذلك كله وضع رئيس الوزراء ـ جاك شيراك ـ جانبا. وقد أقسم فيما بعد أنه «علم بفتح مكتب منظمة التحرير عبر الإذاعة». ويشير سيرج بوادوفيه، المستشار الدبلوماسي آنذاك لدى رئاسة الحكومة، والمهندس الرئيسي للسياسة «الأوروبية ـ العربية» التي أرادها وزير الخارجية الفرنسي ميشيل جوبير أنه «لم يكن لدى شيراك أي رأي خاص حول النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني».
لكن برنار بيلود، مدير مكتب شيراك آنذاك، لم يكن موافقا على مثل ذلك الرأي، وينقل المؤلفان عنه قوله: «كان موقفه الرسمي هو عدم دعم قيام الدول الفلسطينية، لكنه كان يدعم الدولة الفلسطينية سرا».
وقد أشار مدير مكتبه أيضا إلى لقاء أول لشيراك مع أحد قيادات فتح هو «عبد الجواد صالح» في القاهرة عام 1980 في إطار «الاتحاد الدولي للمدن التوائم» ـ كان ميتران قد زار غزة عام 1972 وقابل عرفات في القاهرة عام 1975، وقد ألحّ رئيس بلدية باريس في ذلك اللقاء على ضرورة «الاعتراف المسبق بإسرائيل» ليستمع بعد ذلك إلى المطالب الفلسطينية.
لكن شيراك قوبل باحتجاجات كبيرة من قبل اليهود الفرنسيين، مما أثار غضبه الشديد وقال لرئيس مكتبه، كما ينقل عنه: «إن اليهود، وبفعل الزيادة في مطالبهم وفي عدم تسامحهم، سيؤدون إلى انبعاث معاداة السامية من جديد، وقد يتم إلقاء إسرائيل في البحر. إن سياستهم لا مسؤولة، وسلوكهم يغدو بالنسبة لي بصراحة غير محتمل».
استراتيجية الصمت
هكذا يرى المؤلفان أن جاك شيراك يمكنه أيضا أن يرى أنصار إسرائيل مفرطين في «الثقة بأنفسهم». لكن إذا كان الجنرال ديجول قد امتلك شجاعة الإفصاح عن خلافه مع أنصار إسرائيل أثناء مؤتمر صحافي، فإن شيراك يفضل أن يعرب عن ذلك عبر «فورات» من الغضب كي «يستأنف بعد ذلك بشكل أفضل إستراتيجيته القائمة على الصمت».
هكذا مثلا أعطى لوزير خارجيته جان برنار ريمون تعليمات صارمة ظلت سرية عام 1986 تقضي بمنعه بشكل قاطع من اللقاء مع ياسر عرفات بحيث «لا تأتي صورة لوزير خارجيته مع عرفات وتخرّب عشرة سنوات من العمل». ومن الواضح أن مثل ذلك القرار كان يشكل قطيعة مع الدبلوماسية الفرنسية التي كان هو نفسه قد أقرّها عندما كان رئيسا للوزراء في المرّة الأولى 1974-1976.
وفي معرض المقارنة بين جاك شيراك وفرانسوا ميتران المعروف بأنه «صديق إسرائيل» تتم الإشارة إلى أن ميتران كان قد وضع تحقيق هدف الوصول إلى «السلام في الشرق الأوسط» في المرتبة الرابعة بين الاقتراحات ال110 التي تقدم بها كبرنامج انتخابي.
وكان ميتران قد دعا أمام الكنيست الإسرائيلي عام 1982 إلى الحوار الذي «يفترض أن يصل كل طرف إلى حقه كاملا، والذي يعني بالنسبة للفلسطينيين وللآخرين قيام دولة».
وكان ميتران قد أنقذ عرفات مرة أولى أثناء حصار الإسرائيليين لبيروت في شهر أغسطس 1982 ومرّة ثانية عندما كان محاصرا في طرابلس بشمال لبنان من قبل فلسطينيين معارضين له تدعمهم سوريا في شهر ديسمبر 1983. ولكن ميتران بقي «صديق إسرائيل والشعب اليهودي»، حسب تعبير ينقله المؤلفان عن رئيس إسرائيل السابق إسحاق نافون.
وبتاريخ 15 أغسطس 1986 نشرت صحيفة «يديعوت احرونوت» الإسرائيلية مقابلة مع رئيس الوزراء الفرنسي جاك شيراك أجراها الصحافي «بن بورات» ونقل عن شيراك قوله له، حسب شريط مسجل، أنه لم تكن له أية علاقة بالعقد النووي الفرنسي ـ العراقي الموقع عندما كان رئيسا للوزراء في المرّة الأولى.
ثم أضاف معربا عن صداقته لإسرائيل وحذره حيال منظمة التحرير الفلسطينية قوله: «من المؤكد والثابت أنني لن أقوم أبدا بعمل أي شيء قد يؤذي إسرائيل فأنا متضامن مع هذا البلد ومع قيمه (...).
وإنني لست مؤيّدا لقيام دولة فلسطينية مستقلة، لكن ينبغي أن يتصرف الفلسطينيون بالأرض الخاصة بهم؛ وأعتقد أنه ينبغي حل المسألة في إطار التفاوض مع الأردن وأنا مؤيد لأية مبادرة يمكن أن تؤدي إلى قيام علاقات جيدة بين إسرائيل والملك حسين.
وإذا كنت لم أجتمع أبدا مع يسار عرفات، فإن هذا قد لا يكون محض صدفة. وأنا من بين رجال السياسة الفرنسيين النادرين الذين يرفضون مبدأ أن تكون منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني...».
بعد نشر تلك المقابلة أعلنت الحكومة الفلسطينية أن رئيس الوزراء لم يجر أية مقابلة مع صحيفة إسرائيلية مع التأكيد أن حديثا «عاديا» قد جرى مع الصحافي «بو بورات» الذي يؤكد أن الأمر كان بصيغة مقابلة صحافية مع آلة تسجيل.
ويرى مؤلفا هذا الكتاب أن شيراك أراد أن «يبعث إشارة صداقة» حيال إسرائيل قبل أن يتراجع في اتجاه آخر حيث صرّح للصحافة بعد ثلاثة أيام من نشر «المقابلة» قائلا: «الجميع يعرفون موقف فرنسا من المشكلة الفلسطينية، وهو موقف ثابت لا يتأرجح والجميع يعرفون أيضا موقفي».
فماذا كان موقفه الحقيقي حيال قيام دولة فلسطينية؟ كما سأله بعض الصحافيين فأجاب: «إنني سأقول لا لقيام دولة كوريزية ـ في منطقة كوريز الفرنسية- رغم جذوري المتأصلة فيها».
وينقل المؤلفان عن الكاتب والمفكر الفلسطيني إلياس صنبر، مدير مجلة الدراسات الفلسطينية والمقيم في باريس منذ 30 سنة، قوله لهما في مقابلة معه في شهر يونيو 2005 أن «شيراك كان يجهل كثيرا المسألة الفلسطينية» قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية عام 1995.
ويريان أن خياره كان هو أن «يتجنب أي خيار». ولكن إذا كان يعرب عن صداقته لإسرائيل وحرصه على سلامتها كموقف سياسي فإنه كان يفصح أحيانا عن غضبه من السياسة الإسرائيلية وتعاطفه الوجداني مع الفلسطينيين.
ونقرأ في مقابلة له مع صحيفة لوموند بتاريخ 11 نوفمبر 1986 وصف فيها الأميركيين بأنهم «نبّاحون» وقال عن الإسرائيليين: «إنهم يشعرون بالتشوش عندما تنفجر قنبلة بالقرب من حائط المبكى، لكن يبدو أنهم ينسون ما يرى العرب عندما يقصف الإسرائيليون مخيمات الفلسطينيين ويقتلون ويشوهون الأبرياء».
عرض ومناقشة: محمد مخلوف


